يدخل العراق مرحلة دقيقة مع تصاعد النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة، وما يرافق ذلك من تباين في المواقف بين الحكومة وقوى وفصائل ضمن الحشد الشعبي. وبينما تؤكد الحكومة تمسكها بمبدأ الدولة والقانون وتنظيم المنظومة الأمنية، تطرح بعض الفصائل في المقابل هواجس مرتبطة بالسيادة والوجود العسكري الأجنبي.
ورغم أن المواقف الأكثر حدة صدرت عن بعض الفصائل، فإن اختزال الأزمة بها وحدها لا يعكس طبيعة المشهد العراقي. فالمسألة تتصل بمستقبل الحشد الشعبي ودوره ضمن مؤسسات الدولة، وبكيفية تنظيم العلاقة بين القرار السياسي والعسكري، في مرحلة تختلف في ظروفها عن تلك التي فرضتها الحرب على تنظيم داعش.
وتتركز إحدى أكثر القضايا حساسية حول ثلاثة ملفات مترابطة، هي الوجود العسكري الأميركي، والقوات التركية الموجودة في شمال العراق، ووضع قوات البيشمركة في إقليم كردستان. وتحاول بعض القوى ربط ملف السلاح بهذه الملفات، باعتبارها جزءاً من مفهوم السيادة العراقية، في حين ترى الحكومة أن حصر السلاح وتنظيم المؤسسات الأمنية يشكلان أساساً لاستقرار الدولة وتعزيز قرارها الوطني.
وهنا تكمن صعوبة المعادلة. فالعراق مطالب في الوقت نفسه بحماية سيادته، والحفاظ على علاقاته الدولية، ومنع أراضيه من التحول إلى ساحة مواجهة بين قوى إقليمية ودولية. ولذلك فإن معالجة ملف السلاح لا يمكن فصلها عن إعادة تنظيم منظومة الأمن والدفاع، وعن معالجة الملفات العالقة مع الأطراف الإقليمية والدولية ضمن إطار الدولة ومؤسساتها.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد أهمية سياسية، خصوصاً أنها جاءت في توقيت حساس يتصاعد فيه النقاش حول مستقبل السلاح والفصائل. وقد يوفر التواصل العراقي ـ الإيراني في هذه المرحلة مساحة للحوار والمساعدة في خفض التوتر، خصوصاً أن أي انفجار بين الحكومة والفصائل قد يربك حسابات جميع الأطراف، بما فيها إيران، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على استقرار العراق.
أما الولايات المتحدة، فتطرح حضورها وأسئلة مستقبل هذا الحضور جانباً آخر من المعادلة. ماذا تريد واشنطن من العراق قبل أي انسحاب محتمل؟ وهل يرتبط أي انسحاب بخروج منظم يضمن استقرار البلاد، أم بإعادة ترتيب التوازنات الأمنية بما يحول دون تحول العراق إلى مجال نفوذ إيراني واسع؟ وفي كل الأحوال، فإن أي فراغ أمني غير محسوب قد يتحول إلى مصدر فوضى أو إلى ساحة اشتباك إقليمي أكبر.
ولا يمكن إغفال العامل الإسرائيلي في الحسابات الإقليمية، في ظل القلق الإسرائيلي من تنامي قدرات الفصائل العراقية المرتبطة بإيران، ومن احتمال استخدام الساحة العراقية في أي مواجهة إقليمية أوسع. وهذا يضيف بعداً آخر إلى معادلة الأمن والسيادة، ويجعل العراق أمام ضرورة تحصين ساحته الداخلية ومنعها من أن تتحول إلى امتداد لصراعات المنطقة.
العراق اليوم أمام اختبار حقيقي: هل يمكن حصر السلاح بيد الدولة من دون تحويل العملية إلى مواجهة داخلية؟ وهل يستطيع بناء معادلة جديدة تقوم على دولة قوية، وسلاح منظم، وقرار أمني موحد، وعلاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي والدولي؟
ولهذا، فإن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون احتواء التصعيد لا توسيعه، وفتح قنوات الحوار بين الحكومة والقوى السياسية والفصائل، بالتوازي مع معالجة ملف القوات الأجنبية(الامريكية والتركية ) ، وتنظيم العلاقة بين بغداد وأربيل، بما يحفظ وحدة القرار والسيادة العراقية
فالمطلوب ليس أن ينتصر طرف على آخر، وإنما أن تنتصر الدولة العراقية على احتمال الفوضى. وإذا نجحت بغداد في إدارة هذا الانتقال بهدوء، فقد يتحول الخلاف حول السلاح من مصدر للتوتر إلى فرصة لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة على قاعدة القانون والسيادة والتوافق الوطني.
لأن الخطر الحقيقي ليس في اختلاف العراقيين، وإنما في فقدان القدرة على إدارة الاختلاف، وعندها قد يتحول العراق مجدداً إلى ساحة لصراع إقليمي لا يملك وحده قرار بدايته ولا نهايته.