واجهت المملكة المتحدة أزمة غذائية خطيرة في يناير عام 1940، فقد هددت الهجمات الألمانية على سفن الاستيراد بحدوث نقص حاد في المواد الغذائية، مما كان يمكن أن يؤدي إلى تجويع البلاد وإجبارها على الاستسلام.
وعلى خلفية ذلك، فرضت السلطات البريطانية بصورة مفاجئة نظاما صارما لتقنين المواد الغذائية، وحدد النظام كميات بعض الأطعمة التي يمكن للسكان شراءها، ومن بينها السكر الذي كان من المواد الأساسية في النظام الغذائي.
وبعد مرور عقود كاملة، وربما طوال حياة الأشخاص الذين ولدوا في تلك الفترة، تشير دراسة جديدة إلى أن انخفاض استهلاك السكر المفروض خلال الحرب العالمية الثانية ربما ارتبط بتحسن كبير في صحة جيل كامل من الأطفال الذين ولدوا في سنوات الحرب وما بعدها.
دراسة شملت أكثر من 64 ألف شخص

في دراسة جديدة نشرت في مجلة PNAS، حلل باحثون بيانات صحية لـ 64,761 شخصا ولدوا في المملكة المتحدة بين عامي 1951 و1956.
واعتمد الباحثون على بيانات المشاركين في دراسة UK Biobank.
وانتهى تقنين السكر بشكل مفاجئ في سبتمبر 1953، وبعد ذلك تضاعف متوسط استهلاك السكر بسرعة.
واستفاد الباحثون من هذه الفترة الانتقالية لمقارنة الصحة في مرحلة البلوغ لدى أشخاص تعرضوا لتقنين السكر خلال مراحلهم الأولى من الحياة، مع أشخاص ولدوا بعد انتهاء القيود ولم يتعرضوا لها.
كما قارنوا الأشخاص الذين تعرضوا لفترة أطول من تقنين السكر مع أشخاص ولدوا في وقت لاحق قليلا، لكن قبل رفع القيود بشكل كامل.
أول 1000 يوم من الحياة
ركزت الدراسة بشكل خاص على أول 1000 يوم من الحياة، وهي الفترة الممتدة من بداية الحمل وحتى بلوغ الطفل عامين تقريبا.
وسمح ذلك للباحثين بمقارنة الأشخاص الذين قضوا هذه المرحلة المبكرة في ظل قيود صارمة على استهلاك السكر، مع أشخاص لم يتعرضوا للقيود نفسها.
انخفاض مخاطر عدة أنواع من السرطان
ليست هذه المرة الأولى التي يستفيد فيها الباحثون من فترة تقنين الغذاء البريطانية باعتبارها تجربة تاريخية توفر بيانات فريدة لدراسة تأثير التغذية المبكرة في الصحة على المدى الطويل.
وأظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين تعرضوا لتقنين السكر في بداية حياتهم كانوا أقل عرضة للإصابة ببعض الأمراض المزمنة، كما سجلوا مخاطر أقل للإصابة بمرض ألزهايمر، إلى جانب مؤشرات أفضل لصحة القلب والأوعية الدموية.
لكن الدراسة الجديدة ركزت على سؤال مختلف: هل يمكن أن يؤثر تقليل السكر في مرحلة الطفولة المبكرة في خطر الإصابة بالسرطان خلال مرحلة البلوغ؟
وأجاب الباحثان تشن تشو من جامعة الصين الزراعية وويلونغ تشانغ من جامعة كامبريدج عن هذا السؤال من خلال تحليل البيانات الصحية، ووجدا انخفاضا ملحوظا في معدلات الإصابة بعدة أنواع من السرطان لدى الأشخاص الذين كان استهلاكهم للسكر مقيدا خلال مرحلة مبكرة من حياتهم.
انخفاض كبير في سرطان الكبد
مقارنة بالأشخاص الذين لم يتعرضوا لتقنين السكر، كان الأشخاص الذين عاشوا أول 1000 يوم من حياتهم في ظل تقنين السكر أقل عرضة للإصابة بسرطان الكبد في مرحلة البلوغ بنسبة 69%.
كما ارتبط التعرض المبكر لتقنين السكر بانخفاض معدلات الإصابة بأنواع أخرى من السرطان، حيث سجل الباحثون:
انخفاض سرطان البروستاتا بنسبة 52%.
انخفاض سرطان الرئة بنسبة 41%.
انخفاض سرطان المستقيم بنسبة 40%.
انخفاض سرطان الثدي بنسبة 36%.
وتشير هذه النتائج إلى وجود ارتباط قوي بين انخفاض استهلاك السكر في مرحلة مبكرة من الحياة وانخفاض خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان في وقت لاحق.
لكن الباحثين يؤكدون أن طبيعة الدراسة لا تسمح بإثبات أن تقليل السكر كان السبب المباشر لهذه الانخفاضات.
تيلوميرات أطول وشيخوخة أبطأ
وجد الباحثون أيضا أن الأشخاص الذين تعرضوا لتقنين السكر خلال طفولتهم المبكرة كانوا يميلون إلى امتلاك تيلوميرات أطول.
والتيلوميرات هي أغطية موجودة في نهايات الكروموسومات، وتساعد على حماية المادة الوراثية.
ويرتبط طول التيلوميرات بعدد من المؤشرات المتعلقة بالشيخوخة وطول العمر.
