م. ميشال كلاغاصي
4/9/2026
يوماً بعد يوم تتزايد حاجة العالم إلى إنهاء النزاعات والحروب العسكرية، ولعل الحديث عن إنهاء العمليتين العسكريتين ضد أوكرانيا وإيران يبدوان الأكثر أهمية حول العالم حالياً، على الرغم من اختلافهما في الشكل والمضمون والأهداف، فالروس شنوا حربهم تحت عنوان "عملية عسكرية خاصة" لتصحيح التاريخ، والأمريكيون دعوا حربهم على إيران بـ "عملية الغضب الملحمي" بمشاركة قوات الكيان الإسرائيلي لكتابة تاريخٍ جديد.
وترافقت يوميات الحربين كلٌ على حدة، بالحديث عن ضرورة إنهاؤهما، والتوصل إلى حلول سياسية، تضمن موافقة كافة الأطراف المتصارعة سواء كانت شريكة أو مشاركة أو داعمة وممولة أو مستفيدة أو متضررة، وفي ظل غياب الحلول والرغبة في إيجادها.
وشهد الإسبوع الأخير لشهر أغسطس/آب، دفعةً كبيرة من المقترحات المتعلقة بأفضل الحلول للنزاع العسكري الأوكراني الروسي، من بينها مقترحات سكرتير الكرسي الرسولي الباباوي بول ريتشارد غالاغر، حول ضرورة تأمين "مشاركة دولية واسعة"، وذلك لقائه مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، واقتراح صحيفة التايمز البريطانية، والتي نشرت خطةً بوساطةٍ أمريكية لوقف إطلاق النار تتضمن انسحاباً متبادلًا للقوات الأوكرانية والروسية من خط المواجهة وإنشاء منطقة عازلة، بالإضافة إلى مقترحات الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، بأن انضمام أوكرانيا إلى الإتحاد الأوروبي سيكون "أفضل نتيجة" لإنهاء الصراع مع روسيا، في وقتٍ رأى فيه رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام بأن الوقت مناسب تماماً لـ "الحل الأمثل" عبر زيادة الضغط على روسيا، فيما ألمح البروفيسور جون ميرشايمر وهو ضابط سابق في سلاح الجو الأمريكي، ومفكر وأستاذ بارز في العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، إلى أن النتيجة الأكثر فائدة ستكون من خلال تحويل أوكرانيا إلى "دولة بائسة" غير قادرة على أداء مهامها، وتحويلها إلى دولة محايدة غير منحازة عازلة بين روسيا وحلف الناتو، وذلك من خلال توقف الغرب عن محاولاته لغربنة أوكرانيا أو ضمها لحلف الناتو، وإعتراف الولايات المتحدة وحلفائها بأن توسع الناتو شرقاً يمثل خطاً أحمر وتهديداً أمنياً وجودياً لموسكو.
من الصعب إيجاد الحل السياسي المنشود في ظل سردياتٍ غربية تحمّل روسيا وحدها مسؤولية الحرب، وبأن الحل الأمثل يتعلق بموافقتها على مقترحاتهم والأصح على قبولها بالهزيمة، وفق مقولة المنظّر العسكري الشهير كارل فون كلاوزفيتز، بأن الحرب هي "امتداد للسياسة بوسائل أخرى"، وما خلُص إليه الفيلسوف هايمو هوفمايستر، بأن الحرب هي إعلان صريح عن عجز السياسة وفشلها المطلق.
أما على مقلب الحرب الأمريكية على إيران، وبعد مرور /6/ أشهر، لا تزال إدارة ترامب تعلن أهدافاً وتكرر أهدافاً وتتراجع عن أخرى، وتتحدث عن انتقال حربها العسكرية إلى حربٍ اقتصادية شرسة، لتحقيق الأهداف التي فشلت بتحققها عسكرياً، مع فارق أنها لا تعتبر الحصار والعقوبات الإقتصادية سلاحاً فتاكاً وحرباً ضروساً.
