«حين تتحطم إمبراطوريات الغطرسة على صخور طهران. وتغدو مقبرة لمخططات الهيمنة الصهيوأمريكية.»
منذ انطلاق العدوان المتكرر على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم تحقق آلة الغطرسة والعنجهية الصهيوأمريكية أي ناتج استراتيجي يذكر. الهدف في هذا المقال ليس تزكية نفس أو رياء بريشة قلم، بل تشريح جيوسياسي لظاهرة إخفاق متكرر. أكتب بجرأة الباحث عن الحقيقة، لا بلسان المتزلف. المقصود هو وضع القارئ أمام معادلة بسيطة: كل محاولات كسر الإرادة في الجو والبحر والبر، انتهت إلى كلفة متراكمة، من دون تحقيق حسم استراتيجي معتبر.
أولا: «الجبهة الجوية، سقوط نظرية التفوق المطلق»
راهن المركز على أن التفوق التكنولوجي الجوي كفيل بإحداث شلل. لكن المعادلة الميدانية لم تجر وفق الحسابات المنسقة. كل موجة قصف اصطدمت بمنظومة ردع احتوت الصدمة، وأبقت القدرة على الرد والمناورة قائمة، ثم أعادت توزيع الطاقة. النتيجة كانت استنزافا لوجستيا بلا إحداثيات سياسية. السماء التي أريد لها أن تكون ساحة سيطرة مطلقة، تحولت إلى متاهة حسابية لا تعطي عائدا.
ثانيا: «الجبهة البحرية، حصار بلا إطباق»
في العمق البحري جرت محاولات خنق الممرات وفرض حصار إقتصادي. لكن خصوصية الجغرافيا السياسية للمكان أفشلت رهان الاخضاع السهل. كل محاولة إطباق بحري قوبلت بمناورة مضادة حولت الطوق المضروب إلى كلفة تشغيلية على الأساطيل المعادية، البحر لم يكن طريق غزو، بل مقبرة لأوهام الطغاة.
ثالثا: « الجبهة البرية، استنزاف على رقعة الشطرنج»
أما على اليابسة، فلم تفض المناورات إلى احتلال أو تقدم ميداني نهائي أو تثبيت دائم لمكاسب بعيدة. رقعة الشطرنج الإقليمية أثبتت أن الملك الذي يحسن إدارة مربعاته، لا تهزه قلاع عابرة ولا تربكه بيادق وافدة؛ فحين تتحول الجغرافيا إلى حصن، والإرادة إلى استراتيجية، يصبح كل اقتراب محسوبا، وكل مناورة مكشوفة. وهكذا حافظت طهران على تماسك رقعتها، وأجبرت خصومها على التحرك في مربعات ضيقة، حتى غدا التقدم الظاهري تراجعا مؤجلا، والهجوم المستمر بحثا عن مخرج من كش استراتيجي متصاعد.
رابعا: «من النار والبارود إلى المقصلة المالية»
ومع تعثر الرهان العسكري في تحقيق أهدافه المعلنة، تصاعد اللجوء إلى أدوات الضغط الإقتصادي والعقوبات بغرض التجويع والتركيع، وتضييق الخناق. لكن المعادلة الاقتصادية بدورها لم تفض إلى النتيجة المنشودة. كل ضغط أنتج تفاعلا عكسيا: صلابة الجبهة الداخلية وتحالفات بديلة. فشفرة المقصلة المالية لم تقطع الرأس، بل زادت مناعة الجسد.
خامسا: حين تتعثر السطوة في تحقيق أهدافها، يصبح السلوك الميداني اختبارا أخلاقيا لا يقل أهمية عن الاختبار الحربي.
فاستهداف المدنيين والمنشآت الرياضية والمدارس وصالات الأفراح، أيا كانت الذرائع المعلنة، لا يصنع انتصارا عسكريا، بل يضيف فاتورة أخلاقية وسياسية عالية بالإضافة إلى كلفة ساحات المواجهة النارية. في مشاهد لا تعكس نصرا عسكريا بقدر ما تكشف مأزقا أخلاقيا يجتاز حدود الرؤى. فحين تضيق خيارات الجبهات ، يصبح المدنيون ضحية لعجز القرار العسكري عن صناعة الحسم، ويحول القوة من أداة للإنهاء إلى شاهد على الإفلاس، ويضيف على حبين الغزاة وصمة عار.
سادسا: «فضائح المركز، سقوط القناع»
في مقابل خطاب القيم، عادت قضية جيفري إبستين إلى الواجهة. وتورط أسماء سياسية أمريكية بارزة فيها، منها دونالد ترامب. حيث أن السقوط الأخلاقي في المركز ينسف أي شرعية ادعائية، فكيف لمن غرق في مستنقع الفضائح الفظيعة أن يوزع شهادات ديمقراطية؟
سابعا:«الوصفة الإقليمية، طرد الاحتلال الناعم»
على شعوب وجيوش دول الجوار أن تدرك أن الصدام ليس عسكري فقط. فالمطلوب اجتثاث جذور النفوذ: طرد القواعد الأجنبية ومراكز التجسس، وتفكيك شبكات المصالح الأمريكية والصهيونية داخل أراضيها. الأمن القومي يبدأ باستعادة القرار السيادي وتقليص الارتهان للقواعد والقوى الخارجية، وبناء منظومة أمن إقليمية أكثر استقلالا.
إن القوة مهما بلغت من تفوق تقني وعسكري، لا تضمن وحدها صناعة الحسم. فالجغرافيا حين يسندها الإصرار تتحول إلى حصن، والصمود حين يتحول إلى استراتيجية يصبح معادلة يصعب كسرها بالقوة وحدها. لقد أثبتت المواجهة أن الرهان على التفوق المفرط، سواء في الجو أو البحر أو البر أو الاقتصاد، لا يكفي لفرض إرادة سياسية على دولة تمتلك عمقا جغرافيا ومجتمعيا وقدرة على التكيف والمناورة. فالمعارك لا تقاس بكثافة البارود وحده، وإنما بما تتركه من نتائج بعيدة على أرض الواقع. وهنا تبقى الحقيقة الأهم: لا انتصارا مستداما تصنعه الغطرسة، ولا هيمنة تدوم أمام عزيمة صلبة تعرف كيف تحمي ترابها ومصالحها. وقد يكتب التاريخ، لا بماء الزعفران فحسب، بل بحبر التجربة، أن أحلام الأطماع والتوسع حين تصطدم بإرادة الشعوب تتحول من مشروع للسيطرة إلى درس في حدود القوة. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية في الحسابات الجيوسياسية، لم تكن قطعة سهلة على رقعة الشطرنج؛ ومن أراد كسرها، وجد نفسه مضطرا إلى إعادة حساب المربعات من جديد.
بقلم كاتب دمشقي حر في الغربة.
راجيا من السادة القراء الأفاضل الإبقاء على صورة واسم الكاتب عبد الحميد كناكري خوجة عند المشاركة أو الاقتباس أوالنقل فهذا شرف لي.