‏علماء يرصدون ورما سرطانيا يعيد تشكيل الدماغ أثناء نموه
دراسات و أبحاث
‏علماء يرصدون ورما سرطانيا يعيد تشكيل الدماغ أثناء نموه
28 أيلول 2026 , 15:23 م

عندما ينتقل الإنسان إلى مكان جديد، قد تكون إحدى أولى خطواته بناء مساحة مريحة خاصة به، يضع فيها كل شيء بالطريقة التي تناسبه.

‏واتضح أن السرطان يمكن أن يفعل شيئا مشابها بشكل مثير للقلق.

‏فعندما ينمو الورم، فإنه يغير البيئة المحيطة به لتلبية احتياجاته، فيدفع الأنسجة المجاورة، ويعيد تشكيل الأوعية الدموية، ويستولي على بعض وظائف الجسم لدعم بقائه واستمرار نموه.

‏والآن، طور فريق من العلماء تقنية جديدة تعتمد على الموجات فوق الصوتية تتيح لهم مراقبة هذه العملية أثناء حدوثها، بينما يستقر ورم خطير في منطقة عميقة من دماغ فأر وينمو فيها.

‏والورم الذي ركزت عليه الدراسة هو الورم الأرومي الدبقي ، وقد توفر الطريقة التي يبني بها بيئته المحيطة أدلة جديدة حول كيفية مواجهته.

‏وكتب فريق يقوده مهندس الكيمياء ميخائيل شابيرو من معهد كاليفورنيا للتقنية، في دراسة نشرت في مجلة iScience: "تمثل قدرة منصتنا على التقاط الأبعاد الثلاثة لتطور الورم داخل الجسم الحي لدى حيوانات مستيقظة خطوة مهمة إلى الأمام في دراسة العمليات العصبية الورمية بدقة مكانية وزمنية، وتطوير علاجات محسنة".

‏الورم الأرومي الدبقي من أصعب أنواع السرطان

‏تقنية جديدة لمراقبة نمو سرطان الدماغ ‏( مصدر الصورة: iScience )‏

‏لا يوجد نوع جيد من السرطان، لكن بعض الأنواع أكثر شراسة من غيرها. ومن بين أكثرها خطورة مجموعة تعرف باسم الأورام الدبقية، وهي نموات خبيثة تنشأ عادة من الخلايا الدبقية أو الخلايا الأولية لها في الدماغ أو الحبل الشوكي.

‏ويعد الورم الأرومي الدبقي أكثر أشكالها خطورة، إذ تبلغ نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات لدى المصابين به نحو 5 إلى 7 بالمئة.

‏ويرجع جزء من صعوبة علاج الأورام الدبقية إلى قدرتها على الاستيلاء على وظائف دماغية مهمة والاستفادة منها لمصلحتها، مع تشابكها بشكل وثيق مع الأنسجة السليمة والأوعية الدموية المحيطة بها لتوفير الظروف اللازمة لبقائها.

‏كما أن فهم كيفية حدوث هذه العملية ليس سهلا.

‏فالدماغ عضو شديد التعقيد والتنظيم، ولا يستطيع العلماء ببساطة التدخل داخله لمعرفة ما يحدث، لأن أي تدخل، حتى في النماذج الحيوانية، قد يسبب أضرارا تغير العملية التي يحاول الباحثون مراقبتها.

‏محدودية تقنيات التصوير الحالية

‏توجد تقنيات تصوير غير جراحية تساعد العلماء على النظر إلى الدماغ الحي من الداخل، لكنها لا تخلو من القيود.

‏فعلى سبيل المثال، يستطيع التصوير بالرنين المغناطيسي MRI تصوير الدماغ بالكامل ومتابعة الأورام والأوعية الدموية، لكنه لا يعد مناسبا بدرجة كبيرة لدراسة وظائف الدماغ لدى الحيوانات المستيقظة التي تتحرك وتتفاعل مع محيطها.

‏أما التصوير البصري فيوفر تفاصيل دقيقة للغاية، لكنه لا يستطيع اختراق الدماغ إلى أعماق كبيرة.

‏ولا تستطيع أي تقنية منفردة إظهار جميع المعلومات التي يحتاج العلماء إلى رؤيتها في الوقت نفسه.

‏وأوضح الباحثون: "لا توجد حاليا وسيلة تصوير تلتقط نمو الورم وإعادة تشكيل الأوعية الدموية والتغيرات في تدفق الدم المرتبطة بالنشاط العصبي معا، ضمن عملية تصوير واحدة متطابقة مكانيا، وبدرجة مماثلة من الدقة والعمق".

‏لذلك قرر الفريق محاولة الجمع بين ثلاث تقنيات في تقنية واحدة تعتمد على الموجات فوق الصوتية، بهدف رصد مراحل تطور الورم الأرومي الدبقي بصورة أشمل من المحاولات السابقة.

‏فقاعات غازية تكشف الورم بالموجات فوق الصوتية

‏كان التحدي الأول هو إيجاد طريقة تجعل الورم الأرومي الدبقي واضحا وسط أنسجة الدماغ المحيطة به في صور الموجات فوق الصوتية.

‏وجاء الحل من مجال الهندسة البيولوجية.

‏فبعض أنواع البكتيريا تنتج بشكل طبيعي فقاعات غازية صغيرة تعرف باسم الحويصلات الغازية. وقام الباحثون بزراعة خلايا ورم أرومي دبقي بشري، ثم عدلوها وراثيا بإضافة الجينات البكتيرية المسؤولة عن إنتاج هذه الفقاعات.

‏بعد ذلك، وضع الباحثون خلايا الورم الأرومي الدبقي داخل مادة هلامية تحاكي الأنسجة، لاختبار ما إذا كانت الفقاعات ستجعل خلايا الورم أكثر وضوحا في صور الموجات فوق الصوتية.

‏وأظهرت الاختبارات أن الطريقة نجحت في تحقيق هذا الهدف.

‏تجربة التقنية داخل أدمغة الفئران

‏لاختبار النظام داخل أدمغة حية، زرع الباحثون خلايا الورم الأرومي الدبقي البشري المعدلة وراثيا في المهاد الأيسر لدى ثلاثة فئران.

‏وعلى مدار 11 يوما، استخدم الفريق الموجات فوق الصوتية ثلاثية الأنماط بشكل متكرر لمراقبة الأورام أثناء استقرارها ونموها.

‏استخدم أحد الأنماط الحويصلات الغازية لإظهار الورم نفسه، بينما تتبع نمط ثان التغيرات في حجم الدم المرتبطة بنشاط الدماغ.

‏أما النمط الثالث، فاستخدم فقاعات صغيرة حقنت في مجرى الدم لرسم شبكة الأوعية الدموية المحيطة بالورم بتفاصيل دقيقة للغاية.

‏وأظهرت التقنية بالفعل قدرة على تنفيذ هذه المهمة.

‏الورم يدفع أنسجة الدماغ ويغير الأوعية الدموية

‏خضعت الفئران لفحوص الموجات فوق الصوتية وهي مستيقظة وقادرة على الحركة فوق منصة مبطنة، مع تثبيت رؤوسها للحد من الحركة أثناء التصوير.

‏ومع نمو كل ورم واتساعه، تمكن الباحثون من متابعة الطريقة التي دفع بها حرفيا المنطقة المجاورة المعروفة باسم النواة الركبية الوحشية LGN، وهي منطقة مسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية، وأزاحها عن موقعها الطبيعي.

‏وفي الوقت نفسه، انخفض تدفق الدم الذي يصاحب عادة نشاط هذه المنطقة عندما يرى الفأر شيئا ما في الجانب الذي يوجد فيه الورم.

‏لكن الانخفاض بلغ مستوى ذا دلالة إحصائية في فأر واحد فقط، بينما حدث في فأر آخر على جانبي الدماغ.

‏إعادة ترتيب شبكة الأوعية الدموية

‏لم يقتصر تأثير الورم على دفع أنسجة الدماغ، بل بدا أنه أعاد ترتيب شبكة الأوعية الدموية المحيطة به.

‏فقد أظهر التصوير الوعائي، الذي أجري تحت التخدير، أن الأوعية الدموية بدأت تتحرك من مواقعها وتعيد تنظيم نفسها حول الورم المتنامي.

‏وفي الفأر الوحيد الذي توفرت له مجموعة بيانات كاملة، تحرك الدم أيضا بشكل أبطأ عبر الأوعية المحيطة بالورم، مع وجود مؤشرات على أن بعض الأوعية أصبحت أضيق أو تعرضت للانسداد.

‏وبدا كذلك أن الورم طور بيئة دقيقة خاصة به داخل الدماغ.

‏فبينما كان حجم الدم يتغير داخل الدماغ المحيط وفقا لأنماط منسقة، حافظ الورم على إيقاع خاص به يبدو غير مرتبط بما يحدث في الأنسجة المحيطة.

‏لكن الباحثين لا يستطيعون في هذه المرحلة تحديد ما يعنيه هذا النشاط بالتحديد أو سبب حدوثه.

‏الهدف الأساسي كان اختبار التقنية

‏كان الهدف الرئيسي من الدراسة هو معرفة ما إذا كانت التقنية قادرة على تتبع التغيرات التي يسببها الورم الأرومي الدبقي داخل أدمغة فئران حية ومستيقظة، وبدرجة عالية من التفاصيل.

‏أما معرفة معنى هذه التغيرات، وما إذا كانت الأنماط التي رصدها الباحثون تظهر بشكل ثابت لدى عدد أكبر من الحيوانات، فتحتاج إلى مزيد من الدراسات.

‏وتوجد أيضا بعض القيود المهمة على الدراسة.

‏فالتجربة كانت إثباتا للمفهوم وشملت ثلاثة فئران فقط، كما استخدمت نموذجا للورم الأرومي الدبقي لا يعكس جميع التعقيدات التي يتسم بها السرطان لدى البشر.

‏الخطوة التالية: اختبار العلاج

‏ستكون الخطوة التالية هي اختبار التقنية على أعداد أكبر من الحيوانات، واستخدام نماذج أكثر واقعية لسرطان الدماغ، لمعرفة ما إذا كانت الأنماط الغريبة التي رصدها الباحثون ستظهر مرة أخرى.

‏وفي الدراسات المستقبلية، يمكن استخدام التقنية أيضا لمراقبة ما يحدث عند بدء العلاج، وليس فقط لمعرفة ما إذا كان حجم الورم يتراجع، وإنما أيضا لرصد كيفية استجابة الدماغ والأوعية الدموية المتشابكة مع الورم للعلاج.

‏ويأمل الباحثون في نهاية المطاف أن تساعدهم مراقبة الطريقة التي يبني بها الورم الأرومي الدبقي بيئته الخاصة على فهم كيفية تفكيك هذه البيئة والقضاء على الورم.

المصدر: sciencealert