ووفقا للباحثين، كان طول التيلوميرات لدى الأشخاص الذين تعرضوا لتقنين السكر يعادل نحو 2.2 سنة أقل من الشيخوخة البيولوجية مقارنة بالمشاركين الذين لم يتعرضوا للتقنين.
وهذا يشير إلى احتمال أن تكون هذه المجموعة قد شهدت وتيرة أبطأ من الشيخوخة البيولوجية على مدار حياتها، إلى جانب تمتعها بمؤشرات صحية عامة أفضل.
تأثير استمر حتى مرحلة البلوغ
من النتائج اللافتة أيضا أن الأشخاص الذين تعرضوا لتقنين السكر في طفولتهم أظهروا عادات غذائية استمرت حتى مرحلة البلوغ مقارنة بالأشخاص الذين لم يخضعوا للتقنين.
وكتب الباحثون في دراستهم أن الأشخاص الذين نشأوا خلال فترة التقنين استمروا بعد مرور نحو خمسة عقود على انتهاء السياسة في استهلاك كميات أقل من السكر والطعام، مع اتباع أنظمة غذائية أكثر تنوعا وصحة.
ويعتقد الباحثون أن التعرض المبكر لمستويات منخفضة من السكر ربما يكون قد لعب دورا في تشكيل هذه العادات.
لماذا يستمر تأثير السكر المبكر؟
لا يستطيع الباحثون تحديد السبب بشكل قاطع، لكنهم يقترحون وجود آليتين محتملتين.
وقال ويلونغ تشانغ إن مستوى الحلاوة الذي يتعرض له الإنسان في مرحلة مبكرة جدا من حياته قد يؤثر في تفضيلاته الغذائية لفترة طويلة.
وتتمثل الآلية الأولى في التأثير البيولوجي، إذ يمكن للتغذية المبكرة أن تؤثر في طريقة تطور عملية الأيض والأعضاء والجهاز المناعي.
أما الآلية الثانية فهي سلوكية، إذ يبدو أن الميل إلى تناول أطعمة أقل حلاوة، الذي يتشكل في مرحلة مبكرة من الحياة، يمكن أن يستمر حتى مراحل لاحقة.
هل السكر سبب مباشر لانخفاض السرطان؟
رغم النتائج اللافتة، فإن الدراسة رصدية، أي أنها تعتمد على تحليل بيانات الأشخاص ومقارنة المجموعات، وليست تجربة سريرية مضبوطة يتم فيها توزيع المشاركين عشوائيا على أنظمة غذائية مختلفة.
ويرى الباحثون أن الظروف التي رافقت انتهاء تقنين السكر تشبه إلى حد ما تجربة طبيعية، لأن رفع القيود أدى إلى تقسيم المشاركين إلى مجموعتين واضحتين نسبيا: مجموعة تعرضت للقيود في بداية حياتها، وأخرى لم تتعرض لها.
ويعتقد الباحثون أن هذا التصميم يوفر نوعا من الأدلة السببية التي تربط استهلاك السكر في مرحلة مبكرة من الحياة بخطر الإصابة بالسرطان في مرحلة البلوغ.
لكن تفسير النتائج بهذه الطريقة يظل قابلا للنقاش، لأن هناك عوامل أخرى يمكن أن تختلف بين الأشخاص الذين ولدوا في فترات زمنية مختلفة، وقد تؤثر في صحتهم طوال حياتهم.
نتائج مهمة ولكنها لا تعني منع السكر
تقدم الدراسة دليلا جديدا على أهمية التغذية خلال السنوات الأولى من الحياة، لكنها لا تعني أن تناول السكر يؤدي حتما إلى الإصابة بالسرطان أو أن تقليل السكر وحده يمكن أن يمنع السرطان.
كما أن الأشخاص الذين عاشوا خلال فترة تقنين الغذاء تعرضوا لظروف اجتماعية وغذائية وصحية مختلفة عن الظروف الحالية، ما يجعل من الصعب عزل تأثير السكر وحده عن جميع العوامل الأخرى.
ومع ذلك، فإن النتائج تضيف إلى الأدلة العلمية المتزايدة التي تشير إلى أن التغذية خلال المراحل الأولى من الحياة يمكن أن تترك آثارا صحية تمتد لعقود.
تجربة غذائية فرضتها الحرب
خلال الحرب العالمية الثانية، لم يكن تقليل السكر خيارا صحيا اتخذه الآباء والأطفال، بل كان نتيجة مباشرة لنظام تقنين الغذاء الذي فرضته الظروف العسكرية والاقتصادية.
ومع ذلك، أتاح هذا الحدث التاريخي للباحثين فرصة نادرة لدراسة ما يحدث عندما ينخفض استهلاك السكر بشكل كبير خلال فترة مبكرة من الحياة.
ويشير الباحثون إلى أن مستويات استهلاك السكر التي تعرض لها هؤلاء الأطفال كانت قريبة من المستويات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية حاليا لعامة السكان.
وتظهر النتائج أن الجيل الذي نشأ في ظل تلك القيود الغذائية سجل في مرحلة لاحقة من حياته مؤشرات صحية أفضل في عدد من المجالات، بما في ذلك انخفاض خطر بعض أنواع السرطان ووجود مؤشرات على شيخوخة بيولوجية أبطأ.
ومع ذلك، تبقى الحاجة إلى مزيد من الدراسات ضرورية لفهم الآليات التي يمكن أن تربط التغذية المبكرة بالصحة والسرطان والشيخوخة، وتحديد مقدار التأثير الذي يمكن أن ينسب إلى السكر وحده.