«من فارس، إرث يتوهج وينبوع عطاء لا ينضب مهد العلم والفكر، إلى إيران المعاصرة في مواجهة منظومة الهيمنة؛ قراءة في حضارة راكمت المعرفة، وقوة راكمت النفوذ. 1953...حين دخل النفط إلى قلب الصراع.»
حين تكون إيران محور القراءة، فإننا لا نقف أمام دولة وقفت بالأمس، بل أمام مدنية تتألق تمتد آلاف السنين، فارس الأخمينية والساسانية، ثم إيران التي تفاعلت مع الحضارة الإسلامية، وصولا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي الجهة الأخرى تقف الولايات المتحدة الأمريكية، قوة حديثة العهد نسبيا، صعدت بسرعة استثنائية علميا وصناعيا، لكن توسعها حمل معه صفحات موثقة من الاقتلاع والإبادة والحروب وتأجيج الصراعات.
«إيران..حين تتحول الحضارة الراسخة إلى إرث حي»
عرفت فارس القديمة تقاليد متقدمة في الإدارة وشبكات الطرق والاتصال، كما طورت تقنيات للري، بالقنوات المائية، وراكمت منجزات في العمارة والتخطيط والفنون، ثم جاءت صفحات القرن العشرين: استخدام أمريكا السلاح النووي ضد هيروشيما وناغازاكي، حرب فيتنام والتدخلات والانقلابات التي وقفت خلفها واشنطن في دول مختلفة، وصولا إلى غزو أفغانستان، ومعتقل غوانتونامو وما ارتبط به من انتهاكات، وقصف ليبيا. وفي كل ملف بقيت الكلفة البشرية والسياسية موضع توثيق ونقاش واسع.
«إيران..حيث أصبحت السيادة والنفط هدفا للصراع
وفي قلب ذاكرتها تقف أزمة 1953 شاهدة على الصدام حول السيادة والثروة الوطنية؛ حيث أطيح بحكومة محمد مصدق عام 1953 في عملية ارتبطت بأجهزة أمريكية وبريطانية، وفق وثائق رسمية أفرج عنها لاحقا، وفي سياق المواجهة على تأميم النفط والنفوذ السياسي. ولم تكن تلك الحادثة عابرة في الوعي الإيراني؛ فقد أصبحت رمزا للتدخل الخارجي، وعاملا مهما في تشكيل الذاكرة السياسية التي سبقت ثورة 1979، ثم أسهمت في ترسيخ شعار الاستقلال ورفض التبعية في سياسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن ذلك الحين تداخلت في المواجهة قضية النفط والغاز، ومضيق هرمز، والموقع الجغرافي، والتحالفات الإقليمية، والعقوبات، وموازين القوى. ومع ذلك طورت طهران قدراتها في التعليم والطب والهندسة والفيزياء والكيمياء وعلوم الفضاء والتقنيات المتقدمة، وواصلت تطوير هذه القدرات في قطاعات علمية وتقنية هائلة رغم العقوبات والضغوط الاقتصادية.
«الخليج...حماية أم ابتزاز؟»
وفي العديد من دول الخليج، بنت واشنطن منظومة أمنية واسعة بالإتفاق مع بعض حكومات تلك الدول. ارتبط بوجود عسكري وقواعد ومراكز تجسس استخباراتي واتفاقيات دفاع وصفقات تسليح ضخمة. ويذهب الكثير من منتقدو هذه المنظومة أن تطوير ما يسمى بالتهديدات الإقليمية وتضخيمها، أسهما في بعض السياقات، في توسيع سوق السلاح وتعميق الاعتماد الأمني على واشنطن، بينما تدعي الحكومات المعنية هذا الوجود باعتبارات الردع والحماية الإقليمية هذا الهاجس الذي ساهمت في تضخيمه ماكينات الإعلام المرتبطة بواشنطن ووكلائها الذي استخدم كورقة رابحة لربط هذه الدول بمظلة حكومة ترامب المتغطرسة؛ وبحسب رواية واشنطن وحلفائها، أن هذا الوجود يهدف إلى الردع. وهنا تكمن إحدى مفارقات السياسة الدولية حين يتحول الخوف إلى سوق، تصبح الحماية نفسها صناعة لها عقودها وأسلحتها وكلفتها السياسية والمالية. هدف خططت له إدارة البيت الأبيض من خلال صنع عدو مفبرك لابتزاز ثروات تلك الدول.
في ميزان تقف طهران بامتدادها الفارسي والإسلامي، وبعلمائها ولغتها وفنونها وتقنياتها، وبعدم قبولها للنفوذ الاستعماري وتأكيدها المتكرر على قضايا التحرر ورفع المظلومية. وفي المقابل تقف واشنطن بقوة علمية وصناعية هائلة، لكن إلى جانبها سجل موثق من الإبادة والاقتلاع وتأجيج الصراعات الطائفية والتدخلات وفرض العقوبات. وتكشف دراسة نشوء ما يسمى بالعم سام أيضا عن تاريخ طويل من تهجير السكان الأصليين، والعنف ضد جماعات منهم، وسياسات أضعفت مجتمعاتهم وثقافاتهم، إلى جانب العبودية والتمدد الإقليمي والعسكري.
إنها ليست حكاية دولتين فحسب، بل صدام بين ذاكرة حضارية تراكمت عبر آلاف السنين، ومنظومة قوة حديثة بنت نفوذها على امتداد العالم. وبين رحاب هذه الحضارة التي تركت للإنسان علماء ومفكرين ارتبطوا بالمجال الحضاري الفارسي والإسلامي، من سيبويه والرازي وابن سينا إلى الطوسي والخيام، مع حضور الخوارزمي في التراث العلمي الإسلامي الأوسع. وأمريكا التي خلفت إرثا من البارود والدم، تبقى صفحات التاريخ مفتوحة؛ فالحضارة تعرف بما تبنيه للإنسان، والقوة بما تفعله بهذا الإنسان. وهكذا تبقى طهران في مرآة التاريخ، وواشنطن في ميزان الدماء؛ الجمهورية الإسلامية الإيرانية بما راكمته من معرفة وقدرات والولايات المتحدة بما تركته من قوة ونفوذ.
كاتب دمشقي حر في الغربة.