السيد حسن... الاسم الذي حُفر على صخرة المحتل بالإبرة
مقالات
السيد حسن... الاسم الذي حُفر على صخرة المحتل بالإبرة
حسن علي طه
27 أيلول 2026 , 15:23 م

كتب: حسن علي طه

طويلًا سيبقى اسم حسن نصر الله حاضرًا عند قراءة مرحلة كاملة من تاريخ لبنان والمنطقة؛ مع كل نصر وانتكاسة، ومع كل حرب وتسوية، ومع كل حديث عن المقاومة ومستقبلها.

لم يكن السيد نصر الله، بالنسبة إلى مؤيديه، مجرد أمين عام لحزب سياسي وعسكري، بل تحوّل على امتداد عقود إلى أحد أبرز وجوه الصراع مع إسرائيل وإلى شخصية تجاوز تأثيرها حدود لبنان.

في أول مرة سمعتُ الهمس باسمه، في منتصف الثمانينيات في إحدى ليالي القدر، انتظرت أن أرى رجلًا يشبه عمر المختار أو ربما الإمام الخميني. وعندما اعتلى المنبر، فوجئت بشاب أسمر نحيف، بلحية لم تكن قد اكتملت بعد.

لكن المفاجأة لم تطل.

فقد امتلك ذلك الشاب قدرة استثنائية على مخاطبة جمهوره، وبدأ منذ تلك السنوات يبني علاقة معه ستتجاوز لاحقًا حدود التنظيم والحزب لتصبح ظاهرة سياسية وشعبية قائمة بذاتها.

ومن «تصفية الحساب» إلى «عناقيد الغضب» وتفاهم نيسان، وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة عام ٢٠٠٠، كان اسم نصر الله يكبر بالتوازي مع صعود حزب الله وتحوله من تنظيم مقاوم إلى أحد أبرز اللاعبين في المعادلة اللبنانية والإقليمية.

بعد العام ٢٠٠٠، دخل الحزب مرحلة مختلفة.

لم تعد المسألة بالنسبة إليه مقاومة احتلال في الجنوب فحسب، بل أصبحت القوة التي راكمها جزءًا من التوازنات الداخلية اللبنانية ومن شبكة تحالفات إقليمية امتدت من إيران التي كان السيد مؤثرًا فيها أكثر مما هو متأثر بها.

ارتبط بشكل مباشر بقائد الثورة السيد خامنئي، فكان موضع ثقته المطلقة، ومن هذه الثقة عبّر السيد حسن في إحدى خطبه: «نحن سادة عند الولي الفقيه». ومنها أيضًا، يوم وعد السيد حسن تحت النار في حرب ٢٠٠٦ بإعادة الضاحية أجمل مما كانت، لأنه كان يعلم علم اليقين أن إيران لن تتردد في تلبية طلبه، خاصة السيد علي والحاج قاسم سليماني، اللذين كانا نقطة ضعف لبعضهما.

وإلى العراق والعديد من الحكومات التي ارتبط تشكيلها بحارة حريك، وسوريا التي اتُّهم السيد بأنه حمى نظامها، لتثبت الأيام أن المقصود في سوريا كان رأس المقاومة لا رأس النظام، واليمن التي كان السيد ترجمان العلاقة معها ومع الجمهورية في إيران، وفلسطين التي كانت قبلة جهاده وأهم أهدافه.

وهنا تحديدًا يمكن فهم نصر الله سياسيًا.

فالرجل لم يكن مجرد خطيب يمتلك كاريزما عالية، بل كان يدير تنظيمًا عسكريًا وسياسيًا، ويتعامل في الوقت نفسه مع تعقيدات الطوائف اللبنانية، وتحالفات الداخل، والعلاقة مع سوريا وإيران، والصراع مع إسرائيل، والقضية الفلسطينية.

وبعد الانسحاب السوري من لبنان عام ٢٠٠٥، ملأ السيد نصر الله الفراغ الناتج عن ذلك الانسحاب، وازدادت أهمية حزب الله في المعادلة الداخلية. وأصبح موقفه حاضرًا في الاستحقاقات الكبرى، من الحكومات إلى الرئاسة والتحالفات والتسويات.

وهذه القوة نفسها كانت موضع انقسام لبناني حاد.

فما اعتبره جمهور المقاومة ضمانة في مواجهة إسرائيل، اعتبره خصوم حزب الله اختلالًا في ميزان الدولة وقرارها. وبين هاتين النظرتين عاش لبنان سنوات طويلة من الصراع السياسي الذي كان نصر الله أحد أبرز أقطابه.

لكن فلسطين بقيت في خطاب السيد ثابتة لا تتغير.

كانت بالنسبة إليه بوصلة الصراع، ومنها كان يقرأ موقع لبنان والمنطقة والتحالفات والحروب.

ومع «طوفان الأقصى» دخل السيد نصر الله وحزبه أخطر مراحل تلك المسيرة.

اتخذ قرار إسناد غزة، وبدأت المواجهة من الجنوب قبل أن تتوسع تدريجيًا، لتدخل المقاومة في مواجهة كشفت لاحقًا عن حجم مختلف من الحرب.

لم تكن حرب نار فقط.

كانت أيضًا حرب معلومات واستخبارات واختراق، والأهم حرب خداع.