في وقتٍ نشرته فيه صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريراً، تزعم فيه بأن ترامب يناقش مع كبار مساعديه إمكانية إعلان انتهاء الحرب على إيران، وبأنه يرى أن العمليات العسكرية نجحت في تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية، وسيكون استمرار الضغط والحصار الاقتصادي الشديد كافياً لإجبار النظام الإيراني على تفكيك برنامجه النووي أو مواجهة الانهيار، دون الحاجة للوقوع في نزاع عسكري مفتوح لا نهاية له، بالتوازي مع إعلان نائبه جيه دي فانس "انتهاء العمليات العسكرية الكبرى" في إيران، وأن ما يحدث الاّن هو مجرد مناوشات وتجدد لبعض الأعمال العدائية في نقاط معينة، مؤكداً أن بلاده لن تضع جدولاً زمنياً مصطنعاً لإنهاء الصراع، ولن تدخل في مفاوضات سياسية حتى تتوقف طهران بشكل كامل عن استهداف السفن التجارية وملاحة النفط في مضيق هرمز.
تبدو السمة المشتركة للحربين على أوكرانيا وإيران أنهما وجوديتان، في وقتٍ يبدو يمكن فيه بناء السلام وأن يكون نتاجاً ثنائياً للدول المتحاربة، أو نتاجاً جماعياً لعدة دول وأطراف، على أن تضمنه السياسة، في وقتٍ يحتاج فيه السلام دائماً إلى عناية ومفاوضات مستمرة مع الشركاء والحلفاء والأصدقاء وحتى الأعداء، لحماية المصالح المشتركة والأمن القومي لكافة الأطراف، وعليه ينحصر الحديث اليوم عن الحل السياسي، ما بين قدرة السياسة على إنهاء الحروب وعجزها عن ذلك، وسط توفر رغبة الساسة بإحلال السلام، وهو الأمر الذي لا يمكن التكهن به في ظل خيالية وجود ساسةٍ من طراز "الملائكة" وتوفر عشرات اّخرين من طراز "الشياطين".
وفي ظل امتلاك غالبية الدول لمخططات واّليات ورغبات قادتها لشن الحروب، تبدو التحركات الدبلوماسية، والتصريحات الحادة والرسائل والردود المتبادلة، تشكل جزءاً من رهابٍ ممنهج ومنظم، تختبئ ورائه الأنظمة والحكومات المحاربة، لإخفاء نياتها وتحركاتها العسكرية، كسباً للوقت، وتمسكاً بعنصر المفاجئة، واقتناص الفرص لشن العمليات العسكرية، لتتحقق مقولة كارل فون كلاوزفيتز، بأن "الحرب سياسةٌ بوسائل أخرى".
يبدو أن أفضل الخيارات الدبلوماسية والسياسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، اللجوء أولاً إلى تجميد الجبهات العسكرية الحالية والبدء بتبادل الأسرى وفتح ممرات آمنة للتجارة والملاحة في البحر الأسود، وإجراء مفاوضات مباشرة وبرعاية دولية ومشاركة أطراف دولية كالولايات المتحدة والصين لدعم تسويةٍ سلمية عادلة، تتوفر فيها الضمانات الأمنية لكلا الطرفين، والإتفاق على وضع محايد لأوكرانيا يوازن بين مخاوف الأمن الروسي وسيادة ووحدة الأراضي الأوكرانية.
كذلك الأمر بالنسبة لإنهاء الحرب الأمريكية على إيران، وضرورة إعلان وقف العمليات العسكرية القتالية المباشرة، والانسحاب المتبادل للقوات، والعودة إلى الدبلوماسية الإقليمية، وتكثيف قنوات التفاوض غير مباشر عبر الوسطاء، وبمشاركة دولية واسعة، والتوصل إلى صياغة إتفاق وتفاهمات جديدة تعالج الخلافات حول الملف النووي الإيراني وتفرعاته، وإعادة النظر بشأن العقوبات الاقتصادية والتراجع عنها بشكلٍ فوري، وإعادة فتح الممرات المائية الحيوية وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
من المؤسف أن تتعطل الحلول وتتوقف أدمغة الدول والقادة والإستراتيجيون عن إنتاجها، والإستسلام لفكرة "العجز بتحقيق السلام"، رغم إعلان القادة عن رغباتهم بإحلال السلام، الذي بات مطلباً عالمياً تنادي به كافة شعوب الأرض، وعلى قادة دوله الإنصات والإنصياع له.
م. ميشال كلاغاصي
4/9/2026