من الحديدة لباب المندب, اليمن يهدم مشروع قرن الشيطان.
مقالات
من الحديدة لباب المندب, اليمن يهدم مشروع قرن الشيطان.
م. موسى أبو راس
12 أيلول 2026 , 12:58 م

تكشف عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» عن تحول يتجاوز تغيير خطوط السيطرة في الساحل الغربي إلى إعادة هندسة واسعة لمعادلة القوة. فقد انتقلت المواجهة إلى مستوى استهدف قدرة العدوعلى العمل كمنظومة مترابطة، ثم تحولت النتائج البرية إلى أوراق استراتيجية تمتد آثارها إلى باب المندب والبحر الأحمر والملاحة والاقتصاد وموقع السعودية داخل معادلة العدوان.

تظهر القيمة الحقيقية للعملية في طريقة تحول الاختراقات التكتيكية المتعددة إلى انهيار عملياتي واسع، وفي قدرتها على فرض إيقاع ميداني جعل الطرف المقابل يواجه سلسلة متلاحقة من المواقف المتغيرة، فيما أصبحت دورة القرار لديه أبطأ من حركة الميدان. مساحة 5400 كيلومتر مربع، والمديريات الست، وضرب سبع فرق عسكرية بقوام 38 لواء، تمثل في هذا السياق مؤشرات على حجم التحول الذي أصاب بنية الجبهة نفسها.

في الحرب الحديثة، تمثل السيطرة على الزمن والإيقاع عنصرًا حاسمًا في صناعة النصر. القوة التي تستطيع تغيير الواقع الميداني بسرعة أعلى من قدرة العدو على فهمه وإعادة تنظيم قواته تدفعه تدريجيًا إلى موقع رد الفعل. ومع تراكم هذا التأخر، يبدأ الخلل داخل غرفة القيادة قبل ظهوره الكامل على الخريطة؛ تتحرك الاحتياطيات نحو مواقف تجاوزها الزمن، وتتراجع القدرة على ترتيب الأولويات، وتتحول الكثافة العددية من مصدر تفوق إلى عبء تنظيمي يحتاج إلى قيادة قادرة على توجيهه في المكان والوقت المناسبين.

ومن هذه الزاوية، تبدو عملية "والله أشد بأسا وأشد تنكيلا" مثالًا واضحًا على الانتقال من استنزاف القوة إلى تفكيك قدرتها على إنتاج القوة. فالألوية والفرق العسكرية تكتسب قيمتها من قدرتها على العمل داخل منظومة تجمع القيادة والمعلومات والتماسك والاحتياط والإسناد والثقة وسرعة القرار. وعندما تضطرب هذه العناصر في وقت واحد تبدأ القوة العددية بفقدان معناها العملياتي، ويتحول فقدان المواقع إلى عملية متسلسلة تتسع آثارها بصورة أسرع من حجم الضربة الأولى.

وتكشف النتائج كذلك عن تحول مهم في وظيفة الغطاء الجوي السعودي. فقد استمر الطيران في تقديم إسناد كثيف طوال العملية، فيما مضى التغيير الميداني في اتجاهه حتى تحقق الانهيار الواسع في خطوط مرتزقة العدوان. هذه النتيجة تمس افتراضًا ظل حاضرًا لسنوات داخل ترتيب الجبهة: المظلة الجوية السعودية كانت تمثل الضامن الأخير لقدرة القوات البرية على الاحتفاظ بالمواقع واستعادة التوازن عند اللحظات الحرجة. عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» أظهرت حدود هذه المعادلة، وأثبتت أن القوة الجوية تصبح محدودة الأثر عندما تفقد المنظومة البرية المبادرة والتماسك والقدرة على إعادة التنظيم.

وتزداد أهمية هذا التحول عند وضع الساحل الغربي داخل سياقه التاريخي والجيوسياسي. فمنذ بدايات القرن العشرين، تكشف الوثائق البريطانية اهتمامًا واضحًا بإدارة الجغرافيا اليمنية الساحلية من خلال القوى المحلية وترتيبات الحماية والتمويل والتسليح والوسطاء. وبعد الحرب العالمية الأولى دخلت القوات البريطانية الحديدة، ثم جرى تسليمها إلى الإدريسي رغم توصيفها في النقاشات والسجلات البريطانية باعتبارها الميناء الوطني لليمن.

