‏طفرات جينية تتنافس داخل الخصيتين مرتبطة بالأمراض تزداد مع العمر
دراسات و أبحاث
‏طفرات جينية تتنافس داخل الخصيتين مرتبطة بالأمراض تزداد مع العمر
26 أيلول 2026 , 12:24 م

كشفت دراسة واسعة لتحليل الطفرات الجينية في  الحيوانات المنوية أن منافسة خفية بين الخلايا الجذعية المنتجة للحيوانات المنوية تبدأ داخل الخصيتين قبل تكوّن الحيوانات المنوية نفسها.

‏وأظهرت النتائج أن بعض الطفرات تمنح الخلايا التي تحملها قدرة أكبر على التكاثر، ما يسمح لها بالتفوق على الخلايا غير الطافرة والانتشار داخل الأنسجة المنتجة للحيوانات المنوية.

‏لكن ما يمنح الخلية ميزة في هذه المنافسة داخل الخصية ليس بالضرورة مفيدا للطفل الذي قد يرث الطفرة في المستقبل.

‏منافسة تبدأ قبل تكوّن الحيوان المنوي

الطفرات في الخلايا المنتجة للحيوانات المنوية ‏( مصدر الصور:  Getty Images )

‏تبدأ المنافسة من الخلايا الجذعية التي تنتج الحيوانات المنوية.

‏وتوجد هذه الخلايا، المعروفة باسم الخلايا الجذعية المنوية، على امتداد الأنابيب المنوية داخل الخصيتين، وتنقسم باستمرار للحفاظ على مخزونها وإنتاج خلايا تتحول لاحقا إلى حيوانات منوية.

‏ويمكن لحدوث طفرة في الحمض النووي أثناء انقسام إحدى هذه الخلايا أن يمنحها ميزة معينة.

‏وفي بعض الحالات، تستطيع الخلية التي تحمل الطفرة التكاثر بمعدل أكبر من الخلايا المحيطة بها، فتنتشر سلالتها داخل الأنبوب المنوي وتنتج مزيدا من الحيوانات المنوية التي تحمل الطفرة نفسها.

‏وكان العلماء يعرفون بالفعل إمكانية حدوث هذه الظاهرة، إذ حددت دراسات سابقة طفرات في 13 جينا يبدو أنها تمنح الخلايا الجذعية المنتجة للحيوانات المنوية هذه الميزة التنافسية.

‏وترتبط جميع هذه الجينات باضطرابات نمو شديدة.

‏دراسة آلاف الطفرات

‏سعى فريق من الباحثين بقيادة عالم الأحياء الحاسوبية ماثيو نيفيل من معهد ويلكوم سانغر في المملكة المتحدة إلى معرفة مدى انتشار هذه الظاهرة.

‏واستخدم الباحثون تقنية شديدة الدقة لتسلسل الحمض النووي تعرف باسم NanoSeq، وحللوا عينات من الحيوانات المنوية لدى رجال تراوحت أعمارهم بين 24 و75 عاما.

‏وكان هدفهم البحث عن علامات تشير إلى أن بعض الطفرات تخضع لعملية انتقاء إيجابي داخل السلالة الجرثومية الذكرية، أي أن هذه الطفرات تظهر بمعدلات أعلى مما يمكن تفسيره بالصدفة وحدها، ما يشير إلى أنها تمنح الخلايا التي تحملها ميزة تنافسية.

‏40 جينا تحت الانتقاء الإيجابي

‏كشف التحليل عن أكثر من 35 ألف طفرة في الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات ضمن السلالة الجرثومية.

‏ومن بينها، حدد الباحثون 40 جينا أظهرت علامات واضحة على تعرضها للانتقاء الإيجابي.

‏وكان 31 من هذه الجينات لم يرتبط سابقا بهذه المنافسة التطورية داخل الخصيتين، بينما كانت الجينات التسعة الأخرى من بين الجينات الـ13 التي اكتشفتها الدراسات السابقة.

‏وتثير نتائج العديد من هذه الجينات مخاوف تتعلق بصحة الأبناء الذين قد يرثون الطفرات.

‏فمن بين الجينات الـ31 المكتشفة حديثا، يرتبط 27 جينا باضطرابات وراثية، في حين يرتبط 16 جينا أيضا بالسرطان.