وتوالت الضربات والاغتيالات وصولًا إلى مستويات قيادية متقدمة داخل حزب الله، ثم جاءت عملية أجهزة النداء واللاسلكي لتكشف حجم التحدي الأمني الذي كان يواجهه التنظيم.

وفي السابع والعشرين من أيلول ٢٠٢٤، وصل المسار إلى لحظته الأكثر قسوة بالنسبة إلى حزب الله وجمهوره: استشهاد السيد حسن نصر الله.

هنا لم يكن السؤال سياسيًا فقط: من سيخلف نصر الله؟

كان السؤال الأكبر:

هل يستطيع حزب الله الاستمرار من دون الرجل الذي اختلط اسمه باسم الحزب طوال أكثر من ثلاثة عقود؟

فالأحزاب تستطيع استبدال قادتها، لكن استبدال الرموز أصعب بكثير.

ونصر الله لم يكن، بالنسبة إلى جمهوره، مسؤولًا تنظيميًا يمكن ملء موقعه بقرار حزبي. لقد كان الصوت والصورة والخطاب والذاكرة، وكان جزءًا من قدرة الحزب على تحويل القرار السياسي والعسكري إلى حالة شعبية.

ولهذا فإن غيابه لم يكن مجرد خسارة قائد.

كان نهاية عصر.

عصر كان يشبه سبابة يده.

سبابة ارتفعت على المنابر تهدد مرة، وتعد مرة، وتشير إلى فلسطين دائمًا.

ومن هنا تبدأ مسؤولية الشيخ نعيم قاسم.

فالشيخ نعيم لم يرث حزب الله في ذروة قوته، بل تسلّم المسؤولية في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها التنظيم، بعد خسارة أمينين عامين وعدد من قادته وتعرض بنيته العسكرية والأمنية لضربات كبيرة.

ولذلك فإن المقارنة بين الرجلين قد لا تكون هي السؤال الصحيح.

السؤال السياسي الأهم هو: هل يستطيع حزب الله الانتقال من مرحلة السيد نصر الله إلى مرحلة ما بعد نصر الله، والحفاظ على تماسكه ودوره وقدرته على التكيف مع واقع لبناني وإقليمي تغيّر كثيرًا؟

هنا تكمن مهمة الشيخ نعيم قاسم.

ليست مهمته أن يكون نسخة عن حسن نصر الله، فهذا مستحيل سياسيًا وإنسانيًا.

مهمته أن يدير إرثه.

أن يحافظ على تنظيم تعرض لضربات قاسية، وأن يعيد ترتيب البيت الداخلي، وأن يقرأ التحولات المحيطة به، وأن يحدد موقع المقاومة في مرحلة لم تعد فيها قواعد اللعبة كما كانت.

نعم، استطاع الشيخ نعيم قاسم أن يرمّم ما أصاب الحزب من تصدّع، وأن يعيد ترتيب صفوفه في واحدة من أصعب المراحل التي مرّ بها. ويُسجَّل له أنه اتخذ قرارًا بالغ الخطورة حين قبل تولّي المسؤولية، بعدما رأى بأمّ عينيه أطنان المتفجرات التي استهدفت السيدين اللذين سبقاه، وأدرك أن الموقع الذي يتسلّمه قد يكون أقرب إلى مشروع شهادة منه إلى موقع قيادة.

وبالرغم من طبيعة التشكيلات العسكرية للمقاومة وما يحيط بها من سرية، فإن ما ظهر إلى العلن من التغييرات التي أُجريت في المرحلة الجديدة يعطي مؤشرات إلى المنهج الذي اعتمده الأمين العام في إعادة بناء الهيكل القيادي وترتيب الأولويات.

ولعل بعض الأسماء التي ظهرت إلى العلن بعد استشهاد أصحابها تعكس جانبًا من هذا التحول؛ من السيد الطبطبائي، المنتمي إلى الجيل الثاني في الحزب، إلى الحاج مالك بلوط، الذي وصفه إعلام العدو بأنه أحد قادة قوة الرضوان، رغم أنه لم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره إلا بقليل.

واضحة هي لمسات الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، رغم قسوة الظروف التي تسلّم فيها المسؤولية وثقل الإرث الذي وقع على عاتقه.

لكن غياب السيد حسن نصر الله ترك آثاره وفراغه، ولا سيما على المستويين الإعلامي والسياسي؛ فبعض الفراغات التنظيمية يمكن ملؤها، أما الفراغ الذي يتركه الرمز فلا يُملأ بالسهولة نفسها.

غاب السيد حسن نصر الله، لكن السؤال الذي تركه أكبر من الغياب نفسه:

ماذا سيحدث للمشروع الذي أمضى الرجل عمره في بنائه؟

الأشخاص يرحلون، أما المشاريع السياسية والعسكرية فتُختبر فعليًا بعد رحيل مؤسسيها وقادتها.

وهنا ستكون السنوات المقبلة هي التي تكتب الإجابة.

أما السيد حسن نصر الله، فسواء قرأه المرء من موقع المؤيد أو الخصم، فإن اسمه سيبقى جزءًا من تاريخ مرحلة كاملة من لبنان والمنطقة.

بعض الرجال يكتبون أسماءهم على الورق، فتأكلها الأيام.

وبعضهم يحفرون أسماءهم في ذاكرة التاريخ.

أما حسن نصر الله، فقد حفر اسمه على صخرة المحتل...

بالإبرة.