حين تُقصف طهران … تشتعل الجبهات من باب المندب إلى شمال فلسطين
مقالات
حين تُقصف طهران … تشتعل الجبهات من باب المندب إلى شمال فلسطين
وائل المولى
28 كانون الثاني 2026 , 05:14 ص

‏ما إن تُطرح فرضية الهجوم الأميركي على إيران، حتى يتضح أن المشهد لن يكون ضربة معزولة ولا حرباً تقليدية قصيرة، بل انزلاقاً محسوباً نحو مواجهة إقليمية مفتوحة تُدار بالنار لا بالجيوش الجرّارة. فطهران، التي أمضت السنة الماضية  وهي تعيد هندسة مفهوم الردع، لا تنظر إلى نفسها كدولة تُستهدف وحدها، بل كمركز ثقل لمحور كامل أُعدّ ليعمل عند لحظة الخطر ورغم تأثر المحور بنتائج طوفان الأقصى إلا أن المحور لايزال يملك أوراق قوة ويتطلع إلى جولة أخرى قائمة على الثأر لما مضى  .

‏في هذا السياق، لا يكون الرد الإيراني مباشراً فقط، بل مركباً ومتعدد الجبهات، حيث تتحول أطراف المحور إلى أدوات ضغط متزامنة، لكل منها دوره وحدوده وسقفه. أنصار الله في اليمن، مثلاً، يمثلون الجبهة الأكثر تحرراً من القيود السياسية والجغرافية. فاليمن، البعيد عن الحسابات الدولية التقليدية، بات يمتلك قدرة صاروخية متقدمة، بينها منظومات فرط صوتية، إضافة إلى جاهزية برية وبحرية تسمح له بالتحرك خارج منطق الدفاع المحلي. أي ضربة أميركية لإيران ستُترجم سريعاً في البحر الأحمر وباب المندب، ليس فقط عبر صواريخ تتجه نحو العمق الإسرائيلي أو القواعد الأميركية، بل عبر تهديد مباشر لشرايين التجارة والطاقة العالمية، ما يعني نقل المعركة من بعدها العسكري إلى بعدها الاقتصادي الدولي.

‏أما حزب الله في لبنان، فيبقى الجبهة الأخطر والأكثر حساسية، ليس بسبب ترسانته فقط، بل بسبب طبيعة قراره المتعلق بوقف الإستنزاف الإسرائيلي اليومي له ورغبته في وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتوجيه ضربة انتقامية رداَ على اغتيال أمينه العام السيد حسن نصر الله .

‏ الحزب لن يعمل بمنطق رد الفعل الانفعالي، بل بمنطق إدارة الزمن. هو يدرك أن الدخول المباشر والشامل منذ اللحظة الأولى قد يخدم الخصم أكثر مما يخدم محور المقاومة. لذلك، فإن أي رد سيكون مدروساً، متدرجاً، وموزوناً، مع إبقاء صواريخ وقدرات نوعية خارج الاشتباك الأول، المخصصة لما يمكن تسميته «وقت الضيق الإيراني»، أي اللحظة التي يُشعر فيها بأن الدولة  الإيرانية بات مهددة في وجودها لا في نفوذها فقط.

‏اللافت أن الحزب، خلال الفترة الماضية، لم يقف عند حدود ما راكمه سابقاً، بل استفاد من التحولات الكبرى التي شهدتها الساحة السورية، بما فيها حصوله على بعض  منظومات الدولة السابقة ، ليعزز قدراته اللوجستية ويحصل على معدات ونظم دعم خاصة، دون أن يغيّر ذلك من عقيدته الأساسية لبنان ساحة ردع لا ساحة انتحار. من هنا، فإن المشهد في الشمال لن يكون بالضرورة انفجاراً شاملاً منذ البداية، بل اشتباكاً يضغط على إسرائيل، يرهق جبهتها الداخلية، ويجبرها على القتال وهي تعلم أن الأسوأ لم يُستخدم بعد.

‏في الصورة الأوسع، قد يبدو المشهد كأنه وابل من الصواريخ ينهمر على إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة، لكنه وابل محسوب، لا يهدف إلى الحسم السريع بقدر ما يسعى إلى كسر الإرادة وإطالة زمن المواجهة. فالهدف الحقيقي ليس تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل إدخال واشنطن في حرب كلفة، حيث تتراكم الخسائر السياسية والاقتصادية والنفسية، وتتحول الضربة الأولى من استعراض قوة إلى عبء استراتيجي ثقيل.

‏كل ذلك يجري تحت سقف من الضوابط غير المعلنة الخوف من الانزلاق إلى مواجهة نووية، حسابات روسيا والصين، هشاشة الداخل في دول حليفة لواشنطن، واقتصاد عالمي لا يحتمل طويلاً اضطراب الطاقة والملاحة. لكن هذه الضوابط لا تلغي الخطر، بل تؤجله وتعيد تشكيله.

‏في الختام واضح بأن الهجوم الأميركي على إيران، إن حصل، لن يفتح معركة واحدة بل كل المعارك دفعة واحدة. أنصار الله سيكونون رأس الحربة البحرية والصاروخية السريعة، حزب الله سيكون ثقل الردع المؤجل، وحلفاء آخرين وعمليات من نوع آخر وإسرائيل ستجد نفسها فجأة من لاعب داعم إلى ساحة اشتباك مباشرة. عندها، لن يكون السؤال كيف تبدأ الحرب، بل كيف يمكن إنهاؤها بعدما تكون كل الجبهات قد اشتعلت في آن واحد.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري