صادر عن الطالب و المدون : فراس السقا
قد يعتقد البعض أن حقوق الإنسان مصطلح حديث النشأة و لكن هذا الإعتقاد خاطئ حيث أن حقوق الإنسان مبدأ ظهر منذ القدم فقد إتفقت الديانات السماوية الثلاث على أن الله أرسل النبي موسى لفرعون ليس بسبب كفره فقط بل بسبب ظلمه و إستعلائه و إنتهاكه لحقوق شعبه من بني إسرائيل و هو ماتؤكده الاية 43 من سورة طه " اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ " كما كرست الأديان الثلاث مبادئ تعد اليوم مبادئ عالمية في حقوق الإنسان مثل رفض العنصرية فتقر الديانة المسيحية بأن الجميع واحد في يسوع المسيح , و يقول رسولنا محمد بأنه لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى . و كذلك تكريس حقوق الإنسان ليس حديث النشأة إذ بدأ العمل على تكريس حقوق الإنسان منذ سنة 1215 عبر ميثاق الماجنا كارتا أو الميثاق الأعظم بإنجلترا مرورا بحقوق الإنسان و المواطن الذي صدر من قبل الجمعية التأسيسية الوطنية بفرنسا سنة 1789 بعد الثورة الفرنسية وصولا للتكريس العالمي الأممي المتمثل في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته منظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1948 حيث كرست المادة 1 و2 المساواة الكونية بين جميع الأشخاص بغض النظر عن جنسهم أو دينهم أو موقعهم الجغرافي و كرست الحقوق المدنية من المادة 3 إلى المادة 11 و لعل أبرز ماجاء في هذه المواد هو منع التعذيب بالمادة 5 و الحق في محاكمة المتهم محاكمة عادلة بالمواد 8 و 10 و 11 أما الحقوق السياسية فقد كرست من المادة 12 وصولا للمادة 21 نذكر منها تكريس حرية التعبير بالمادة 19 و المشاركة في الحياة الجمعياتية بالمادة 20 و بقية المواد خصصت للحقوق الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية كالحق في العمل بالمادة 23 و العيش الكريم في رفاهة بالمادة 25 و التعليم بالمادة 26 .
هذا التكريس رغم أنه كوني إلا أن تطبيقه لم يكن كونيا فالوضعية الحقوقية اليوم في بعض دول العالم العربي و الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مثل الإعتقالات التعسفية و جرائم التعذيب و التمييز العنصري تجعلنا إزاء دراسة وضعية حقوق الإنسان في العالم العربي عبر التطرق لمظاهر تأخر الدول العربية في تطبيق حقوق الإنسان و نتائج ذلك وصولا لافاق حقوق الإنسان في الدول العربية
أسباب تأخر العالم العربي في تطبيق حقوق الإنسان
لتأخر العالم العربي في تطبيق حقوق الإنسان تطبيقا فعليا و حقيقيا أسباب متعددة و على رأسها قمع حرية التعبير ففي مصر مثلا تعتبر حرية التعبير و المعارضة تهمة فلئن نصت المادة 65 من الدستور المصري على أن " حرية الفكر والرأى مكفولة و لكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر " إلا أن هذا التكريس التشريعي لم يكن متبوعا بتطبيق حقيقي فإثر عزل الرئيس السابق محمد مرسي خرج عدد من المصريين في ميدان رابعة العدوية و أعلنوا عن اعتصامهم بشكل سلمي للتعبير عن رفضهم لهذا الإجراء واصفين ماحدث بالإنقلاب لتواجههم قوات النظام بالسلاح لفض الإعتصام في 14 أوت ( أغسطس ) 2013 لتخلف هذه المواجهة مقتل 638 مواطنا حسب وزارة الصحة المصرية فيما أقرت بعض المنظمات الحقوقية أن العدد يتجاوز ذلك بكثير و بغض النظر عن إختلاف التقديرات الخاصة بعدد القتلى فإن مقتل دنيين عزل يجعلنا نتسائل حول مدى إحترام حق الحياة و حرية التعبير فهذا المشهد يجعلنا أمام فجوة حقيقية بين تكريس دستوري لحرية التعبير و تجريمها واقعا , و إذا كانت المعارضة تتمثل في نقد تقصير مسؤول ما عن اداء مهامه فإن ذلك يعرض المواطن المصري للتضيقات
