اكتشف علماء من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ طريقة جديدة يمكن من خلالها البحث عن الشقوق والتصدعات المخفية داخل الأنهار الجليدية باستخدام كابل من الألياف الضوئية.
ويمكن لهذه التقنية أن تساعد على اكتشاف المناطق الضعيفة داخل الكتل الجليدية والتنبؤ بالانهيارات الخطيرة، إضافة إلى توفير بيانات يمكن أن تساعد في تحسين فهم تأثير ذوبان الجليد في ارتفاع مستوى سطح البحر.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Science Advances.
خطر لا يظهر من السطح
تثير حالة الأنهار الجليدية قلق علماء المناخ في مختلف أنحاء العالم، خصوصا مع تسجيل انهيارات مدمرة لكتل جليدية خلال السنوات الأخيرة في منطقة الألب.
وفي عام 2023، انهار جزء من نهر مارمولادا الجليدي في إيطاليا، ما أدى إلى سقوط ضحايا. وبعد فترة، وقع انهيار مشابه في نهر بيرخ الجليدي.
وتعتمد استقرارية الأنهار الجليدية بدرجة كبيرة على وجود تجاويف وتصدعات مخفية داخل الجليد.
ويمكن لمياه الجليد الذائب أن تتسرب إلى هذه الشقوق، ما يؤدي إلى تسريع عملية تفكك الكتلة الجليدية وزيادة احتمال انهيارها.
لكن المشكلة تكمن في أن هذه التصدعات والتجاويف قد تكون غير مرئية تماما من سطح الجليد.
أجهزة زلزالية باهظة التكلفة
كان العلماء يستخدمون في السابق شبكات معقدة من أجهزة قياس الزلازل للبحث عن نقاط الضعف داخل الأنهار الجليدية.
وتساعد هذه الأجهزة على رصد الاهتزازات والتغيرات الناتجة عن حركة الجليد وانفتاح الشقوق، لكن تركيب عدد كبير منها على سطح نهر جليدي يحتاج إلى معدات متخصصة وتكاليف مرتفعة، إضافة إلى صعوبات تقنية مرتبطة بالعمل في بيئة جليدية متغيرة.
ولهذا السبب، بحث الفريق السويسري عن وسيلة أبسط وأقل تكلفة يمكنها توفير معلومات دقيقة عن البنية الداخلية للجليد.
كابل ألياف ضوئية يتحول إلى جهاز استشعار
اقترح الفيزيائيون استخدام كابل ألياف ضوئية عادي لمراقبة التغيرات داخل النهر الجليدي.
ويتم نشر الكابل على سطح الجليد وربطه بمعدات متخصصة ترسل إشارات ضوئية عبره، ثم تسجل النبضات الضوئية التي تنعكس داخل الكابل.
وعندما تبدأ الشقوق الداخلية في الانفتاح، تحدث اهتزازات صغيرة جدا تشبه الزلازل الدقيقة، وتؤدي هذه الأحداث إلى حدوث تغيرات محلية في الكابل.
ومن خلال تحليل التغيرات في خصائص الضوء المنعكس، يستطيع النظام تحديد موقع التصدعات وتقدير عمقها داخل الجليد.
رصد الجليد حتى عمق 25 مترا
أظهرت التقنية قدرة على دراسة البنية الداخلية للنهر الجليدي حتى عمق يصل إلى 25 مترا.
وتعمل الفكرة بطريقة تشبه من حيث المبدأ تقنيات التصوير المستخدمة في الفحص بالموجات فوق الصوتية في الطب، إذ يتم إرسال إشارة وتحليل التغيرات التي تحدث فيها للحصول على معلومات عن البنية الموجودة في الداخل.
ويتيح استخدام الألياف الضوئية الحصول على بيانات عالية الدقة حول التغيرات التي تحدث داخل الكتلة الجليدية، دون الحاجة إلى تركيب مئات أجهزة الاستشعار الزلزالية التقليدية.
تجربة ناجحة في سويسرا
اختبر الباحثون التقنية على سطح نهر غورنه الجليدي في سويسرا.
وأظهر الاختبار أن كابل الألياف الضوئية تمكن من أداء وظيفة تعادل في بعض جوانبها وظيفة عدة مئات من أجهزة قياس الزلازل التقليدية.
كما تمكن النظام من اكتشاف عدد كبير من التجاويف الداخلية التي تحتوي على الماء والهواء.
وأظهرت نتائج القياسات أن الشقوق والتصدعات المخفية شكلت أكثر من 8% من إجمالي حجم الجليد الذي خضع للدراسة.
وتكشف هذه النتيجة أهمية فحص الجزء الداخلي من النهر الجليدي، لأن المظهر الخارجي للجليد لا يعكس دائما حالته الحقيقية أو درجة استقراره.
التنبؤ بانهيار الكتل الجليدية
يرى الباحثون أن الطريقة الجديدة يمكن أن تساعد على اكتشاف التغيرات الخطيرة داخل الأنهار الجليدية في وقت مبكر، وبالتالي تحسين القدرة على التنبؤ بانفصال كتل كبيرة من الجليد وانهيارها.
وتكمن أهمية ذلك في أن الشقوق الظاهرة على السطح لا تعطي دائما صورة كاملة عن مستوى الخطر، بينما قد توجد تصدعات وتجاويف كبيرة في الداخل لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة.
ويمكن للرصد المستمر باستخدام الألياف الضوئية أن يوفر معلومات عن تطور هذه التصدعات قبل أن تصل إلى مرحلة الانهيار.
تجارب مستقبلية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية
يخطط الباحثون في المستقبل لاختبار النظام في مناطق جليدية أكبر وأكثر تعقيدا، بما في ذلك غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية.
ويمكن أن تكمل البيانات التي توفرها هذه التقنية المعلومات التي تجمعها الأقمار الصناعية حول حركة الأنهار الجليدية وفقدان الكتلة الجليدية.
كما قد تساعد هذه البيانات على تحسين النماذج العلمية المستخدمة لتقدير مساهمة ذوبان الجليد في ارتفاع مستوى سطح البحر، وتعزيز القدرة على مراقبة التغيرات التي تحدث في المناطق الجليدية حول العالم.