فاز علماء تمكنوا من اكتشاف كيفية التحكم في خلايا الدماغ باستخدام الضوء بـ جائزة نوبل لهذا العام في علم وظائف الأعضاء أو الطب.
وكرمت الجائزة كارل ديسيروث، وبيتر هيغمان، وجورج ناغل تقديرا لأبحاثهم في مجال القنوات الأيونية التي تتحكم فيها الإضاءة وعلم البصريات الوراثي (Optogenetics).
وكان هيغمان، من جامعة هومبولت في برلين، وناغل، من جامعة فورتسبورغ، يحاولان فهم كيفية استشعار طحلب صغير وحيد الخلية يسمى Chlamydomonas للضوء.
ولا تقتصر القدرة على استشعار الضوء على الحيوانات التي تمتلك عيونا، إذ تستخدم الكائنات الحية في مختلف أنحاء العالم الضوء للتعرف على محيطها والاستجابة للتغيرات في البيئة.
حتى الكائنات وحيدة الخلية تمتلك بروتينات تستجيب للضوء، وتستخدم هذه البروتينات للتحرك باتجاه الضوء أو الابتعاد عنه، وإنتاج الطاقة، والاستجابة لمتطلبات دورة اليوم التي تمتد على مدار 24 ساعة.
بروتين يفتح بوابة للضوء
اكتشف هيغمان وناغل أن طحلب Chlamydomonas يمتلك آلية بالغة الذكاء لاستشعار الضوء تعتمد على بروتين واحد يسمى القناة الرودوبسينية (Channelrhodopsin).
ويكون هذا البروتين مدمجا في الغشاء الخارجي للخلية الطحلبية. ويواجه جزء منه الماء الموجود خارج الخلية، بينما يتجه الجزء الآخر نحو داخلها.
كما يحتوي البروتين على جزيء صغير يسمى ريتينالدهيد، وهو قادر على امتصاص الضوء.
وعندما يصل الضوء إلى الريتينالدهيد الموجود داخل القناة الرودوبسينية، يتغير شكله. ويؤدي ذلك بدوره إلى تغير شكل بروتين القناة الرودوبسينية.
وهذا التغير يفتح ممرا صغيرا عبر غشاء الخلية، فتتمكن الجسيمات ذات الشحنة الموجبة، ومنها الصوديوم، من الانتقال من الماء المحيط بالطحلب إلى داخل الخلية.
ويرسل هذا التحرك للجسيمات المشحونة إشارة داخل الطحلب تساعده على السباحة.
ما علاقة الطحلب بجائزة نوبل في الطب؟
قد يبدو اكتشاف كيفية استشعار طحلب للضوء إنجازا بيولوجيا مثيرا للاهتمام، لكن ما علاقته بجائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب؟
تكمن الإجابة في الطريقة التي تعمل بها الخلايا العصبية.
تستخدم الخلايا العصبية حركة الجسيمات المشحونة، أو ما يعرف باسم الأيونات، عبر أغشيتها للتحكم في نشاطها.
وعندما تتدفق الجسيمات ذات الشحنة الموجبة إلى داخل الخلية العصبية، يمكنها أن تجعل الخلية أكثر نشاطا.
وأدرك الباحثون أنه إذا تمكنوا من إدخال بروتين القناة الرودوبسينية إلى الخلايا العصبية، فقد يصبح بإمكانهم تشغيل هذه الخلايا بمجرد تسليط الضوء عليها.
وهذا بالضبط ما قام به هيغمان وناغل وديسيروث، عالم الطب النفسي والهندسة الحيوية في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا.
تشغيل الخلايا العصبية بالضوء
تسمى القدرة على التحكم في الخلايا العصبية باستخدام الضوء علم البصريات الوراثي.
وأصبح هذا الأسلوب أداة قوية في الأبحاث، لأنه يتيح للعلماء تشغيل مجموعات محددة من الخلايا العصبية وإيقافها ومراقبة ما يحدث نتيجة لذلك.
في البداية، ينقل العلماء الجين المسؤول عن إنتاج القناة الرودوبسينية إلى الخلايا العصبية التي يريدون دراستها.
وعادة ما يحمل هذا الجين فيروس جرى تعديله بحيث لا يستطيع التسبب في المرض.
بعد وصول الجين إلى الخلايا، تبدأ الخلايا في إنتاج بروتين القناة الرودوبسينية، ما يجعلها تستجيب للضوء.
وفي حيوانات مثل الفئران، يستطيع العلماء تسليط الضوء على الدماغ عبر ألياف ضوئية رفيعة.
وعندما يصل الضوء إلى الخلايا، تفتح القناة الرودوبسينية وتصبح الخلايا نشطة، بينما لا تتأثر الخلايا العصبية القريبة التي لا تحتوي على البروتين.
ويمكن توجيه الضوء إلى منطقة صغيرة جدا من الدماغ وتشغيله وإيقافه بسرعة فائقة.
وهذا يجعل علم البصريات الوراثي وسيلة قوية لدراسة كيفية عمل الدماغ.
فعلى سبيل المثال، إذا أراد العلماء معرفة ما إذا كانت مجموعة معينة من الخلايا العصبية تشارك في الذاكرة أو النوم أو الإحساس أو الحركة، يمكنهم تشغيل هذه الخلايا بالضوء ومراقبة ما يحدث.
الضوء يعيد تنشيط ذكرى الخوف
في إحدى التجارب التي أجريت عام 2012، أعطى فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فئرانا صدمة كهربائية خفيفة داخل قفص معين.
واستخدم الباحثون علم البصريات الوراثي لتحديد الخلايا العصبية في مركز الذاكرة بالدماغ التي كانت نشطة أثناء تجربة تكييف الخوف.
وبعد عدة أيام، وضعوا الفئران في قفص مختلف، ثم شغلوا تلك الخلايا باستخدام الضوء.
وتجمدت الفئران من الخوف، كما لو أنها تذكرت الصدمة الكهربائية.
أما الفئران التي لم تتعرض للصدمة فلم تتجمد، ما أظهر أن الضوء أعاد تنشيط ذكرى محددة.
وكان ديسيروث أحد مؤلفي هذه الدراسة.
من البحث إلى علاج أمراض الأعصاب
أحدث علم البصريات الوراثي تحولا كبيرا في قدرة العلماء على دراسة كيفية عمل الدماغ والجهاز العصبي.
وقد يكون لهذه التقنية مستقبل أيضا في مجال العلاج.
فقد دخل علم البصريات الوراثي بالفعل في تجارب سريرية مبكرة لعلاج أشخاص يعانون من تنكس شبكية العين.
وفي هذه التجارب، يدخل الباحثون بروتينات حساسة للضوء إلى الخلايا العصبية التي تبقى في شبكية العين بعد فقدان الخلايا التي تستشعر الضوء بصورة طبيعية، وهي العصي والمخاريط.
ويمكن أن يجعل ذلك الخلايا المتبقية تستجيب للضوء، ما قد يساعد على استعادة جزء من القدرة على الرؤية.
كما يدرس الباحثون إمكانية استخدام علم البصريات الوراثي مستقبلا لعلاج بعض الاضطرابات العصبية، بما في ذلك مرض باركنسون والصرع.
سؤال بسيط قاد إلى اكتشاف كبير
تحتفي جائزة نوبل لهذا العام بعمل بدأ بسؤال قد يبدو متخصصا وبعيدا عن التطبيقات العملية المباشرة:
كيف يسبح طحلب Chlamydomonas باتجاه الضوء؟
لم تكن لهذا السؤال أهمية عملية واضحة في البداية، فهو لا يعالج حاجة صحية ملحة لدى البشر، ولا يمثل طريقا واضحا نحو تحقيق مكاسب مالية.
لكن نجاح علم البصريات الوراثي يوضح أهمية الاستمرار في طرح الأسئلة لمجرد الرغبة في فهم العالم من حولنا.
فمن المستحيل التنبؤ مسبقا بالاتجاه الذي يمكن أن تقود إليه المعرفة، وقد يبدأ اكتشاف علمي بالغ الأهمية من سؤال بسيط عن كائن مجهري يعيش في الماء.