‏علماء يحولون النفايات البلاستيكية إلى بسكويت
منوعات
‏علماء يحولون النفايات البلاستيكية إلى بسكويت
19 أيلول 2026 , 16:00 م

قد يبدو إعداد بسكويت يحتوي جزئيا على جزيئات مشتقة من النفايات البلاستيكية أقرب إلى تجربة تحذيرية منه إلى تجربة غذائية، لكن باحثين في جامعة جنوب إلينوي كاربونديل يعملون على استخدام خمائر معدلة وراثيا لتحويل مكونات البلاستيك المهمل والنفايات الزراعية إلى بروتينات وفيتامينات ودهون ومنكهات ومكونات غذائية أخرى.

‏وقد تساعد هذه التقنية مستقبلا في إنتاج الغذاء داخل البيئات التي تعاني محدودية الموارد.

‏ويجمع هذا المشروع بين تحديين عالميين رئيسيين، هما إيجاد استخدامات مفيدة للنفايات البلاستيكية، وتطوير طرق إضافية لإنتاج الغذاء.

‏ويأتي العمل ضمن مشروع تقوده ناسا بهدف تطوير تقنيات لإنتاج الغذاء خلال رحلات استكشاف الفضاء السحيق، حيث تكون الموارد محدودة.

‏وقد تجد التقنية نفسها استخدامات على الأرض أيضا، بما في ذلك في المناطق التي تتعرض للكوارث أو تعاني صعوبة في الوصول إلى مصادر الغذاء.

‏وقال الأستاذ المشارك لاهيرو جاياكودي: «كنا نحاول تطوير تقنيات لإعادة تدوير البلاستيك وتحويله إلى منتجات أكثر قيمة. وفكرنا، لماذا لا نركز على إنتاج الغذاء؟ لأن البلاستيك يتكون من الكربون والغذاء يتكون من الكربون أيضا».

‏الخمائر تحول النفايات إلى مكونات غذائية

‏طور الفريق نموذجا أوليا لبسكويت غني بالبروتين يحمل اسم µBites، وينطق «مايكرو بايتس».

‏ولا يضع الباحثون البلاستيك مباشرة داخل الطعام، بل يبدأون أولا بتفكيك مواد النفايات إلى مكونات كيميائية أصغر تستطيع الكائنات الدقيقة استهلاكها.

‏بعد ذلك، تستخدم الخمائر المعدلة هذه الجزيئات لإعادة بناء مركبات يمكن استخدامها في إنتاج الغذاء.

‏ويستهدف الباحثون أحد أنواع البلاستيك الشائعة، وهو بولي إيثيلين تيرفثالات (PET)، المستخدم في تصنيع العديد من زجاجات المياه والمشروبات الغازية.

‏ويحتوي PET على جزيئات غنية بالكربون يمكن تفكيكها وإعادة استخدامها.

‏وبدلا من إعادة بناء هذه الجزيئات باستخدام التفاعلات الكيميائية والمذيبات داخل المختبر، يستخدم الباحثون الكائنات الدقيقة لتنفيذ جزء كبير من هذه العملية.

‏وأوضح جاياكودي أن الكائنات الدقيقة تتمتع بقدرات كبيرة، ولذلك يستخدم الباحثون خصائصها لمعالجة المشكلات التي تسبب فيها الإنسان.

‏الخميرة تعمل كمصنع صغير

‏يستخدم العلماء بالفعل الكائنات الدقيقة، بما فيها الخمائر، باعتبارها مصانع مجهرية لإنتاج جزيئات مفيدة.

‏فعلى سبيل المثال، يمكن إنتاج الإنسولين باستخدام خمائر مبرمجة بدلا من استخراجه من بنكرياس الحيوانات.

‏وطبق جاياكودي وطالبة الدراسات العليا سانديا جاياسيكارا المبدأ نفسه على النفايات.

‏وقاما ببرمجة عدة أنواع من الخمائر، بما فيها خميرة الخباز، لتحويل الجزيئات الموجودة في البلاستيك والنفايات الزراعية إلى بروتينات وفيتامينات ومنكهات ومكونات غذائية أخرى.

‏تفكيك النفايات أولا

‏قبل أن تتمكن الخمائر من تنفيذ هذه المهمة، يجب تفكيك مواد النفايات الصلبة والمعقدة إلى أشكال تستطيع الكائنات الدقيقة الوصول إليها واستهلاكها.

‏وعالج الباحثون بلاستيك PET وسيقان وأوراق الذرة المهملة وأنواعا أخرى من الكتلة الحيوية باستخدام تقنية خاصة تعرف باسم الإذابة الحرارية المائية المؤكسدة.

‏وطور هذه الطريقة أستاذ الجيولوجيا في جامعة جنوب إلينوي كاربونديل كين أندرسون، وتعتمد على استخدام الماء والأكسجين تحت درجات حرارة وضغوط مرتفعة لتفكيك المواد الصلبة إلى أجزاء أصغر يمكن للكائنات الدقيقة استهلاكها.

‏بعد ذلك، تغذى الخمائر المعدلة بهذه المواد الناتجة عن عملية التفكيك، وتحولها إلى مكونات تشمل البروتينات والدهون والأحماض.

‏ويضيف الباحثون حاليا الألياف والنشا والمحليات إلى الخليط، ثم يمررونه عبر طابعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج بسكويت µBites.

‏هل يمكن تناول البسكويت؟

‏يقول الفريق إن بياناته تشير إلى أن البسكويت آمن للأكل، إلا أن الحصول على الموافقات المؤسسية اللازمة ما زال قيد الانتظار قبل أن يتمكن الباحثون من إجراء اختبارات التذوق.

‏وفي الوقت الحالي، قام المشاركون بتقييم رائحة البسكويت، وقال معظمهم إنهم سيكونون مستعدين لتناوله في الحالات التي تكون فيها الموارد محدودة.

‏لكن إنتاج غذاء يمكن تناوله في البيئات القاسية لا يتعلق بالقيمة الغذائية وحدها، إذ يجب أيضا أن يكون مقبولا من حيث الطعم والرائحة والمظهر.

‏الفانيليا والبيتا كاروتين لتحسين البسكويت

‏عملت جاياسيكارا على تعديل خميرة الخباز لإنتاج مادة الفانيلين، وهي المركب المسؤول عن نكهة الفانيليا ورائحتها، باستخدام الكتلة الحيوية النباتية.

‏كما يستطيع نوع آخر من الخمائر تحويل الإيثيلين غليكول المشتق من بلاستيك PET إلى بيتا كاروتين، وهي مادة يمكن للجسم تحويلها إلى فيتامين A.

‏وقالت جاياسيكارا إن الباحثين يستخدمون الكائنات الدقيقة لتطوير البسكويت وتحويله إلى منتج أكثر جاذبية وملاءمة للمستهلكين.

‏الهدف يتجاوز صناعة البسكويت

‏لا يريد الباحثون أن تتوقف التقنية عند إنتاج البسكويت.

‏ويهدف الفريق مستقبلا إلى جعل الكائنات الدقيقة تنتج نسبة أكبر من المكونات الأساسية للبسكويت، بما فيها النشا والألياف والمحليات التي تضاف حاليا بشكل منفصل.

‏ويأمل جاياكودي أن يصبح منتج µBites جاهزا للاستهلاك العام خلال السنوات القليلة المقبلة.

‏لكن الهدف الأوسع للمشروع يتجاوز إنتاج البسكويت، إذ يمكن للتقنية التي تحول النفايات إلى مكونات غذائية مفيدة أن تستخدم في البيئات التي تعاني محدودية الموارد على الأرض، وكذلك في البيئات القاسية، بما فيها الغواصات والمستعمرات المحتملة على القمر أو المريخ.

‏وقال جاياكودي إن الطلب العالمي على الغذاء من المتوقع أن يرتفع بنسبة تتراوح بين 35% و56% بحلول عام 2050، وإن نحو 30% من سكان العالم قد يواجهون خطر الجوع مستقبلا.

‏ويرى أن استخدام الكائنات الدقيقة يمكن أن يكون إحدى الطرق لمعالجة هذه المشكلة.

‏نتائج البحث عرضت في مؤتمر علمي

‏عرض الباحثون نتائج العمل خلال ندوة البحث الجامعي والدراسات العليا في الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الكيميائية ضمن مؤتمر ACS Fall 2026، الذي أقيم في الفترة من 23 إلى 27 أغسطس في مركز ماكورميك بليس.

‏وكان المشروع ممولا من تحدي ناسا للغذاء في الفضاء السحيق، إضافة إلى منحة برنامج التطوير المهني المبكر لأعضاء هيئة التدريس CAREER التابع للمؤسسة الوطنية للعلوم الأمريكية.

‏كيف تعمل الخمائر المعدلة؟

‏يحمل البحث عنوان «مجموعات الخمائر المعدلة لتحويل المركبات المشتقة من البلاستيك والكتلة الحيوية إلى إضافات غذائية ذات قيمة».

‏ويشير ملخص الدراسة إلى أن انعدام الأمن الغذائي لا يزال تحديا عالميا مهما، في ظل وجود مليارات الأشخاص الذين يعانون الجوع أو لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي صحي.

‏وطور الباحثون µBites في الأصل ضمن تحدي ناسا للغذاء في الفضاء السحيق، باعتباره طريقة لإنتاج غذاء مغذ من خلال تحويل النفايات البلاستيكية والنباتية إلى مكملات غذائية صالحة للأكل وغنية بالبروتين.

‏ولا تقتصر الفكرة على رحلات الفضاء، إذ يمكن أن تقدم التقنية طريقة لمعالجة مشكلتين في الوقت نفسه، هما نقص الغذاء والتلوث البلاستيكي.

‏وكان الباحثون قد أثبتوا سابقا إمكانية إنتاج بسكويت بروتيني صالح للأكل بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، باستخدام مواد أولية مشتقة من البلاستيك وكتلة الخميرة الحيوية.

‏وفي الدراسة الجديدة، عمل الفريق على تحسين النكهة والرائحة واللون باستخدام مكونات منتجة بشكل طبيعي بواسطة سلالات خميرة آمنة للأكل، تشمل:

‏Saccharomyces boulardii

‏Saccharomyces cerevisiae

‏Rhodosporidium toruloides

‏وعدل الباحثون خميرة Saccharomyces cerevisiae لإنتاج الفانيلين، وهو المركب المسؤول عن نكهة ورائحة الفانيليا، انطلاقا من حمض الفيروليك.

‏كما استخدموا التطور المخبري التكيفي لتحسين قدرة خميرة Rhodosporidium toruloides على استخدام الإيثيلين غليكول مصدرا للكربون لإنتاج بيتا كاروتين، وهو أحد طلائع فيتامين A.

‏وأظهر الباحثون إمكانية إنتاج هذه المكونات باستخدام الكتلة الحيوية الناتجة عن النفايات والمواد الأولية المشتقة من البلاستيك، ثم دمجها مع البروتين الناتج من الخميرة لإنتاج بسكويت µBites محسنا من الناحية الغذائية باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.

‏ويرى الباحثون أن نتائج المشروع يمكن أن تساهم في تطوير جيل جديد من المكونات الغذائية المنتجة بواسطة الكائنات الدقيقة من الكربون العضوي الموجود في النفايات، بما يدعم مفهوم الاقتصاد الدائري للبلاستيك.