ففي 2 جانفي ( يناير ) 2025 تم توجيه تهمة القذف و تعمد إزعاج وزيرة سابقة للسياسي هشام قاسم و سجنه من أجل ذلك لمدة ستة أشهر بسبب وضع تعليق في مواقع التواصل الإجتماعي حسب منظمة العفو الدولية , و إذا كانت المعارضة لا تتجه نحو النظام و سياساته فإن الأمر لا يختلف كثيرا ففي بدايات شهر جوان ( يونيو ) من سنة 2025 تم إعتقال زوجين بسبب دعمهما لمسيرة سلمية تهدف لكسر الحصار عن غزة , و لئن كان قمع حرية التعبير سببا مهما من أسباب تأخر التطبيق العربي لحقوق الإنسان فإن المحاكمات الجائرة و الغير عادلة يعد بدوره سببا هاما ففي شهر مارس من سنة 2025 أصدرت إحدى محاكم الإستئناف في دولة الإمارات أحكاما سجنية تراوحت بين 10 سنوات و المؤبد ضد عدد كبير من المتهمين تجاوز الخمسون في محاكمة وصفتها منظمة العفو الدولية بغير عادلة , و لعل الحديث عن الأحكام السجنية يجعلنا نتطرق لعقوبة الإعدام التي يعتبرها عدة حقوقيون بالعقوبة الغير إنسانية وسط مناداة بضرورة إلغائها و إيقاف العمل بها ففي السعودية تم تنفيذ قرابة نصف أحكام الإعدام الصادرة بين 2014 و 2025 و تصدر بعض أحكام الإعدام على جرائم غير عنيفة ففي 16 ديسمبر 2025 تم إعدام عصام أحمد بعد توجيه تهم ضده تتعلق بالمخدرات كما تم إعدام عدد كبير من المواطنين السعوديين الشيعة و الذين يشكلون أقلية بسبب ممارستهم لأنشطة وصفتها السلطات السعودية بالأنشطة الإرهابية
نتائج تأخر العالم العربي في تطبيق حقوق الإنسان
لعل تأخر الدول العربية في المجال الحقوقي كانت له عدة إنعكاسات على أرض الواقع , إنعكاسات حالت دون تقدم الدول العربية فعلى المستوى الإعلامي يواجه الصحافيون عدة صعوبات و ضغوطا تحول دون ممارسة عملهم و هو مايؤكده التصنيف السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود المتعلق بحرية الصحافة و الذي جاءت فيه جل الدول العربية في مراتب متأخرة فقد إحتلت تونس المرتبة 137 من أصل 180 دولة و إحتلت مصر المرتبة 169 في حين قبعت المملكة العربية السعودية المرتبة 176 , و تعد تونس من أكثر الدول العربية تراجعا في مؤشر حرية الصحافة حيث أنها كانت سنة 2024 في المرتبة 118 في مؤشر حرية الصحافة لتصبح سنة 2025 في المرتبة 129 قبل أن تتراجع مجددا لتصل الان للمركز 137 و لا يشمل الأمر الصحافيين فقط بل يمتد حتى لممارسة الإعتداءات على المواطنين , ففي تونس أكدت جمعية " تقاطع من أجل الحقوق و الحريات " إصابة الشاب آدم نوبيغ يوم السبت 22 أوت 2026 على مستوى البصر بقذيفة من الغاز المسيل للدموع والتي كانت قد ألقتها السلطات الأمنية تزامنا مع إحتجاجات شهدتها منطقة بن قردان للمطالبة بالتنمية الجهوية
افاق حقوق الإنسان في العالم العربي
لتعزيز مكانة حقوق الإنسان في الدول العربية اليوم لا يحتاج المواطن العربي إلى قوانين بل يريد إرادة تطبق حقوق الإنسان و تضمن له حريته و جميع حقوقه في جميع مستوياتها , ذلك أن القانون اليوم يضمن ممارسة عدة حقوق و لكن الإشكال يكون في ممارستها فعلا التي قد تتحول لإعتقال و تعذيب , كما يجب على الدول العربية اليوم إراء هيكل مركزي في الدولة يكون معنيا بحقوق الإنسان و يحارب أن إنتهاك ضده فحقوق الإنسان ليست مجرد شعار يرفع بل هي وسيلة تطور و تقدم و إنفتاح