اسلام آباد بين ارادة الشيطان وجند الرحمن
مقالات
اسلام آباد بين ارادة الشيطان وجند الرحمن
د. محمد صادق الحسيني
2 تشرين الأول 2026 , 05:49 ص

محمد صادق الحسيني

من سردية التاريخ القديم تقول الرواية :

"ومن بلاد الفرس انتقل الاسكندر بجيشه عبر هرات وكابول .. حتى بلغ وديان نهر السند العليا عن طريق ممر خيبر فمدينة تاكسيلا شمالي راولبندي( قرب اسلام آباد العاصمة الحديثة) حيث قابل اول حاكم هندي قاومه وقاتله قتالا باسلا مستميتا لدرجة انه لم يكن من السهل على الاسكندر ان يتغلب عليه.. يقال له بوروس .. كان بطلا شهما مديد القامة جدا… هذه المعركة ارهقت الاسكندر وجنده وجعلته يختار ادراج العودة عبر وادي نهر السند دون ان يدخل الى العمق الهندي…!"

من كتاب جواهر لال نهرو زعيم الهند ( ملامح من تاريخ العالم)

هذه المنطقة التي صدت زحف الاسكندر المقدوني كما مر ذكرها آنفا في كتاب رسائل نهرو الى ابنته من السجن الانجليزي في العام ١٩٣٤

هي اليوم ما يعرف بباكستان الحالية ، اذ يومها كانت جزءا لا يتجزء من شبه القارة الهندية…

ان باكستان اليوم دخلت معترك الصراع الدولي من جديد ولكن من البوابة الايرانية هذه المرة.

وهي تحاول ان تكون وسيطاً ناجحاً بين جيش الشيطان الامريكي الذي يحشد شرقاً وبين جند الرحمن بقيادة ايران التي تشكل سداً منيعاً بوجه الطاغية حتى الان ، وهي جهود قد تبلورت في الظاهر فيما بات يعرف ب"مذكرة اسلام آباد".

وحتى نعرف ماذا يجري في الباكستان لابد من مختصر مكثف لتاريخ باكسان البلد المسلم الاسيوي الواعد.

ان مؤسس باكستان هذه هو القائد محمد علي جناح الشيعي الاثناعشري الوحدوي اسلاميا لكنه ايضا المحرر الطليعي للمسلمين في شبه القارة من سلطة الاستعماري الانجليزي والاستبداد الهندي.

ثم تبعه السياسي المبدع ذو الفقار علي بوتو صاحب فكرة الدستور الباكستاني والقنبلة النووية والانتخابات و"الديمقراطية الباكستانية"..

لكن الجيش الباكستاني الذي اسسه البريطانيون قبل نحو ١٧٧ عاماً اي نحو مائة عام قبل تاسيس الباكستان ، لم يحلو لهم ذلك... اذ سرعان ما تامروا على الدستور والديمقراطية والانتخابات واطاحوا بها.. في دورات لاحقة حتى وصلنا الى الثنائي الحاكم الان في اسلام اباد : عاصم منير (قائد الجيش الحالي) وشهباز شريف( رئيس الوزراء)

وهما اللذان يقودان الدولة النووية الاسيوية المسلمة الواعدة هذه نحو الهاوية لا سمح الله ، لو استمر نهجهما التبعي لكل من امريكا والسعودية كما يجمع كل الخبراء المستقلين في الداخل الباكستاني.

فانت لا يمكنك ان تكون على الحياد بين الرحمن والشيطان في زمن انكشاف الاوراق وتصاعد موجة التحرر والانعتاق من الامبريالية.

وان تسجن قادة شعبك الاوفياء وفي مقدمهم عمران خان وتجوعهم تحت وطأة ٣ مليارات وديعة سعودية ، املاً في النجاة من خضم الطوفان العالمي المتسارع التغيير ، بحجة انك وسيط نزيه ، وصاحب رؤية " وسطية" في الصراعات العالمية، وتاريخ بلادك يقول انك لم تكن لتكون باكستان الاسلامية ( ومعنى باكستان بالمناسبة هي بلد الطهر) لولا خيارك الاساس في التحرر من الاستعمار البريطاني والتبعية للاستبداد الهندي الظالم.

العالم لن يرحم المترددين على قارعته ، ولا الباحثين عن دور مجاني في خضم الصراعات الطاحنة التي ستفضي قريبا الى نشوء عالم متعدد الاقطاب متحرراً من الاحادية الامريكية واذنابها من دول البترودولار...

خاصة وان باكستان اليوم مجددا محل تدافع تاريخي ، بين اسكندر العالم الحديث ، الذي بات يعرف بالغرب الجماعي كما افرزته حربي ايران التحرريتين ضد الطاغية العالمي الامريكي وكلب حراسته الاسرائيلي وبين عالم جديد ينهض ويتحرر ويطالب باستقلالية القرار.

ان باكستان اليوم حتى تاخذ موقعها المناسب في المعادلة الدولية الحديدة بحاجة الى حاكم صلب ،شجاع، شهم مستعد للقتال لمنع الطاغية العالمي الجديد من عبور السد الباكستاني ، بل ويجبره على التراجع ويمنعه من اكمال طريقه نحو الداخل والعمق الاسيوي - كما حصل مع توقف زحف الاسكندر المقدوني - بل وهذه المرة لجعله ينكسر امام التنين الصيني…

التنين الصيني الذي يبدو انه يراهن اليوم كثيرا على الباكستان ، بديلا من البحار و مضيق مالاقا الذي تسيطر عليه اساطيل الاسكندر الامريكي، لتكون( اي الباكستان) هي الجسر الطبيعي القادر على وصل الشرق بالغرب من اجل انجاح مشروع القرن الصيني

حزام واحد

طريق واحد

ان من يعرف باكستان جيدا يعرف ان مطالب الاكثرية الشعبية هي العودة للدستور ونتائج الانتخابات الديمقراطية والتخلي عن العنجهية والتسلط العسكري الاستبدادي .

ان الظروف المتغيرة التي خلقتها انتصارات ايران ضد الهيمنة الدولية الامريكية مساعدة جداً لمن يريد خدمة شعبه في الباكستان، ويريد وضع بلاده على الجانب الصحيح من التاريخ ...

واي تخلف او عناد مع التاريخ سيعني ان زحفاً جماهيرياً لابد سينفجر يوما ليطيح بتحالف العسكر والوهابية السياسية الحاكمة في الباكستان ويتسلم السلطة في اسلام اباد بكل زخمه ليصنع ثورة قد تكون خمينية جديدة ، على حد تقدير بعض الخبراء …

ما يدعم هذا الاحتمال هو وجود وعي وبصبرة شعبية متنامية لدى الباكستانيين، بعد تجارب مديدة لهم مع حكومات تابعة وعميلة للغرب وللرجعبة الاقليمية البترودولارية بقيادة السعودية ، والتي لطالما باعتهم في سوق النخاسة الدولية

على تاريخ باكستان الاسلامي الحديث الذي اسس له الشهيد القائد الشعبي المظلوم السيد عارف حسيني

امريكا تريد من باكستان سد اسكندر جديد لمنع التقدم الصيني على العالم عبر باكستان كما تسرد وتروج فيما الاكثرية الشعبية الباكستانية تريد من باكستانها ، عضوا جديدا في الحلف العالمي المناهض للاحادية القطبية الامريكية ، من باب المندب وهرمز الشامخين ، مرورا ببلاد الشام الفلسطينية المقاومة وبلاد الرافدين المتحررة وصولا الى عالم شنغهاي الجديد.

عالم ينهار

عالم ينهض

*بعدنا طببين قولوا الله*