لا يزال تغيير مسار الكويكبات الكبيرة ومنع اصطدامها بالأرض من أبرز التحديات التي يدرسها علماء الفيزياء الفلكية.
وأظهرت محاكاة حاسوبية جديدة أن تفجير شحنة نووية على مسافة من كويكب يمكن أن يؤدي إلى تفتيت الجسم الصخري إلى أجزاء، مع إحداث تغيير في حركته.
وكشفت الدراسة أن العامل الأساسي في هذه العملية ليس موجة الصدمة التقليدية الناتجة عن الانفجار، وإنما الإشعاع القوي، ولا سيما الأشعة السينية.

وأجرى الدراسة علماء من مختبر لورانس ليفرمور الوطني في الولايات المتحدة، حيث درسوا من خلال نماذج حاسوبية كيفية تأثير الإشعاع الناتج عن انفجار نووي في صخور كويكب كبير. ونشرت نتائج البحث في مجلة The Planetary Science Journal.
خطر اصطدام الكويكبات بالأرض
يمكن أن يؤدي سقوط جسم فضائي كبير على الأرض إلى دمار واسع النطاق.
ويشير الباحثون إلى أن كويكبا بحجم ملعب كرة قدم يمكن أن يتسبب في تدمير مدينة كبيرة بالكامل إذا اصطدم بها، بينما يصعب في بعض الحالات اكتشاف الكويكبات الداكنة في وقت مبكر بما يكفي قبل اقترابها من الأرض.
ولهذا السبب، يبحث العلماء باستمرار عن وسائل يمكن من خلالها تغيير مسار الأجرام السماوية التي قد تشكل خطرا على كوكبنا.
وتناقش فكرة استخدام الأسلحة النووية في الدفاع عن الأرض ضد الكويكبات منذ عقود، إلا أن تنفيذ تأثير مباشر على كويكب سريع الحركة قد يتطلب وصول مركبة فضائية إليه والتعامل مع سطحه.
كما أن شكل الكويكب وطريقة دورانه يمكن أن يزيدا من صعوبة تنفيذ مثل هذه المهمة.
وتشير المحاكاة الجديدة إلى إمكانية دراسة خيار آخر يتمثل في التعامل مع الخطر عن بعد بدلا من محاولة تنفيذ اصطدام مباشر بالجسم الفضائي.
تأثير الانفجار من مسافة
حاكى الباحثون في الدراسة انفجارا نوويا بقدرة ميغاطن واحد، واستخدموا في النموذج جسما افتراضيا يبلغ قطره 160 مترا.
وجرى في المحاكاة تفجير الشحنة على مسافة قصيرة من سطح الجسم، مع الأخذ في الاعتبار الظروف الموجودة في الفراغ الفضائي.
وفي الفضاء، لا تنتقل موجة الصدمة بالطريقة نفسها التي تنتقل بها في الغلاف الجوي للأرض، ولذلك ركز الباحثون على تأثير الإشعاع الناتج عن الانفجار.
الأشعة السينية العامل الأساسي
أظهرت المحاكاة أن الإشعاع القوي، وخاصة الأشعة السينية، يمثل العامل الرئيسي في التأثير على سطح الكويكب في هذه الظروف.
ووفقا للدراسة، يمكن أن تحمل الأشعة السينية نسبة كبيرة من الطاقة الناتجة عن الانفجار النووي.
وتؤدي الأشعة إلى تسخين وتبخير طبقة رقيقة من سطح الكويكب. وعندما تتمدد المادة المتبخرة إلى الخارج، فإنها تولد قوة دفع يمكن أن تغير سرعة حركة الجسم الفضائي ومساره.
ولا يقتصر التأثير على الطبقة الخارجية، إذ يؤدي التبخر السريع للمادة السطحية إلى إطلاق موجات ضغط تنتقل إلى داخل الصخور الصلبة.
تفتيت معظم مادة الكويكب في المحاكاة
أظهرت نتائج النموذج أن الانفجار الافتراضي أدى إلى تفكك نسبة كبيرة جدا من مادة الجسم الصخري في بعض السيناريوهات التي تمت محاكاتها.
وفي إحدى الحالات، أظهرت المحاكاة تفكك نحو 98% من مادة الجسم، بينما تحركت أجزاء من الصخور في اتجاهات متعاكسة بسرعات مرتفعة.
ووفقا للباحثين، وصلت بعض الأجزاء في النموذج إلى سرعات تتجاوز سرعة الإفلات، ما يعني أنها يمكن أن تبتعد عن تأثير جاذبية الجسم الأصلي.
وأظهرت المحاكاة أيضا أن تغيير ظروف الانفجار يمكن أن يؤثر في مساحة السطح التي تتعرض للإشعاع وفي حجم الضرر الناتج.
المحاكاة تحتاج إلى قدرة حاسوبية كبيرة
كشفت الدراسة أن محاكاة هذه العملية المعقدة تتطلب موارد حوسبة كبيرة.
واستغرق أحد الحسابات، الذي حاكى فترة زمنية تبلغ 145 ميلي ثانية، نحو 59 يوما من وقت تشغيل المعالجات.
ويعكس ذلك مدى تعقيد النماذج الحاسوبية المستخدمة لمحاكاة التفاعل بين الإشعاع والمادة الصخرية وحركة الأجزاء الناتجة عن تفكك الجسم الفضائي.
مصير شظايا الكويكب لا يزال قيد الدراسة
يرى الباحثون أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم السلوك طويل الأمد للشظايا الناتجة عن تفكك الكويكب.
فمجرد تفتيت الجسم لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر، إذ يتعين دراسة مسارات الأجزاء الناتجة عن العملية ومعرفة كيفية تحركها بعد التفكك.
ولهذا السبب، يعتزم العلماء مواصلة دراسة سلوك الشظايا على المدى الطويل، بهدف تحسين فهم فعالية السيناريوهات المختلفة للدفاع الكوكبي وتقييم المخاطر المحتملة الناتجة عن الأجسام التي قد تهدد الأرض.