✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لم تكن معركة «طوفان الأقصى» التي بدات في السابع من أكتوبر 2023 مجرد جولة عسكرية جديدة في الصراع الفلسطيني مع الكيان المحتل، لكنها شكّلت نقطة تحول استراتيجية كسرت صورة الكيان الذي لا يُقهر، وفتحت أمام المنطقة مرحلة جديدة
من الصراع بين الحق والباطل.
فقد أثبتت المعركة، أن العدو بالتفوق التقني والاستخباري والعسكري لا يعني امتلاكه القدرة على منع الاختراق أو فرض الحسم العسكري والسياسي، إنما وضعت المشروع الصهيو امريكي أمام اختبار وجودي.
فالمقاومة الفلسطينية في غزة فرضت معركة طويلة على جيش الاحتلال، بينما فتحت جبهات الإسناد في لبنان وإيران واليمن والعراق، وتحول البحر الأحمر إلى ساحة ضغط على المصالح المرتبطة بالكيان اللقيط.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحول: الكيان الذي كان يريد أن يجعل المعركة محصورة داخل غزة، وجد نفسه أمام وحدة الساحات.
فالاستنزاف لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ أو العمليات العسكرية، وإنما بما تتركه الحرب من آثار على المجتمع والاقتصاد والجيش والثقة بالمؤسسات ومستقبل الهجرة والاستيطان.
في المقابل، فإن محور الجهاد والمقاومة لا ينظر إلى المعركة باعتبارها مواجهة عسكرية، إنما باعتبارها صراع ديني وإرادات وتحرر ومصير مشترك.
فالمقاومة الفلسطينية أثبتت أن امتلاك الإرادة والصمود يمكن أن يعطل قدرة جيش متفوق تقنياً على تحقيق أهدافه السياسية بسرعة، بينما أظهرت جبهات الإسناد أن الجغرافيا التي حاول الاحتلال تحييدها لم تعد بالضرورة خارج دائرة الصراع.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الدور اليمني في المعركة؛ إذ لم يقتصر الأمر على إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه الأراضي المحتلة،
فقد ارتبط كذلك بعمليات في البحر الأحمر استهدفت حركة الملاحة المرتبطة بكيان العدو، ما جعل باب المندب والبحر الأحمر جزءاً من معادلة الحرب الإقليمية.
وكذلك فإن دخول حزب الله على خط الإسناد منذ الثامن من أكتوبر 2023 فتح جبهة شمالية أجبرت الاحتلال على التعامل مع تهديد عسكري موازٍ، قبل أن تتطور المواجهة اللبنانية الإسرائيلية لاحقاً إلى حرب واسعة.
ولذلك فإن الحديث عن انهياره لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حدثًا فوريًا أو نتيجة ضربة واحد، إنما المقصود هو مسار تراكمي تتآكل فيه عوامل القوة والبقاء: الأمن، والاقتصاد، والهجرة، والتماسك الداخلي، والقدرة على الحسم، والردع، والدعم الخارجي.
وهنا تبرز مقولة قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي التي تختصر هذه الرؤية في بعدها الإيماني والاستراتيجي، حين قال:
«مهما فعل العدو الإسرائيلي فإننا نصل إلى الحتميات الثلاث: هزيمة هذا العدو وسقوطه، خسارة الموالين له، وغلبة عباد الله الواثقين به والمتوكلين عليه».
هذه «الحتميات الثلاث» في القراءة القرآنية التي قدمها السيد القائد، ليست مجرد شعار تعبوي، إنما إطار لفهم مآلات الصراع:
فكيان العدو قد يمتلك القوة، لكنه لا يستطيع أن يضمن الخلود لمشروعه؛ والموالون له قد يراهنون على حمايته، لكنهم معرضون لخسارة رهانهم؛ أما أصحاب القضية الذين يمتلكون الثقة والصبر والإرادة والثبات والقوة والمواجهة تحولت إلى عنصر قوة بأيديهم وبالله وبها سيتحقق النصر.
ولهذا فإن «طوفان الأقصى» لا يُقرأ فقط من خلال نتائج يوم السابع من أكتوبر، ولا من خلال الجرائم وحجم الدمار الذي خلفه الحرب والحصار على غزة، لكن من خلال التحول الذي أحدثه في معادلة الصراع نفسها.
لقد انتقلت القضية الفلسطينية من محاولة عزلها داخل حدود غزة إلى مواجهة ذات امتدادات إقليمية؛ وانتقلت صورة الكيان من «الدولة التي تفرض الأمن» إلى كيان يحتاج بصورة متزايدة إلى الدعم العسكري والسياسي الخارجي؛ وانتقلت المقاومة من الدفاع في مساحة محدودة إلى فرض حسابات جديدة على جبهات متعددة.
ومن هنا، فإن معادلة الانهيار لا تبدأ يوم سقوط تل أبيب، وإنما تبدأ يوم يفقد الكيان الثقة بأنه قادر على ضمان أمن مستوطنيه، وحسم حروبه، والحفاظ على اقتصاده، واستقطاب المهاجرين، وتوحيد مجتمعه، وفرض الردع على قيادة الجهاد والمقاومة.
وهنا تكمن خطورة «طوفان الأقصى» بالنسبة للمشروع الصهيو امريكي وداعميه : أنه لم يكن مجرد معركة عسكرية، لكنه فتح معركة على معادلة وقف الإستباحة والتوسع ومنذرٌ بإزالة الغدة السرطانية من جسد الأمة.
خلاصة القول: المعركة ما زالت مفتوحة، وما زالت موازين القوى قابلة للتحول، لكن المؤكد أن صورة ما قبل السابع من أكتوبر لم تعد هي صورة ما بعده؛ وأن الطريق إلى الحتميات الثلاث التي تحدث عنها قائد الثورة يبدأ من استمرار الصمود، وتراكم الاستنزاف، وتوحيد الساحات، وتحول المقاومة من رد فعل إلى معادلة إقليمية تفرض على كيان العدو وداعميه حسابات لا يمكنهم تجاهلها، فوعد الآخرة أقترب، والكيان اللقيط الى زوال، بقوة الله تعالى.