د . مهدي مبارك عبد الله
يوم الخميس الماضي 27 أغسطس آب 2026 نفق راتكو ملاديتش جزار البوسنة في سجنه في لاهاي عن عمر ناهز 84 عاما داخل مستشفى السجن التابع للأمم المتحدة حيث كان يقضي حكما بالسجن المؤبد بعد إدانته بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية حيث ارتبط اسمه بإحدى أكثر الجرائم دموية في أوروبا الحديثة ولا نملك أمام هذا الرحيل إلا أن نقول لا اسف عليه ورحمه ولا غفران فقد مات فيه الجسد وبقيت ذكريات الجرائم المؤلمة ودماء أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى مسلم بوسني في سربرنيتسا شاهدة عليه وعلى المرحلة التي سمحت له بارتكاب تلك المجازر المروعة حينها .
سيئ الذكر ملاديتش كان واحدا من أخطر وابشع وجوه مشروع التطهير العرقي الذي مزق البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي حيث يكن مجرد قائد عسكري ينفذ أوامر سياسية وإنما كان أحد مهندسي مشروع دموي هدف إلى إقامة أراض صربية خالصة عبر طرد المسلمين اهل الارض وغير الصرب من مناطق واسعة من البوسنة ولذلك ارتبط اسمه دائما بالقتل الجماعي والتهجير القسري والحصار والقصف والقنص وبناء معسكرات الاعتقال والاغتصاب والتعذيب وهي مجموعة جرائم ولم تكن مجرد حوادث منفصلة وإنما فصول منظمة من مشروع سياسي وعسكري متكامل .
حتى الساعة لا زالت سربرنيتسا الجرح النازف الأكثر عمقا في هذا السجل الأسود ففي يوليو تموز 1995 اقتحمت قوات ملاديتش المدينة التي كانت الأمم المتحدة قد أعلنتها منطقة آمنة وكان آلاف المسلمين قد لجأوا إليها وهم يعتقدون أن الراية الدولية ستوفر لهم الحماية فإذا بهم يجدون أنفسهم أمام واحدة من أبشع عمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية حيث أعدم وقتها أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى مسلم بوسني خلال أيام قليلة وألقيت جثث الضحايا في مقابر جماعية ثم جرى لاحقا نقل بعضها وإخفاؤها في محاولة لطمس الأدلة على الجريمة البشعة .
لعل أكثر المشاهد دموية في هذه المأساة والتي لا زالت عالقة في الاذهان ذلك المشهد الذي ظهر فيه ملاديتش وهو يربت على أكتاف أطفال مسلمين ويوزع عليهم الحلوى بينما كانت العائلات تستعد للرحيل قبل أن يقتاد الرجال والصبية إلى الموت والاعدام ثم ظهر بعد ذلك في شوارع المدينة يبتسم منتشيا بما اعتبره انتصارا قائلا إنهم يمنحون المدينة هدية للشعب الصربي وهو مشهد يلخص إلى حد مرعب طبيعة الرجل الذي لم ير في الضحايا بشرا لهم حق الحياة وإنما وجد فيهم عقبة أمام مشروعه العنصري الكريه .
الكراهية المنظمة التي مورست تجاه المسلمين لم تكن تفصيلا عابرا في شخصية ملاديتش بل كانت جزءا اساسيا من البيئة الفكرية والسياسية التي صنعت مشروعه العسكري لانه نشأ في أجواء مشحونة بالكراهية والتعصب وترسخت لديه فكرة الانتقام وإحياء ( مشروع صربيا الكبرى ) وتحويل القوة العسكرية الاجرامية إلى أداة لاقتلاع الآخرين من أرضهم ولذلك لم يكن استهداف المسلمين في البوسنة نتيجة خطأ في الحسابات العسكرية اللحظية وإنما كان في جانب كبير منه تعبيرا صريحا عن عقيدة سياسية وقومية متطرفة أرادت محو الوجود الإسلامي من مناطق كاملة .
كذلك ان حصار سراييفو الخانق كان الوجه الآخر لهذه العقلية حين تعرضت العاصمة البوسنية لسنوات من القصف المدفعي والقنص المباشر وسقوط آلاف المدنيين قتلى فيما عاش باقي السكان تحت ظروف الخوف والجوع والحصار وقد كان ملاديتش وقتها قائدا للقوات الصربية التي حاصرت المدينة وقصفت أحياءها واستهدفت سكانها في واحدة من أطول وأقسى عمليات الحصار والاستهداف التي عرفتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية .
للحقيقة إن محاولة اختزال قسوة واجرام ملاديتش في صورة جنرال خسر الحرب أو قائد صربي دافع عن شعبه ليست سوى عملية تبييض لتاريخ دموي غير مشرف بعدما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية التي شكلت ليوغسلافيا السابقة حكمها بحقه عام 2017 بالسجن المؤبد بعد إدانته بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وقد تم المصادقة على ث الحكم بصورة نهائية في الاستئناف عام 2021 وهكذا لم يكن لقب جزار البوسنة مجرد وصف إعلامي عابر وإنما أصبح ملاديتش مجرما مدانا بحكم قضائي دولي نهائي .
اللافت أن الرجل الذي أمضى سنوات الحرب في مطاردة المسلمين وقتلهم وتهجيرهم أمضى السنوات الأخيرة من حياته مطاردا من العدالة الدولية فقد ظل هاربا نحو 16 عاما قبل أن تعتقله السلطات الصربية في مايو أيار 2011 ثم ينقل إلى لاهاي حيث بدأت صفحة جديدة من حياته خلف القضبان وانتهت في المكان نفسه الذي قضى فيه بقية عمره بعد أن فشل في الهروب من العدالة التي حاول طويلا الإفلات منها .
اعلان وفاته لم يكن نهاية مفاجئة لمسار صحي مستقر فقد عانى خلال سنوات سجنه الأخيرة من تدهور مستمر في حالته الصحية ومن سكتات دماغية متكررة حتى توفي في مستشفى السجن التابع للأمم المتحدة في لاهاي ورغم محاولات عائلته الدفع باتجاه نقله إلى بلغراد للعلاج المتخصص لكن الطلبات لم تجد استجابة لينتهي به المطاف ميتا داخل السجن الذي دخله بعد عقود من القاء القبض عليه .
من الامور الطريفة ان نجله خاول تقديم رواية مختلفة عن وفاته حيث تحدث عن ما وصفه باغتيال صامت لوالده وقد وجه اتهامات إلى تورط إدارة السجن و مع الأطباء في انهاء حياته لكن هذه الاتهامات غير المبررة لا تغير حقيقة ثابتة وهي أن ملاديتش كان محكوما بالسجن المؤبد بسبب جرائم ارتكبها وأثبتتها محكمة دولية وأن موته لا يمحو شيئا من ذلك سجله ولا يمنحه براءة ولا يحوله إلى ضحية تستحق التعاطف او الشفقة .
الواقع المؤلم أن الجريمة لم تنته بموت الجزار فما زال ملاديتش يحظى بصورة البطل لدى قطاعات واسعة من القوميين الصرب وما زال إنكار الإبادة في بعض الأوساط السياسية والاجتماعية قائما وهذه ربما تكون أخطر من الوفاة نفسها لأن المجرم يمكن أن يموت وهذه سنة الحياة أما الفكرة التي صنعت المجرم فهي تبقى حية تمشي على الارض وتنتقل إلى أجيال جديدة إذا لم تواجه بالحقيقة القاطعة والذاكرة الموثقة والعدالة القانونية .
للتاريخ نقول لانصار واعوان الحزار ان في مقبرة بوتوتشاري ما زالت رفات ضحايا سربرنيتسا تصل إلى أهلها بعد سنوات طويلة من البحث والتعرف وما زالت الأمهات يحملن صور أبنائهن وما زالت أسماء الضحايا تتلى في كل عام وما زالت المقابر الجماعية تروي بشاعتها ومهما حاول القتلة إخفاء الجريمة ولذلك فإن المقارنة البسيطة بين نهاية ملاديتش ونهاية ضحاياه تكشف كل شيء فهو مات في مستشفى سجن محاطا بالرعاية الطبية بينما مات ضحاياه في بالرصاص والجوع والإعدامات الجماعية أو فروا من الموت ليجدوا أنفسهم في مقابر جماعية لا يعرفها أحد حتى اليوم .
هنا يجب ألا يسمح العالم الحر والمنظمات الحقوقية والانسانية بأن تتحول وفاة ملاديتش إلى صفحة عابرة في الأخبار لأن المسألة ليست موت رجل واحد وإنما اختبار لذاكرة العالم تجاه جريمة إبادة جماعية ارتكبت في قلب أوروبا تحت أنظار المجتمع الدولي باسره وتحت راية الأمم المتحدة التي أعلنت حينها سربرنيتسا منطقة آمنة ثم عجزت عن حماية أهلها من ارهاب منظم .
رفات ملاديتش يمكن أن تدفن في أي مكان ويمكن لعائلته أن تبكيه ويمكن لأنصاره أن يحاولوا تقديمه في صورة البطل القومي لكن لا قوة في الأرض تستطيع دفن سربرنيتسا معه ولا تستطيع إزالة أسماء الضحايا من التاريخ ولا تستطيع تحويل الجلاد إلى ضحية ولا الجريمة إلى بطولة وبقي الدرس الذي يجب ألا ينساه العالم أبدا حين تتحول الكراهية الدينية والعرقية إلى مشروع سياسي والجيوش إلى أدوات للتطهير العرقي فإن النتيجة تكون حدوث سربرنيتسا جديدة .
ختاما : لقد نفق راتكو ملاديتش في سجنه بعدما أفلت من العدالة ستة عشر عاما وظن أن الجبال والمخابئ وحماية الحلفاء يمكن أن تطيل عمر الإفلات من الحساب لكنه انتهى في زنزانة لا في قصر ولا في احتفال بالنصر وترك وراءه اسما صار مرادفا للقتل والإبادة والتطهير العرقي وهذه هي العبرة التي ينبغي أن يتوقف عندها كل مجرم وطاغية يعتقد أن القوة قد تمنحه حصانة من العقاب والتاريخ لا ينسى ولا يسقط الجرائم بالتقادم وقد يتأخر الحساب سنوات أو عقودا وقد ينحاز العالم إلى الأقوياء لكن ذلك لا يعني أنه انتصر فالضحايا يبقون شهودا والجثامين والمقابر الجماعية والأنقاض والدموع تتحول إلى وثائق لا يستطيع أقوى جيش في العالم محوها .
هذه الرسالة لا تخص ملاديتش وحده بل ينبغي أن تصل إلى بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب وكل من شارك أو حرّض أو موّل أو وفّر الغطاء السياسي والعسكري للقتل في غزة ولبنان وإيران واليمن وغيرها بأن القوة مهما بلغت لا تصنع براءة وأن التفوق العسكري لا يحوّل الجريمة إلى بطولة وأن امتلاك الحلفاء والنفوذ والفيتو لا يعني امتلاك القدرة على تغيير الحقيقة .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية