✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لم يعد ترامب يكتفي بالتهديد
والوعيد، إنما بدأ يكشف ما وراء التهديد: مشروع الهيمنة الأمريكية على الممرات الاستراتيجية وثروات المنطقة.
وعندما يعيد نشر خريطة لمضيق هرمز ويضع عليها عبارة «أرض أمريكية جديدة» فإن المسألة لم تعد مجرد تغريدة عابرة أو استعراض إعلامي؛ إنها تعبير فجّ عن عقلية تنظر إلى العالم باعتباره مناطق نفوذ وموارد قابلة للمصادرة متى امتلكت واشنطن القوة لفرض إرادتها.
ترامب يتعامل مع مضيق هرمز وكأنه ملكية أمريكية، مع أن المضيق ممر مائي دولي يقع بين إيران وعُمان، وليس ولاية أمريكية ولا أرضًا تابعة لأمريكا.
وقد سبق له أن تحدث عن إمكانية إبقاء السيطرة الأمريكية عليه، ثم ظهر في خريطة نشرها على منصته وصف «أرض أمريكية جديدة» للمضيق.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: إذا كان هرمز أرضًا أمريكية في قاموس ترامب، فماذا عن باب المندب؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بقوة.
فواشنطن لا تنظر إلى هرمز وباب المندب باعتبارهما ممرين منفصلين، وإنما باعتبارهما عقدتين متكاملتين في منظومة الطاقة والتجارة العالمية.
ولهذا فإن أي محاولة أمريكية لفرض السيطرة على هرمز ستجد نفسها أمام حقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تجاهلها: من يملك القدرة على التأثير في باب المندب يستطيع أن يجعل حسابات السيطرة على هرمز أكثر تعقيدًا.
والوقائع الأخيرة تؤكد ذلك؛ فوزير الجيش الأميركي قدم استقالته، كما تراجعت حركة السفن في هرمز بصورة حادة، بينما ظلت حركة باب المندب منتظمة، مع استمرار حظر اليمن على السفن المرتبطة بالعدو السعودي.
وهنا تظهر المعادلة اليمنية التي تحاول واشنطن تجاهلها.
فاليمن ليس دولة هامشية على خارطة الصراع البحري، وليس مجرد ساحة يمكن تهديدها ثم الانتقال إلى الملفات الكبرى.
اليمن يقف على باب المندب، وعلى مقربة من أحد أهم خطوط الملاحة العالمية، وقد أثبت خلال السنوات الماضية أن الجغرافيا تحولت إلى قوة سياسية وعسكرية أجبرت ترامب على سحب حاملات طائراته و الإعتراف بالهزيمة أمام يمن الواثقين بالله.
ولهذا فإن تهديد ترامب لليمن، أو حديثه عن التعامل مع ما يسميه «الحوثيين» بالقوة، لا يمكن فصله عن معركة الممرات البحرية الكبرى.
وقد سبق أن توعد ترامب بمعاقبة إيران بعد هجمات يمنية استهدفت ناقلات سعودية في البحر الأحمر، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن باتت تربط بين جبهتي هرمز والبحر الأحمر، في الوقت الذي ترفض الوقوف مع
العدو السعودي ضد صنعاء.
لكن المفارقة أن واشنطن، وهي التي تتحدث عن «حرية الملاحة»، تريد في الوقت نفسه أن تجعل الملاحة نفسها خاضعة لإرادتها السياسية.
أي أنها لا تريد حرية الملاحة للجميع، لكن حرية الملاحة بالشروط الأمريكية، وهذا بالضبط ما يكشفه خطاب المعتوه ترامب.
أما طهران، فقد جاء رد وزير خارجيتها عباس عراقجي واضحًا: الضغوط الاقتصادية الأمريكية ليست جديدة، وإنما هي «سيناريو متكرر»، وأن واشنطن تنتقل من التهديد العسكري إلى إعادة استخدام أدوات الضغط القديمة، بينما تؤكد إيران أن الطريق إلى الحل هو الحوار القائم على الاحترام والعدالة والكرامة.
وقد وصفت طهران العقوبات الأمريكية المرتقبة بأنها دليل على فشل سياسة الضغط، لا على نجاحها.
بالتالي يمكن اختصار المشهد بمعادلة شديدة الوضوح:
من يريد احتكار هرمز، عليه أن يحسب حساب باب المندب.
ومن يريد فرض العقوبات على إيران، عليه أن يحسب حساب قدرة المنطقة على إعادة تشكيل طرق التجارة والطاقة.
ومن يريد تحويل هرمز إلى «أرض أمريكية»، فإن زمن رسم الخرائط من خلف المكاتب انتهى.
لأن المنطقة اليوم تملك قوى قادرة على تغيير المعادلات، واليمن واحد من أهم هذه الأطراف بحكم موقعه وقدرته على التأثير في باب المندب والبحر الأحمر.
وأن المعركة الحقيقية ليست على مضيق واحد، وإنما على سيادة المنطقة على ممراتها وثرواتها وقرارها،فهرمز، لن يصبح أمريكيًا بتغريدة، وباب المندب لن يصبح أمريكيًا بأمر من البيت الأبيض.
لهذا ربطت إيران إعادة فتح مضيق هرمز بشروط جديدة تشمل رفع الحصار الاقتصادي عن طهران، والوقف المستدام للحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وحسم ملف الحصار على اليمن.
إنها معركة سيادة قبل أن تكون معركة ملاحة، ومعركة إرادة قبل أن تكون معركة اقتصاد.
وفي هذه المعركة، لن يكون اليمن بعيدًا عن المشهد، ووقع الوقائع على ماسبق تشهد.