كتب: حسن علي طه
الإعلام الموجَّه هو ذلك الميكروفون الذي ينادي به البائع على بضائعه.
ولكن ماذا لو بيعت البضائع وبقي الميكروفون شغّالًا؟
هذا ما تُبتلى به دول وأنظمة وأحزاب، حين تعجز عن إدراك أن لكل مرحلة أدواتها، وأن الوسيلة التي صنعت النجاح بالأمس قد تصبح سببًا في الفشل غدًا.
غالبًا ما تترافق نشأة الإعلام الموجَّه مع قيام الأنظمة الحديثة أو اندلاع الثورات، وتكون مهمته التسويق والترويج لفكرة الثورة، ومواكبة ما يحيط بها من مدّ وجزر، إلى حين تحقيق أهدافها.
وحين يتحقق الانتصار، يشعر الجسم الإعلامي بنشوة الإنجاز وعظمة الدور الذي أدّاه، وتكون وسائل إعلام الثورة في ذروة حضورها وتأثيرها في أوساط الجماهير، متربعة على عرش القمة، لكنها، من حيث لا تدري، تكون قد دخلت أخطر مراحل وجودها.
فالتحدي الحقيقي للإعلام لا يبدأ حين تكون المعركة مفتوحة والأهداف واضحة، بل حين تتبدل الظروف، وتصبح الأسئلة أكبر من الشعارات، وحاجات الناس أوسع من خطاب التعبئة.
نحن الجيل الذي تربّى على قضية فلسطين، فكانت حاضرة في كل مفاصل حياتنا.
ذات مرة، سألني صديق: ماذا سنفعل لو تحررت فلسطين؟ ثم أكمل قائلًا: سوف يجتاحنا الفراغ، نحن الذين كنّا دومًا نردّد ونجدد ونعمل، وفلسطين حاضرة فينا.
هذا بالضبط ما قد يُبتلى به إعلام الثورات والمقاومات، ما لم تكن له أهداف ورسالة يواكب بهما الجماهير، وإلا تحوّل من إعلام يصنع الوعي إلى إعلام يستهلك رصيده، وربما ينقلب على أصحابه.
في زمن الثورة، تكون مركزية القرار بيد القيادة ضرورة من ضرورات تصويب الأهداف التي لا تحتمل أنصاف إصابات، فالمعركة تفرض تنسيق الخطاب وتوحيد الجهود خلف الهدف.
أما بعد الانتصار، أو الانتقال إلى مرحلة مختلفة، فيصبح الانفتاح ضرورة، لأن ما يصلح لإدارة المعركة لا يصلح بالضرورة لإدارة المجتمع، وما كان مطلوبًا من الإعلامي في زمن المواجهة لا يجوز أن يتحول إلى قيد دائم على فكره وإبداعه.
وهنا تكمن المفارقة القاتلة: أن القيادة التي صنعت إعلامًا قويًا لمواجهة خصومها قد تتحول، من حيث لا تدري، إلى أول من يضعفه، حين تصرّ على إبقائه أسير التعليمات نفسها التي حكمته في زمن الثورة.
عندها يُصاب الإعلام بالرتابة، والإعلاميون بالكسل حدّ اللامبالاة، ويتحوّل الإعلامي من صاحب رسالة إلى مجرد موظف دوام ينتظر التعليمات، وفي ذلك مقتل له ولرسالته.
تخيّل جيشًا من الإعلاميين ينتظرون التعليمات في زمن التحولات السريعة، وبعدها لك أن تتخيّل جيشًا مهزومًا مأزومًا خاصم الإبداع، بعدما كان يومًا في طليعة المواجهة.
ترتكب القيادة السياسية جريمة نحر إعلامها، ظنًّا منها أن إحكام السيطرة عليه يمنحها مزيدًا من القوة، فيما تكون النتيجة عكسية.
إذ يكفي أن تتبنّى القيادة جزءًا من إعلامها ينطق باسمها ويعبّر عن مواقفها الرسمية، وتترك للمساحة الإعلامية الأوسع حرية التفكير والنقاش وصياغة الأفكار، لأن الجماهير التي صنعت الانتصار ليست مجرد جمهور يتلقى التعليمات، بل شريك في صناعة الوعي والقرار.
لكن حين تُغلق المنابر خوفًا من رأي مخالف، وتُستبدل أصوات الجماهير بضيوف داخل الاستديوهات ليسوا سوى كومبارس معروفي التوجه والاتجاه، يتحول الإعلام من مساحة للتعبير عن الناس إلى وسيلة لإقناع القيادة بصواب قراراتها.
وهنا لا يعود الخطر في أن يفقد الإعلام جمهوره فحسب، بل في أن تفقد القيادة، بسببه، قدرتها على سماع جمهورها.
فليس كل إعلامي ينتقد قيادته قد خرج على قضيته، فقد يكون أكثر حرصًا عليها ممن لا يجيدون سوى التصفيق لها.
وفي اللحظة الفاصلة ما بين الثورة أو المقاومة وما بعد تحقيق أهدافها، يكون القرار الأخطر: إما تحرير الإعلام من عقلية التعبئة الدائمة ليبقى حيًا ومؤثرًا، وإما الإصرار على إخضاعه حتى يتحول إلى عبء على أصحابه.
فالإعلام الذي أسهم في صناعة الانتصار قد يصبح شريكًا في صناعة الهزيمة، لا لأنه تخلى عن قضيته، بل لأن أصحابه منعوه من مواكبة تحوّلاتها.
وحينها لا تكون القيادة قد أسكتت صوتًا معارضًا، بل تكون قد أعدمت صوتها بيديها.