أميركا تغيّر قواعد لعبة الطاقة ..… من هرمز إلى فنزويلا
مقالات
أميركا تغيّر قواعد لعبة الطاقة ..… من هرمز إلى فنزويلا
وائل المولى
30 آب 2026 , 13:33 م

قد تبدو الخطوة الأميركية الجديدة تجاه فنزويلا، للوهلة الأولى، مجرد صفقة للحصول على مزيد من النفط. لكن قراءة المشهد من زاوية أوسع تكشف مشروعاً مختلفاً: واشنطن تعمل على إعادة بناء منظومة أمن طاقة لا تكون رهينة روسيا، ولا الخليج، ولا إيران، ولا أي مضيق بحري.

وهنا تكمن أهمية فنزويلا خاصة بعد كل التطورات العالمية خلال السنوات الأخيرة. 

البداية كانت حرب أوكرانيا التي أسقطت عملياً نموذج الطاقة الذي ربط أوروبا بروسيا لعقود، وأثبتت أن الاعتماد المتبادل في الطاقة يمكن أن يتحول، في لحظة سياسية، إلى سلاح استراتيجي. خسرت موسكو جزءاً كبيراً من سوقها الأوروبية، بينما وجدت أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة بناء أمنها الطاقوي من مصادر ومسارات جديدة، وبكلفة أعلى.

لكن واشنطن خرجت من التجربة باستنتاج يتجاوز أوروبا: لا ينبغي للأمن الاستراتيجي الأميركي أن يكون مرتبطاً بأمن الآخرين.

ثم جاء هرمز ليقدم الدرس نفسه من الشرق الأوسط.

فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل إحدى أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي. يمر عبره جزء ضخم من صادرات النفط والغاز، وأي تعطيل طويل له ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والشحن والتأمين والأسواق العالمية.

لذلك يمكن للولايات المتحدة حماية الملاحة، ويمكن لبعض دول الخليج استخدام خطوط تصدير بديلة، لكن لا يمكن تعويض كامل الكميات التي تمر عبر هرمز بسرعة.

لذلك بدأ السؤال الأميركي يتغير:

ليس فقط: كيف نحمي هرمز؟ بل: كيف نبني اقتصاداً لا يحتاج إلى هرمز بالقدر نفسه؟

وهنا تصبح فنزويلا أكثر من دولة نفطية فهي تمتلك احتياطيات نفطية هائلة، وتقع في نصف الكرة الغربي، ولا تحتاج صادراتها إلى المرور عبر الخليج أو هرمز أو البحر الأحمر للوصول إلى السوق الأميركية. وتشير تقديرات إلى أن إعادة تأهيل قطاعها النفطي قد تحتاج استثمارات ضخمة تقترب من 100 مليار دولار، وأن زيادة الإنتاج لن تكون فورية، بل ستحتاج إلى سنوات من إعادة بناء البنية التحتية.

لكن ما تريده واشنطن ليس البراميل وحدها، بل هامشاً استراتيجياً جديداً.

فمن يمتلك المصدر، ورأس المال، والتكنولوجيا، وقدرة التأثير في طرق النقل والأسواق، لا يمتلك النفط فقط؛ بل يمتلك جزءاً من القرار السياسي والاقتصادي العالمي.

ومن هنا تحمل فنزويلا بعداً جيوسياسياً يتجاوز سوق الطاقة: إنها ضربة لنفوذ روسيا والصين، ومحاولة لاستعادة النفوذ الأميركي في واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم.

أما إيران، فهي لا تزال تمتلك ورقة هرمز، لكن المفارقة التاريخية أن تحويل المضيق إلى سلاح قد يدفع العالم إلى الإسراع في البحث عن بدائل عنه.

وهكذا تلتقي أوكرانيا وهرمز وفنزويلا في صورة واحدة.

واشنطن لا تبحث عن نفط أكثر فقط، بل عن التحكم بمصادر الطاقة وتدفقاتها وتوزيعها، وعن استقلال استراتيجي يجعلها أقل تعرضاً للابتزاز الجغرافي.

وفي المقابل، تواجه أوروبا واقعاً جديداً: أمنها الطاقوي أصبح مسؤوليتها، بعدما انتهى نموذج الاعتماد على روسيا.

أما موسكو وبكين، فقد تواجهان خسارة مزدوجة: تراجع النفوذ في فنزويلا، وخسارة موقع محتمل في واحدة من أعظم خزانات النفط العالمية.

لذلك، فإن ما يجري ليس مجرد صفقة نفطية.

إنها معركة على خريطة الطاقة العالمية، وربما بداية بناء عالم أميركي لا يقوم فقط على حماية هرمز، بل على الوصول إلى مرحلة لا يحتاج فيها إلى هرمز ولاحتى للمنطقة كلها كما كان يحتاج إليها من قبل.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري