كتب: حسن علي طه
لزوم ما لا يلزم، كانت جلسات مناقشة الحكومة.
فمنذ تولّي نواف سلام رئاسة الحكومة، باتت الأسئلة حول ظروف تشكيلها وخياراتها السياسية حاضرة في صلب الانقسام اللبناني، بدءًا من رئيسها، القاضي الذي لم يقضِ يومًا، وصولًا إلى تركيبتها وأولوياتها.
حكومة بدا، في نظر خصومها، أن جلّ همّها سلاح المقاومة، حتى كأن بيانها الوزاري كُتب بالعبرية لا بالعربية، وكأن أزمات اللبنانيين الاقتصادية والاجتماعية وإعادة الإعمار ومصير الجنوب لم تعد سوى عناوين ثانوية أمام العنوان الأكبر: السلاح.
ومع ذلك، فإن جلسات المناقشة حملت صورًا ومشاهد سياسية لا بدّ من التوقف عندها.
فالفريق المؤيد للسياسات الإسرائيلية، أو المتقاطع معها في بعض الملفات، أصبح أكثر وضوحًا ووقاحة في التعبير عن موقفه من المقاومة وسلاحها، ووصل الخطاب لدى بعض المتحدثين إلى حدّ التعامل مع المقاومة بشماتة من منطلق أنها هُزمت، وأن المطلوب اليوم استثمار نتائج الحرب سياسيًا.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: أين ينتهي الاختلاف السياسي، وأين تبدأ حدود الموقف من عدوّ لا يزال يحتل أرضًا لبنانية ويشن اعتداءاته على لبنان؟
في المقابل، بدا الفريق الذي يرفع راية العداء لإسرائيل أضعف من اللحظة التي يُفترض أنه يمثّلها. مداخلات ونقاشات ومشادّات لم ترتقِ، في كثير من الأحيان، إلى مستوى الدم والدمار والقرى المهدّمة والناس الذين ينتظرون إجابات واضحة، لا مجرد رفع أصوات تحت قبة البرلمان.
في حين أتت كلمتا الدكتور إلياس جرادة وحليمة قعقور معبّرتين، كلٌّ من موقعه السياسي، عن جانب من وجدان الناس وهواجسهم، هذا إذا ما أضفنا أيضًا النائب إيهاب حمادة، الذي يُسجّل له انسجام خطابه مع موقعه وانتمائه السياسي منذ بداية الحرب حتى اليوم.
أما الكلام عن أن «المقاومة باقية، باقية، باقية»، فلا يكفي وحده ليكون سياسة.
فالشعارات، مهما علت، لا تعوّض غياب الفعل السياسي، ولا تُرمّم بيتًا، ولا تعيد مهجّرًا، ولا تحمي قرية، ولا تصنع استراتيجية مواجهة. وإلا أصبح الشعار شبيهًا بشعار منظمة التحرير: «ثورة حتى النصر»، أو تحوّل النقاش السياسي إلى ما يشبه سجال الأطفال: «بيّي أقوى من بيّك».
وما بين الصراخ والمشادّات الكلامية والفوضى التي طبعت جانبًا من الجلسات، أتت ساعة الحقيقة عند التصويت.
هناك سقطت البلاغة، وسقطت الشعارات، وبقيت الأسماء والأصوات.
جُدّدت الثقة بالحكومة بـ68 صوتًا مقابل 12 صوتًا بحجبها وامتناع نائبين، فيما غادر نواب كتلة الوفاء للمقاومة القاعة قبل التصويت، في حين منحت كتلة التنمية والتحرير الحكومة الثقة.
وهنا يصبح السؤال سياسيًا قبل أن يكون حسابيًا:
ما قيمة الاعتراض على حكومة إذا انتهى الأمر بمنحها الثقة؟ وما معنى أن ترفع سقف خطابك ضد سياساتها ثم تتركها تعبر امتحان البرلمان؟ وهل تكفي مغادرة القاعة لتشكّل موقفًا سياسيًا واضحًا، أم أنها تترك الباب مفتوحًا أمام أكثر من تفسير؟
ربما كانت كلمة واحدة باسم المقاومة، واضحة وحاسمة ومدروسة، كافية لرسم الصورة بأوضح ما فيها، ولتضع النقاط على حروف الخيارات التي أظهرتها هذه الجلسات.
لكن الأخطر من تفاصيل التصويت والسجالات هو ما كشفته الجلسات من عمق الانقسام اللبناني.
وهنا لا بد من التوقف عند جانب من الخطاب السياسي الصادر عن قوى وقيادات مسيحية ومارونية تحديدًا، والذي أصبح يتماهى مع المشروع الإسرائيلي.
ومن هنا، يمكن توجيه السؤال مباشرة إلى القيادات المارونية، من المؤسسة الدينية برأسها البطريرك الراعي إلى مؤسسة الرئاسة بشخص جوزاف عون والمرجعيات السياسية والحزبية إلى النواب والمؤسسات الإعلامية المؤيدة لهذا المسار:
إذا اخترتم أن تكونوا في رأس المواجهة السياسية مع مكون أساسي، وهو الشيعة، وأن تجعلوا من هذا الملف أولوية تتقدم على الاحتلال والاعتداءات وإعادة الإعمار وعودة أهل الجنوب إلى قراهم، فعليكم أيضًا أن تتحملوا المسؤولية السياسية والتاريخية عن نتائج خياراتكم التي ستوصل في نهاية المطاف لهجرة المسيحيين بعدما جعلت سياسات قادتهم الغبية منهم أقلية مهددة بالانقراض.
عندها لن يعود السؤال:
من ربح السجال تحت قبة البرلمان؟
برلمانٌ امتلأ بالكلام، وارتفعت فيه الأصوات، وتبادلت فيه القوى الاتهامات...
لكن عندما جاءت لحظة الموقف، تكفّلت الأسماء والأصوات والمغادرون للقاعة بقول ما عجزت عنه كل الخطب.