‏الديدان الطفيلية تساعد العلماء على تطوير علاجات لأمراض المناعة الذاتية
دراسات و أبحاث
‏الديدان الطفيلية تساعد العلماء على تطوير علاجات لأمراض المناعة الذاتية
10 تشرين الأول 2026 , 14:33 م

قد تحمل الديدان الطفيلية مفتاحا لتطوير علاجات جديدة لأمراض المناعة الذاتية والالتهابات، رغم أنها تصيب ما يصل إلى 1.5 مليار شخص سنويا. فقد لفتت قدرة هذه الكائنات على البقاء داخل جسم الإنسان لعقود من الزمن انتباه الباحثين، الذين اكتشفوا أنها تنتج مجموعة واسعة من الجزيئات القادرة على تثبيط الاستجابة المناعية ومنع الجهاز المناعي من مهاجمتها.

‏ويرى العلماء أن هذه الجزيئات يمكن استخلاصها وتعديلها للاستفادة منها في تطوير أدوية جديدة تستهدف أمراض المناعة الذاتية والحالات الالتهابية.

‏وجمعت مراجعتان علميتان نُشرتا في مجلتي Scientific Reports وMolecular Therapy نتائج مئات الدراسات التي تناولت هذه المواد، وأظهرتا أنها تمكنت من تهدئة الاستجابات المناعية في نماذج حيوانية لأمراض متعددة، من بينها الربو والتهاب المفاصل والتهاب الأنف والتهاب القولون والإنتان والسكري.

الديدان الطفيلية قد تساعد على تهدئة الالتهاب ‏( مصدر الصورة: SciTechDaily )

‏وفي تجارب على الحيوانات، ساعدت بعض هذه الجزيئات على تخفيف الألم لدى الفئران المصابة بالتهاب المفاصل، كما انخفضت احتمالات نفوق الحيوانات بسبب الصدمة المرتبطة بالإنتان.

‏كيف تستفيد الديدان الطفيلية من الجهاز المناعي؟

‏تشمل الديدان الطفيلية مجموعات متعددة، مثل الديدان الأسطوانية والديدان الشريطية والديدان الخطافية والمثقوبات.

‏وتصيب هذه الطفيليات ما يصل إلى 1.5 مليار شخص سنويا، وفقا للمعلومات الواردة في التقرير العلمي.

‏وتكمن إحدى أبرز قدراتها في إمكانية بقائها داخل جسم المضيف لسنوات طويلة، بل لعقود في بعض الحالات. فهي لا تكتفي بمقاومة هجمات الجهاز المناعي، وإنما تنتج مواد تؤثر في نشاطه وتحد من قدرته على مهاجمتها.

‏وقد جذبت هذه الآلية اهتمام الباحثين الذين يدرسون أمراض المناعة الذاتية والحساسية، لأن فهم الطريقة التي تستخدمها الطفيليات للحد من الاستجابة المناعية قد يساعد على تطوير وسائل علاجية جديدة.

‏ويعمل الجهاز المناعي عادة على تحقيق توازن دقيق بين مهاجمة التهديدات الخارجية وحماية أنسجة الجسم السليمة من التلف.

‏لكن عندما يختل هذا التوازن، قد يهاجم الجهاز المناعي خلايا الجسم نفسه، فتظهر أمراض المناعة الذاتية، أو قد تنشأ استجابات التهابية مفرطة ترتبط بأمراض مختلفة، من بينها بعض اضطرابات الحساسية.

‏ومن هنا، يحاول العلماء فهم كيفية استخدام الجزيئات التي تنتجها الطفيليات لتنظيم الاستجابة المناعية، وإمكانية توظيفها للحد من الالتهاب من دون إضعاف دفاعات الجسم الضرورية ضد العدوى.

‏فرضية الأصدقاء القدامى

‏لاحظ الباحثون أن أمراض المناعة الذاتية والحساسية وبعض الاضطرابات الالتهابية تنتشر بمعدلات أعلى في عدد من البلدان التي تراجعت فيها العدوى الطفيلية بشكل كبير.

‏وقد أسهمت هذه الملاحظة في تطوير ما يعرف باسم فرضية الأصدقاء القدامى، وهي فرضية علمية تقترح أن التطور المشترك للإنسان مع بعض الكائنات الدقيقة والطفيليات على مدى فترات طويلة ربما ساعد على تنظيم الجهاز المناعي والحفاظ على توازنه.

‏ووفقا لهذه الفرضية، فإن انخفاض التعرض لبعض الكائنات التي اعتاد الإنسان التعايش معها عبر تاريخه التطوري قد يؤثر في طريقة تطور الاستجابات المناعية وتنظيمها.

‏لكن هذه الفرضية لا تعني أن العدوى بالطفيليات مفيدة للصحة أو أن الإصابة بها وسيلة آمنة للوقاية من أمراض المناعة الذاتية. فالديدان الطفيلية قد تسبب أمراضا ومضاعفات خطيرة، ولا تزال العلاقة بين تراجع العدوى الطفيلية وارتفاع معدلات الأمراض المناعية موضوعا للبحث العلمي.

