توصل باحثون إلى تفسير جديد قد يساعد في حل لغز مخطوطة فوينيتش الشهيرة، وهي مخطوطة تعود إلى العصور الوسطى ومكتوبة بأبجدية مجهولة، ولم يتمكن العلماء من فك رموزها لأكثر من قرن.
ويشير الباحث كولين ليفيلد وعالمة الكتابات القديمة ليزا فيغين ديفيس إلى أن أحد أسباب فشل محاولات فك الشفرة المتكررة قد يكون أن صفحات المخطوطة رتبت وربطت بترتيب خاطئ منذ القرن الخامس عشر.
ونشرت نتائج البحث في مجلة Digital Medievalist.
صفحات رتبت بشكل خاطئ قبل نحو 600 عام
يعود تاريخ الرق المستخدم في المخطوطة، المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة باينكي التابعة لجامعة ييل، وفقا لتأريخ الكربون المشع، إلى الفترة بين 1404 و1438.
وخلص الباحثون إلى أن الأوراق كانت في الأصل عبارة عن أوراق مزدوجة منفصلة مطوية من المنتصف، تعرف باسم "سينغوليون" (Singulions).
لكن في وقت لاحق، خلال الفترة الممتدة من منتصف القرن الخامس عشر إلى أواخره، أعيد خياطتها وتجميعها في كراسات تحتوي على أوراق مدرجة داخل بعضها.
وخلال عملية إعادة التجليد هذه، اختل الترتيب الأصلي للأوراق.
ونتيجة لذلك، ظل النص والرسومات الموجودة في المخطوطة يقرآن على مدى نحو خمسة قرون بترتيب غير صحيح، وهو ما قد يفسر جزئيا سبب فشل محاولات فك رموزها مرة تلو الأخرى.
كيف أعاد الباحثون ترتيب الصفحات؟
لإعادة بناء الترتيب الأصلي للأوراق، استخدم الباحثون التحليل الدلالي الكامن، وهو أسلوب يكشف أوجه التشابه بين أجزاء النص الموجودة في صفحات مختلفة، ويساعد على تحديد الأوراق التي يرجح أنها كانت متجاورة في الأصل.
كما اعتمد العلماء على التحليل الآلي للحبر والعلامات الموجودة على الهوامش، إضافة إلى دراسة مواقع آثار المياه والبقع المائية في الأوراق.
ويمكن لهذه الآثار أن تقدم أدلة حول الطريقة التي كانت بها الأوراق المزدوجة موضوعة داخل بعضها عند تجميع المخطوطة.
ليست بالضرورة من صنع عبقري مجنون
تشير ديفيس إلى أن الصورة الشائعة للمخطوطة باعتبارها عملا أنجزه شخص واحد يوصف بأنه "عبقري مجنون" لا تدعمها الأدلة المادية.
وقالت الباحثة إن كثيرين كانوا يرغبون في الاعتقاد بأن مخطوطة فوينيتش أنشأها عبقري مجنون واحد، لكن البيانات تشير في الواقع إلى أنها نتاج أكثر جماعية.
وهذا يعني أن تاريخ المخطوطة وطريقة إنتاجها قد يكونان أكثر تعقيدا من الصورة الشائعة عنها.
لماذا يعد ترتيب الصفحات مهما لفك الشفرة؟
تكمن أهمية اكتشاف الترتيب الخاطئ للتجليد في أن معظم محاولات فك رموز المخطوطة اعتمدت على الترتيب الحالي للصفحات.
فإذا كان هذا الترتيب مختلفا عن الترتيب الأصلي، فإن الإحصاءات المتعلقة بتكرار مجموعات الرموز، وكذلك الروابط بين النصوص والرسومات الموجودة في المخطوطة، قد تكون قد ضللت الباحثين لعقود.
وتحتوي المخطوطة على رسومات متنوعة، من بينها النباتات والمخططات الفلكية والأشكال البشرية، ما جعل العلاقة بين النص والصور إحدى الأدوات التي حاول الباحثون استخدامها لفهم محتواها.
لكن إذا كانت الصفحات قد اختلطت منذ القرن الخامس عشر، فقد تكون هذه الروابط نفسها قد بدت مختلفة تماما عما كانت عليه في النسخة الأصلية.
هل تقترب مخطوطة فوينيتش من الحل؟
يأمل الباحثون أن يوفر الترتيب المعاد بناءه للأوراق مادة أكثر وضوحا للعلماء الذين يواصلون محاولات قراءة النص وفك رموزه.
كما يعتزم الباحثون إتاحة الشفرة والبيانات المستخدمة في الدراسة للوصول إليها بشكل مفتوح، ما قد يسمح لباحثين آخرين باختبار النتائج والبناء عليها في محاولات مستقبلية لفك لغز المخطوطة.
ورغم أن الدراسة لا تقدم حتى الآن قراءة نهائية للنص، فإن إعادة ترتيب صفحات مخطوطة فوينيتش قد تزيل عقبة مهمة ظلت تعيق فهم واحدة من أكثر المخطوطات غموضا في التاريخ.