هذه الوقائع تكشف مبكرًا عن منطق جيوسياسي يفصل بين السيطرة على الداخل اليمني والسيطرة على منافذه البحرية. فالساحل والموانئ والجزر والمضائق تمنح من يسيطر عليها قدرة واسعة على التأثير في اليمن وعلاقته بالعالم الخارجي. ومن هنا اكتسبت المنطقة قيمة تتجاوز مساحتها وسكانها، وتحولت إلى جغرافيا وظيفية ترتبط بالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وطرق الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.

وتشكل السلسلة الممتدة من الحديدة إلى المخا وذباب وميون وصولًا إلى عدن منظومة ساحلية ذات وزن استراتيجي استثنائي. فالسيطرة على هذه العقد تمنح قدرة على التأثير في خطوط الملاحة، وفي الاتصال البحري لليمن، وفي توازن القوة على جانبي باب المندب. ومن هنا ظل فصل الساحل عن مركز القرار اليمني هدفًا ذا قيمة استراتيجية بالنسبة للقوى الخارجية الساعية إلى التحكم بوظائف اليمن البحرية مع تجنب كلفة السيطرة المباشرة على كامل الجغرافيا اليمنية.

خلال السنوات الماضية، جرى بناء ترتيب ساحلي اعتمد على تشكيلات محلية مرتبطة بالخارج، وإسناد جوي وبحري، وواقع سياسي وعسكري يسمح بإدارة أجزاء مهمة من الساحل بعيدًا عن مركز القرار اليمني في صنعاء. بهذا المعنى، اتخذت التجزئة شكلًا وظيفيًا؛ بقيت الجغرافيا يمنية في الاسم والحدود، بينما أدت بعض الموانئ والجزر والقوات وظائف مرتبطة بشبكات نفوذ خارجية.

عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» أصابت هذا النموذج في نقاطه الأساسية. أضعفت الحزام البري الذي كان يحمل الترتيب العسكري، وكشفت حدود المظلة الجوية في المحافظة عليه، وأعادت وصل أجزاء واسعة من الساحل ضمن معادلة قوة أكثر ترابطًا. ومع هذا التحول تغيرت وظيفة الجغرافيا نفسها؛ فقد أصبح الساحل الذي صُمم ليؤدي وظيفة الحاجز بين صنعاء وباب المندب مصدرًا إضافيًا للقوة والضغط بيد صنعاء.

وهنا يظهر البعد الجيوسياسي للعملية بأوضح صوره. الموقع الجغرافي بقي ثابتًا، بينما انتقلت القدرة على استثمار قيمته إلى طرف آخر. باب المندب الذي مثّل عبر سنوات أداة ضغط على اليمن دخل بصورة أعمق في معادلة الضغط التي تستطيع اليمن استخدامها تجاه العدو السعودي. ومن هنا يمكن فهم إعلان استمرار أمن الملاحة مع إبقاء الحظر على السفن السعودية باعتباره انتقالًا من المكسب البري إلى الإكراه البحري والاقتصادي.

هذا التحول يفتح أيضًا بابًا واسعًا لفهم الهزيمة الإدراكية المتراكمة لدى السعودية والأدوات المرتبطة بها. فالاستراتيجية السعودية في الساحل قامت على مجموعة من الافتراضات: التفوق الجوي يوفر قدرة على ضبط النتائج، القوات المحلية تستطيع تثبيت الجبهة، الإسناد الخارجي قادر على منع الانهيار الواسع، والساحل يستطيع الاستمرار كحزام يفصل صنعاء عن باب المندب. عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» وضعت هذه الافتراضات جميعًا تحت الاختبار وأنتجت نتائج تعاكس الأساس الذي بُنيت عليه.

وعندما تتكرر الفجوة بين التوقع والنتيجة يبدأ الخلل في الانتقال من الميدان إلى النموذج الذهني الذي تُبنى عليه القرارات. يستطيع القائد معالجة إخفاق تكتيكي من خلال تغيير الوحدات أو القادة أو الخطط، أما تراكم الإخفاقات فيدفعه إلى مراجعة فهمه للخصم ولطبيعة الحرب نفسها. عند هذه النقطة تبدأ الهزيمة الإدراكية، لأن الثقة في النموذج السابق تتآكل، ويصبح القرار الجديد مثقلًا بذاكرة التجربة السابقة.

وتظهر آثار هذه الهزيمة بصورة أشد داخل ادوات السعودية المحلية التي بنت جزءًا من ثقتها القتالية على قدرة الضامن السعودي على التدخل عند اللحظة الحرجة. اهتزاز هذه الثقة ينعكس على التماسك الداخلي وعلى الاستعداد للمواجهة وعلى تقدير المخاطر في أي جولة لاحقة. وهكذا يبدأ أثر الانتصار السابق بالعمل داخل المواجهة المقبلة قبل بدايتها، لأن الذاكرة التنظيمية تحتفظ بصورة الانهيار وفشل الإسناد في إعادة الوضع إلى ما كان عليه.

ومن هنا يتشكل المأزق السعودي بصورة أكثر وضوحًا. الرياض ما زالت تمتلك قدرات جوية ومالية وسياسية كبيرة، فيما أصبحت مساحة الخيارات القادرة على إعادة ترتيب الساحل إلى وضعه السابق أكثر ضيقًا وأعلى كلفة. التصعيد الجوي أثبت محدوديته في إنتاج النتيجة البرية المطلوبة، وإعادة بناء القوات الوكيلة تحتاج إلى وقت وموارد واستعادة ثقة، والتدخل المباشر يرفع مستوى المخاطر، والقبول بالواقع الجديد يكرس تحولًا جيوسياسيًا كبيرًا، فيما يفتح التفاوض بابًا للاعتراف بأن ميزان الضغط قد تغير.

هذه الحالة يمكن وصفها بانكماش الخيارات الاستراتيجية. فالأدوات ما زالت متعددة، لكن كل أداة أصبحت مرتبطة بكلفة متزايدة ومخاطر أكبر ونتائج أقل ضمانًا. ومع كل محاولة لإعادة إنتاج النموذج السابق تتسع الفجوة بين ما كان ممكنًا قبل عملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» وما أصبح ممكنًا بعدها.

لهذا فإن المقياس الحقيقي لعملية «والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا» سيظهر في قدرتها على تغيير سلوك الخصم وحساباته خلال المرحلة التالية. فإذا عجزت السعودية وأدواتها عن إعادة بناء الحزام الساحلي، واستعادة الثقة بالمظلة الخارجية، وإعادة فصل باب المندب عن مركز القرار في صنعاء، فإن نتائج العملية تكون قد تجاوزت المكاسب الميدانية إلى مستوى أعمق يتعلق بكسر ترتيب جيوسياسي ظل يقوم على إدارة الساحل اليمني بوصفه مساحة قابلة للفصل وظيفيًا عن القرار اليمني.

ما تغير في الساحل الغربي يوم 11 سبتمبر 2026 هو هندسة القوة نفسها. انتقلت الجغرافيا من وظيفة الاحتواء إلى وظيفة الضغط، وتراجعت قدرة التفوق العددي والجوي على إنتاج السيطرة البرية، واتسعت أمام صنعاء خيارات تمتد من الأرض إلى البحر والاقتصاد والسياسة. وفي المقابل، دخلت السعودية وأدواتها مرحلة تبحث فيها عن معادلة جديدة بعد وصول النموذج السابق إلى طريق مسدود.

وهنا تبرز الدلالة الأعمق للعملية: اليمن أعاد وصل القوة بالجغرافيا، والجغرافيا بالسيادة، والسيادة بالقرار. وفي منطقة ظل الخارج ينظر إليها لأكثر من قرن باعتبارها مفتاحًا للسيطرة على اليمن من بوابته البحرية، يمثل هذا التحول نتيجة تتجاوز حدود المعركة إلى إعادة تعريف موقع الساحل نفسه داخل مستقبل اليمن ومعادلة البحر الأحمر.