الفرعي:
«سيرة ومسيرة فقيد الأمة الإسلامية الشهيد علي خامنئي؛ رافع كتاب الله، مكرم حفاظه، ناصر مقدساته، داع لوحدة أمته»
قال تعالى: { والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إن لا نضيع أجر المصلحين}. لم أنقش هذه السطور لإن الحدث فرض نفسه، حيث هذا الإمام طالما تمنى الشهادة في سبيل الله مدافعا عن أمن وطنه وأمان واستقرار شعبه، فما نالها إلا وقد قدم كل نفس نفيسة، واستمرت رسالته كما كانت لا تنقطع كالنهر لا ينضب. حين تتجسد القيادة في صورة نادرة_قامة كالنخلة لا تنحني لريح، وقلب كالبحر يتسع لهموم الملايين، وجبين يطأطئ تواضعا رغم ما يملكه من هيبة كالجبل الشامخ_يصبح السكوت جحودا، والكتابة وفاء لا منة فيه.
أرى في سيرته ومسيرته امتزاجا فريدا كالضوء يمتزج بالشذى: حكمة ترد بها مكائد كل كائد كالمهند البتار، ورحمة تجبر بها الكسور كالغيث الغزير، وصلابة تقام بها الحدود والجغرافيا كالطود الشامخ. كان ينصت لصغير الأمة وكبيرها، ويحمل أعباء شعبه كأنها أمانة نزلت من السماء، يسهر على راحتهم كالبدر في الظلام. لم يكن حاكما يحصن عرشه، بل خادما يتواضع لقيم آمن بها؛ فالفرق شاسع بين من يطلب السلطة ليعظم نفسه، ومن يعظمه الناس لأنه بذل شخصه لخدمة قضيتهم كالشمعة التي تذوب لتنير.
قال تعالى في محكم التنزيل:{ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}. لقد قضى حياته يدعو بلا كلل أو ملل إلى توحيد الكلمة، ويرص الصفوف كالؤلؤ ينظم في سلك واحد، ويحث على الحوار سبيلا للتقارب لا للتنافر. لم يأل جهدا في تنبيه الأمة إلى مخاطر المشروع الصهيوني التوسعي كالغدة السرطانية التي تستشري في الجسد، محذرا من أن العدو لا يقيم حدودا كالذئب لا يعرف سياجا، وأن التفرق هو باب الدخول إلى كل كارثة تحل بالمنطقة. ليست هذه انفعالا بالوجدان، بل محاولة لقراءة تجربة قيادية تقدم لنا معادلة النجاة: أن تقرن الحزم بالحكمة كالحسام بغمده، والشجاعة بالبصيرة كالعين بنورها.
رفع كتاب الله بكل تواضع كالغصن الرطب وعزة الأسد في عرينه، فاستضاف حفاظه من مشارق الأرض ومغاربها، وأقام المسابقات التي تحيي النداء القرآني في أجيال قد يوشك صدى كلامه أن يخفت كالسراج في الريح. قال تعالى: { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم}، فلم يكن ذلك ترفا ثقافيا، بل وعيا عميقا بأن الذاكرة حين تفقد نصها المقدس تفقد هويتها كالجسد بلا روح، فكانت تلك اللقاءات جسرا من نور يربط حاضر الأمة بمنبع وحيها الأصيل.
وفي كل مناسبة، كان يكرم أصحاب الأصوات العذبة والترتيل المتقن، لا كراع يمنح الهبات، بل كتلميذ يقر بفضلهم في حفظ الوحي واتقانه كمن تابع نهجه يقبل يد أستاذه. ترى كيف لا يعظمهم وهو يعلم أن كل آية يتلى بها وجه الله هي سياج كالسور الحصين يحمي العقيدة من الزوال؟ وهكذا امتدت يده الكريمة كالنهر الجاري لتشمل كل قارئ ومجود، دون تمييز كالشمس تشرق على الجميع، إيمانا منه بأن القرآن وحده لا وحماته بنيانا مرصوص، كالروح والهيكل العضوي، وحماته جسد واحد إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد. وكان من أبرز سجاياه أنه كرم آل بيت النبوة_مالهم منزلة تسمو كالكواكب في الثريا، مذكرا بقول النبي الأكرم: « إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا» وهل من مسلم على وجه الأرض لا يكرم آل بيت النبوة؟ إنهم امتداد الوحي كالنهر يمتد من ينبوعه، ومعدن الحكمة كالذهب في منجمه، فكانت محبتهم ركنا من أركان عقيدته كالعود للخيمة، ووفاؤهم واجبا لا يحيد عنه كالقمر لا يخرج من فلكه.
لم يغب عن باله يوما أن المسجد الأقصى هو قلب هذه الأمة النابض كالقلب للجسد، فما فتئ يعلي صوته نصرة له كالصوت يعلو فوق الضجيج، ويشدد على أنه حق لا يباع كالشرف ولا يوهب كالحرية. قال سبحانه: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}، فلم يكن موقفه مجرد خطاب عابر كالريح تمر ولا تبقي أثرا، بل كان موقفا استراتيجيا راسخا كالجذور في الأرض يدرك من خلاله أن العدو حين يغتصب الأرض المقدسة إنما يستهدف هوية الأمة جمعاء. وظل يردد نداء لا يكل، أن سبيل النجاة يكمن في توحيد الصفوف كالأسوار تبنى حجرا فوق حجر، وتقريب المذاهب كالألوان تتجاوز في لوحة واحدة. وفتح أبواب الحوار البناء بين أبناء الدين الواحد كالقلب يفتح ذراعيه لأخيه. وحذر مرارا وتكرارا من مخاطر المخطط التمددي الاغتصابي الصهيوني كالنار تحت الرماد، موضحا أنه عدو لا يفهم حدودا، كالنمل ينسف السد رويدا رويدا، وأن الفرقة بين المسلمين هي مدخله الأول نحو الهيمنة كالباب المشرع على مصراعية للغزاة، إن رؤيته لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت قراءة استباقية تدرك أن المعركة بتمزيق وحدة الوعي قبل أن تخاض بالسلاح.
قال تعالى: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}. لقد نال ما تمناه، فاستشهد وهو مدافع عن أمته وشعبه، ولم تمت رسالته بموته، بل استمرت تنبض في العروق كالدم. فالعظماء لا يموتون حين تغيب أجسادهم كالشمس تغرب ثم تطلع، بل يموتون. حين تنقطع الأجيال عن السير على خطاهم، تضيع كقافلة في طريق مظلم مقفر مجهول. واجبنا أن نحفظ الوصية كالعهد في أعناقنا: أن نقرأ كتاب الله فهما وعملا؛ أن نكرم أهل بيت النبوة إيمانا ووفاء، أن نكون صفا واحدا في وجه العدوان كالسور المتين، وأن ندرك أن قوتنا لا تكمن في تفرقنا. هكذا تستمر الرسالة، ويبقى القائد حيا في ضمير أمته كالروح في الجسد، لا بمدح يقال كالصدى في الوادي، بل بمسيرة تكمل كالنهر يصل إلى البحر، ووحدة تبنى كالبيت يبنى لبنة فوق لبنة، وحق ينصر كالفجر يتجلى كالشمس تشرق لا محالة وكالقمر يكمل بدره في ميعاده.
كاتب دمشقي حر.