كلما أصبحت التقنيات القادرة على التأثير في الدماغ أكثر دقة، ازدادت أهمية تحديد الحدود المقبولة أخلاقيا لاستخدامها.
ويرى علماء روس تحدثوا إلى تحرير Наука Mail أن الهدف الطبي من التدخل، إلى جانب الموافقة الواعية للمريض، يجب أن يكونا من الشروط الأساسية عند استخدام هذه التقنيات.
وتتيح تقنية البصريات الوراثية (Optogenetics) وغيرها من التقنيات العصبية التأثير بدقة عالية في أنواع محددة من الخلايا والدوائر العصبية، لكن تطور هذه التقنيات يطرح سؤالا مهما: أين ينتهي علاج المرض ويبدأ التدخل في سلوك الإنسان؟
الهدف من التدخل هو العامل الأساسي
يرى فسيفولود بيلوسوف، دكتوراه في العلوم البيولوجية وعضو مراسل في الأكاديمية الروسية للعلوم، والمدير العام للمركز الفيدرالي للدماغ والتقنيات العصبية التابع للوكالة الفيدرالية الطبية والبيولوجية، ومدير معهد علوم الأعصاب والتقنيات العصبية في جامعة بيروغوف، أن الهدف من التدخل وموافقة الشخص نفسه لهما أهمية أساسية.
وقال:
«"إذا كنا نثبط النشاط المرضي في دائرة عصبية معينة لدى مريض يعاني مرضا شديدا بهدف استعادة وظيفة فقدها، فهذا تدخل طبي."»
لكن الوضع يختلف عندما تستخدم التقنيات العصبية ليس لاستعادة وظيفة تعرضت للاضطراب، وإنما لتغيير السلوك الطبيعي.
وأوضح الخبير أن محاولة استخدام تقنية عصبية لتغيير السلوك الطبيعي أو المشاعر أو الدوافع أو شخصية الإنسان من دون موافقته الواعية تمثل مسألة مختلفة تماما.
هل يمكن التحكم الكامل في سلوك الإنسان؟
رغم التطور الكبير في تقنيات التأثير في الدماغ، فإن الإمكانات العلمية الحالية لا تسمح بالحديث عن تقنيات قادرة على التحكم الكامل في سلوك الإنسان.
وأكد بيلوسوف أن الوصول إلى التحكم المباشر في السلوك البشري المعقد لا يزال بعيدا جدا، موضحا أن الدماغ نظام بالغ التعقيد، وحتى لدى حيوان تجارب مخبري لا يمكن التحكم في كامل سلوكه بمجرد الضغط على زر واحد.
تغير السلوك لا يعني تجاوز الحدود الأخلاقية
ويلفت دينيس كوزمين، مدير مدرسة الفيزياء البيولوجية والطبية في معهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا، إلى نقطة مهمة أخرى، وهي أن تغير السلوك بحد ذاته لا يمكن اعتباره معيارا لتحديد تجاوز الحدود الأخلاقية.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي العلاج الناجح للاكتئاب أو الإدمان أيضا إلى تغيير سلوك المريض.
لذلك، لا يكفي النظر إلى النتيجة المتمثلة في تغير السلوك للحكم على طبيعة التدخل.
وبحسب كوزمين، فإن الأهم هو طوعية التدخل وشفافيته، ووجود دوافع طبية مبررة، والتوازن بين المخاطر والفوائد المتوقعة، والرقابة المستقلة، وإمكانية رفض الشخص المشاركة.
وتزداد صعوبة بعض الحالات عندما يؤثر المرض نفسه في قدرة المريض على اتخاذ القرارات.
لماذا يجب وضع الحدود مسبقا؟
يرى بيلوسوف أن من الضروري مناقشة هذه القيود قبل وصول التقنيات إلى إمكانات لا تزال تجريبية في الوقت الحالي.
فكلما أصبحت أدوات التأثير في الدماغ أكثر دقة، ازدادت الحاجة إلى تحديد حدود استخدامها المقبول مسبقا، بدلا من انتظار ظهور قدرات جديدة ثم محاولة وضع الضوابط بعد ذلك.
ويختصر العالم المبدأ الأساسي في أن استخدام التقنيات العصبية يجب أن يرتبط بهدف طبي واضح، وموافقة واعية من الإنسان، وضمانات تحمي استقلاله وحقه في اتخاذ القرار.
وتفتح هذه التقنيات آفاقا مهمة لعلاج الأمراض العصبية واستعادة الوظائف التي فقدها المرضى، لكنها في الوقت نفسه تجعل النقاش حول الموافقة والخصوصية والاستقلالية الإنسانية جزءا أساسيا من تطور علم الأعصاب الحديث.