بيرنهام.. قرارٌ جريء أم وراء الأكمة ما ورائها
مقالات
بيرنهام.. قرارٌ جريء أم وراء الأكمة ما ورائها
م. ميشيل كلاغاصي
9 أيلول 2026 , 14:55 م

م. ميشال كلاغاصي – 9/9/206

في 8 سبتمبر/أيلول 2026، أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند قراراً بريطانياً رسمياً خلال كلمته أمام مجلس العموم، تتبنى فيه بريطانيا تحت قيادة اّندي بيرنهام وبالتناغم مع عواصم أوروبية كـ باريس وكندا، موقفاً حذراً ومتحفظاً تحركًا حازمًا ومستقلاً يُعيد رسم حدود الدور الأوروبي والبريطاني في ملف الشرق الأوسط، بمواجهة تفرد الرئيس دونالد ترامب وخطته المثيرة للجدل بشأن غزة، وسط مخاوف لندن من تأسيسه "مجلس ترامب" خارج المظلة الأممية وموازٍ لها، بما يُمكّنه الإلتفاف على صلاحيات مجلس الأمن حيث تمتلك بريطانيا وفرنسا مقاعد دائمة، وعليه يرفض الأوروبيون وبيرنهام التفرد الأمريكي، وخطة ترامب خصوصاً بما يتعلق بالنزوح أو التهجير القسري، والسيطرة الإدارية الأمريكية - الإسرائيلية الكاملة على قطاع غزة.

قرار هام اختار له برينهام تصريحاً متقناً مدروساً بعناية، ليكون بوابة التحرك البريطاني الأوروبي، بإعلانه أن "معاناة الشعب الفلسطيني وصمة عار على جبين العالم"، وأنه لن يقف مكتوف الأيدي، وفي تحدٍ صريح للتوجّه الأمريكي "الليّن" مع الحكومة الإسرائيلية، في محاولة لفرض حضور أوروبي فاعل تسعى من خلاله بريطانيا والإتحاد الأوروبي لضمان حضور كلمة أوروبا السياسية والإقتصادية العليا في مستقبل قطاع غزة، وعدم ترك الساحة بكاملها للترتيبات المنفردة التي تقودها واشنطن بتنسيق وثيق مع حكومة نتنياهو.

حيث أعلنت الحكومة البريطانية قراراً بفرض حظرٍ تجاري وعقوباتٍ شاملة تستهدف المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة، بما يمثل تحولاً دبلوماسياً لافتاً في سياسة لندن الخارجية، وقد ترافق هذا القرار مع تحرك أوروبي منسق شمل فرنسا و11 دولة غربية وكندا لإقرار قيود مماثلة، ويشمل القرار الخطوات التالية:

* منع دخول السلع والمنتجات القادمة من مستوطنات الضفة الغربية (يدخل حيز التنفيذ خلال 6 إلى 9 أشهر).

* فرض عقوبات على الأفراد والشركات البريطانية أو الدولية التي تقدم خدمات البناء، التمويل، البنية التحتية، أو العقارات التي تسهم في توسيع المستوطنات.

* رفضٌ فوري لكافة طلبات تراخيص وصادرات الأسلحة والمعدات التي قد تساهم جوهرياً في إنفاذ الإحتلال.

تبدو هذه الإجراءات مصممة لـ "إعادة ضبط" العلاقات، وموجهة حصرياً ضد الإستيطان وسلوك الحكومة الإسرائيلية، مع التأكيد على استمرار العلاقات التجارية الطبيعية مع "إسرائيل" داخل حدود الخط الأخضر، ومع ذلك يحمل القرار الكثير من الدلالات والأبعاد المحلية والدولية، لجهة:

1- تزامنه مع اقتراب الإنتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين 1/ أكتوبر، في وقتٍ اعتبرت فيه القيادة الإسرائيلية (الرئيس هرتسوغ والوزير جدعون ساعر)، أن التوقيت يمثل " تدخلاً سافراً " في العملية الديمقراطية الإسرائيلية لمحاولة التأثير على حظوظ اليمين المتطرف والحكومة الحالية.

2- يشكل رداً مباشراً على تسارع وتيرة البناء في الضفة الغربية من قبل حكومة بنيامين نتنياهو، وتحديداً المخططات المرتبطة بمشروع الاستيطان "E1"، والذي ترى بريطانيا والدول الأوروبية أنه يقسم الضفة الغربية ويقضي نهائياً على فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة ضمن حل الدولتين.

3- لمواجهة تزايد الضغوط السياسية الداخلية في بريطانيا، والتي تواجهها حكومة حزب العمال الحالية برئاسة بيرنهام، من قاعدتها الإنتخابية والناخبين الساخطين على مواقف لندن السابقة تجاه أحداث غزة، وسط استخدام وزير الخارجية لهجةً غير مسبوقة، متهماً المستوطنين بإرتكاب "التطهير العرقي"، ومشيراً إلى تقارير تؤكد حدوث جرائم حرب في غزة، الأمر الذي يشير إلى رغبة الحكومة البريطانية بإرضاء الرأي العام الداخلي والتمايز عن المواقف الأمريكية.

4- لإستباق تحركات الإدارة الأمريكية، وخلق جبهةٍ أوروبية موحدة تفرض أمراً واقعاً في ملف الاستيطان، خاصةً في ظل تلويح إدارة ترامب والمسؤولين الأمريكيين وتحديداً السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بفرض عقوبات مضادة على الشركات البريطانية التي ستمتثل للمقاطعة.

لكن سرعة رد الفعل الإسرائيلي، كشفت حجم الغضب الكبير في الأوساط الإسرائيلية، الذي دفعهم للرد الفوري على القرار البريطاني عبر إجراءات دبلوماسية قاسية، شملت إغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة، وطرد الممثلين البريطانيين من مراكز توزيع المعونات بغزة، ومنع 12انتا عشر برلمانياً ومسؤولاً بريطانياً من الدخول إلى "إسرائيل" بذريعة تورطهم في أنشطة مناهضة، بالإضافة إلى مطالبة وزراء اليمين المتطرف كـ بن غفير وسموتريتش، بطرد السفير البريطاني بشكل نهائي، والإعتراف بسيادة الأرجنتين على جزر فوكلاند.

من الواضح أن قرار لندن أدخلها منطقة اختبار معقدة تضع مصالحها وعلاقاتها الدولية على المحك، حيث بدا وكأنها تدفع بنفسها نحو مواجهة دبلوماسية غير مسبوقة مع إسرائيل والولايات المتحدة بأعمق مما كانت تتوقعه، تمثلت بحزمة إجراءات رد الفعل الإسرائيلي، بالإضافة إلى التهديدات والضغوط، والإنتقادات الأمريكية الحادة، حيث لوّح سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل بتأثر الشركات البريطانية ومنعها من العمل في بعض الولايات الأمريكية التي تحظر مقاطعة إسرائيل، مما يضع الإقتصاد البريطاني تحت وطأة ضغط الحليف الأمريكي، ناهيك عن الضغوط الداخلية لبعض المكونات والقيادات الدينية داخل بريطانيا، تمثل بتصريح رئيس حاخامات بريطانيا الذي وصف يوم صدور القرار بـ "اليوم المظلم"، الأمر الذي سيفرض على الحكومة البريطانية البحث عن صيغٍ تضمن توفير استثناءات دينية للجم أو تقليل حجم الشرخ الداخلي.

في المحصلة، شكل القرار من الناحية السياسية قفزةً بريطانية جريئة، نقلت السياسة الخارجية لـ حكومة بيرنهام من مرحلة "الإدانة اللفظية" إلى العقاب الإقتصادي القانوني الفعلي، لتجد لندن نفسها اليوم في صدارة مواجهةٍ دبلوماسية حامية الوطيس، ويبقى السؤال، حول امتلاك بيرنهام وبحكم منصبه القوة الدستورية والتنفيذية الكاملة لإتخاذ هذا القرار، فهل تملك بريطانيا القوة الخارجية لمواجهة ردود الفعل وعواقبها وتداعياتها، أم هناك دوافع خفية و"وراء الأكمة ما ورائها"...؟

لا يمكننا الجزم بدوافع بيرنهام الداخلية والخارجية والخفية وخلفياتها السياسية، لكن وعلى ما يبدو أنه يسعى إلى إعادة ترتيب صفوف حزب العمال، الذي شهد خلال العامين الماضيين، انقساماتٍ حادة وضغوطاً هائلة من القواعد اليسارية والنواب بسبب الموقف المتخاذل للحكومة السابقة من الحرب على غزة، ووقّع أكثر من 140 نائباً من الحزب بما يعادل ثلث عدد نوابه في البرلمان، على رسالة تطالب بحظر التجارة مع المستوطنات، وفي هذا السياق يمكن تفهم سعى بيرنهام لاتخاذ موقف حاسم لاحتواء هذا الغضب قبل مؤتمر الحزب السنوي وتجنب خسارة مقاعده لصالح أحزاب أخرى.

ناهيك عن شغفه لإثبات نفسه زعيماً يفوق سلفه كير ستارمر وضوحاً وجرأةً وقوةً، وليضع الحد لتردد الحكومات البريطانية وخشية اتهامها بـ "معاداة السامية" أو كراهية "إسرائيل"، بالإضافة إلى قرار العقوبات أتى ترجمةً فعلية لما اعتبرته حكومته مجتمعةً "خطاً أحمراً"، خصوصاً ما يتعلق بمناقصات بناء مستوطنةٍ ضخمة في منطقة "E1" بالضفة الغربية، والذي ترى فيه لندن تقطيع الضفة الغربية إلى نصفين وقضاءاً نهائياً على حل الدولتين، وهذا الموقف ليس قراراً بريطانياً منفرداً، بل تم بالتنسيق مع 12 دولة غربية، يُتوقع لها أن تحذو حذو برينهام، وبذلك يسجل نقاط تميزه، ويضمن غطاءً دبلوماسياً جزئياً أمام الضغوط الخارجية.

وكي لا يندفع البعض وراء "عنتريات" برينهام، وكأنه شمشون العصر، فقد أشارت التقارير الدبلوماسية إلى أن الحكومة البريطانية حاولت طمأنة واشنطن خلف الكواليس بأن العقوبات محدودة ورمزيّة إلى حدٍ ما كأثر اقتصادي، لأنها تستهدف فقط بضائع وخدمات المستوطنات غير القانونية وليس الإقتصاد الإسرائيلي ككل، فلا يمكن لـ بيرنهام أن يفتح على نفسه وبلاده أبواب الجحيم، عبر الفصل العملي بين اقتصاد المستوطنات والإقتصاد الإسرائيلي العام، فقد يجر البنوك والشركات البريطانية إلى حيث لا ترغب ولا تستجيب.

م. ميشال كلاغاصي – 9/9/2026