‏الطفرات المرتبطة بالاضطرابات أكثر شيوعا

‏لم تكن النتائج مجرد اختلافات جينية نظرية.

‏فقد وجد الباحثون أن الطفرات التي سبق رصدها بشكل متكرر لدى الأطفال المصابين باضطرابات النمو كانت أكثر شيوعا في عينات الحيوانات المنوية بنحو 66 مرة مقارنة بما كان متوقعا بناء على معدل حدوث الطفرات الطبيعي.

‏ويشير ذلك إلى أن عملية الانتقاء داخل الخصيتين قد تساعد بعض الطفرات المرتبطة بالأمراض على الانتشار بين الخلايا المنتجة للحيوانات المنوية.

‏الطفرات تزداد مع تقدم العمر

‏كان للعمر دور مهم أيضا في النتائج.

‏فعبر جينومات الحيوانات المنوية التي حللها الباحثون، تراكمت الطفرات بمعدل ثابت بلغ نحو 1.67 طفرة سنويا.

‏ومع تراكم الطفرات، إلى جانب الانتقاء الإيجابي للطفرات التي تمنح الخلايا ميزة تنافسية، ارتفع العبء الطفري بشكل أكبر مع تقدم الرجال في العمر.

‏وقد قدر الباحثون أن نحو 2% من الحيوانات المنوية لدى الرجل في سن 30 عاما تحمل طفرة يحتمل أن تكون مسببة للمرض.

‏وارتفعت هذه النسبة إلى نحو 4.5% لدى الرجال في سن 70 عاما.

‏ولو لم يحدث الانتقاء الإيجابي، توقع النموذج المستخدم في الدراسة معدلات أقل بكثير، تبلغ نحو 0.73% في سن 30 عاما ونحو 1.6% في سن 70 عاما.

‏الانتقاء الطبيعي يزيد انتشار بعض الطفرات

‏تشير هذه النتائج إلى أن المنافسة التطورية داخل الخصيتين قد تزيد انتشار الطفرات التي يحتمل أن تسبب أمراضا بنحو ضعفين إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بما كان سيحدث نتيجة تراكم الطفرات وحده.

‏لكن الباحثين يشددون على نقطة مهمة: هذه النسبة لا تعني أن احتمال إنجاب طفل مصاب باضطراب وراثي يبلغ 4.5%.

‏فالطفرة الموجودة في الحيوان المنوي لا تزال أمامها مراحل عديدة قبل أن تصل إلى طفل حي.

‏فقد تكون بعض الحيوانات المنوية التي تحمل الطفرة أقل قدرة على تخصيب البويضة، كما أن بعض الطفرات قد تؤدي إلى تكوين جنين لا يستمر في النمو، أو إلى فقدان الحمل.

‏العلاقة مع الأمراض عند الولادة لا تزال غير واضحة

‏يحذر الباحثون من أن العلاقة بين وجود الطفرات في الحيوانات المنوية وانتشار الاضطرابات الوراثية عند الولادة لا تزال غير مؤكدة.

‏وبالتالي، لا يمكن استخدام النسب التي توصلت إليها الدراسة لتقدير احتمال إصابة طفل معين باضطراب وراثي.

‏كما أن وجود طفرة محتملة التسبب في المرض في بعض الحيوانات المنوية لا يعني بالضرورة أنها ستنتقل إلى البويضة أو تؤدي إلى مرض لدى الطفل.

‏الجسم قد يتخلص من بعض الطفرات لاحقا

‏وجد الباحثون جانبا آخر مثيرا للاهتمام عند دراسة التنوع الجيني لدى السكان البشريين على نطاق أوسع.

‏فقد ظهرت أدلة على أن العديد من الطفرات التي تحصل على أفضلية أثناء إنتاج الحيوانات المنوية تتعرض لاحقا لانتقاء معاكس عبر الأجيال.

‏وهذا يعني أن الطفرات قد تحصل على ميزة أثناء عملية إنتاج الحيوانات المنوية داخل الخصيتين، لكنها قد تصبح أقل شيوعا في السكان عبر الأجيال التالية.

‏ويشير ذلك إلى وجود أكثر من مرحلة يمكن أن تؤثر في انتقال الطفرات من الخلية المنتجة للحيوان المنوي إلى الجيل التالي.

‏ونشرت الدراسة في مجلة Nature في أكتوبر 2025.

المصدر: sciencealert