‏ويحاول الباحثون الاستفادة من الآليات البيولوجية التي تستخدمها الطفيليات لتنظيم المناعة، من دون تعريض المرضى لمخاطر الإصابة بهذه الكائنات.

‏من ابتلاع بيوض الطفيليات إلى استخلاص الجزيئات

‏بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ الباحثون اختبار بعض أفكار هذه الفرضية على البشر.

‏وفي دراسات سابقة، تناول مرضى يعانون أمراضا التهابية في الأمعاء نحو 2500 بيضة من دودة السوطية الخنزيرية، المعروفة علميا باسم Trichuris suis، ولاحظ الباحثون تراجعا في بعض الأعراض.

‏وأثارت هذه النتائج اهتماما بإمكانية استخدام الطفيليات أو المواد التي تنتجها في التعامل مع الاضطرابات المناعية.

‏لكن تعريض المرضى عمدا للعدوى الطفيلية يثير صعوبات طبية وأخلاقية، فضلا عن المخاطر المحتملة المرتبطة بالإصابة نفسها.

‏لذلك، اتجه الباحثون إلى مسار مختلف، يتمثل في تحديد الجزيئات التي تنتجها الديدان الطفيلية وتستخدمها للتأثير في الجهاز المناعي، ثم استخلاص هذه المواد ودراسة إمكانية تعديلها لتطوير علاجات محتملة.

‏وكتب مؤلفو إحدى الدراسات:

‏«لا نعوّل على أن تصبح الطفيليات نفسها أدوية، بل نأمل أن تكون ملايين السنين من التطور قد توصلت إلى حلول لبعض المشكلات البيولوجية التي ما زلنا نحاول فهمها».

‏ويعكس هذا التوجه محاولة الاستفادة من الآليات الطبيعية التي طورتها الطفيليات للبقاء داخل أجسام مضيفيها، وتحويلها إلى أدوات علاجية يمكن التحكم فيها واختبار سلامتها وفعاليتها.

‏جزيء من أحد المثقوبات يمنع تطور التصلب المتعدد لدى الفئران

‏في تجربة أجراها باحثون من جامعة غالواي في أيرلندا، ساعد جزيء مستخلص من أحد أنواع الديدان المثقوبة التي تصيب الكبد على منع تطور مرض التصلب المتعدد لدى الفئران.

‏ويعد التصلب المتعدد مرضا عصبيا يهاجم فيه الجهاز المناعي الغلاف الواقي للألياف العصبية، ما قد يؤدي إلى اضطرابات في الحركة والتوازن والإحساس وغيرها من الوظائف العصبية.

‏ويؤدي الالتهاب دورا مهما في هذا المرض، ولذلك يدرس العلماء إمكانات المواد القادرة على تعديل الاستجابة المناعية والحد من الالتهاب.

‏ووفقا للتقرير، تمثل هذه التجربة خطوة مهمة في دراسة استخدام الجزيئات التي تنتجها الطفيليات لعلاج أحد أمراض الجهاز العصبي.

‏ومع ذلك، فإن نجاح جزيء معين في منع تطور المرض لدى الفئران لا يعني بالضرورة أنه سيحقق النتيجة نفسها لدى البشر، إذ تختلف الاستجابات البيولوجية بين الحيوانات والإنسان.

‏كما أن هذه النتائج لا تثبت أن الجزيء قادر على علاج التصلب المتعدد لدى البشر، وإنما تشير إلى إمكانية دراسة آليته بوصفها نقطة انطلاق لتطوير علاجات مستقبلية.

‏هل يمكن أن تساعد هذه الجزيئات في علاج ألزهايمر وباركنسون؟

‏بعد النتائج التي أظهرتها التجارب على الفئران المصابة بالتصلب المتعدد، يطرح الباحثون سؤالا جديدا: هل يمكن للجزيئات التي تنتجها الطفيليات أن تساعد أيضا في التعامل مع أمراض عصبية أخرى، مثل مرض ألزهايمر ومرض باركنسون؟

‏يلعب الالتهاب دورا في العمليات المرضية المرتبطة بهذين المرضين، ولذلك يثير احتمال تعديل الاستجابات الالتهابية اهتمام العلماء.

‏ويبحث الباحثون في إمكانية الاستفادة من الجزيئات الطفيلية لفهم هذه العمليات، وربما تطوير وسائل تستهدف بعض الآليات المناعية والالتهابية المرتبطة بالأمراض العصبية.

‏لكن استخدام هذه الجزيئات في علاج ألزهايمر أو باركنسون لا يزال احتمالا بحثيا يحتاج إلى دراسات متخصصة، ولا تقدم النتائج المذكورة دليلا على فعاليتها في علاج هذين المرضين لدى البشر.

‏كذلك، فإن الربط بين ارتفاع معدلات بعض الأمراض العصبية وتراجع انتشار الطفيليات يظل مسألة تحتاج إلى أدلة إضافية، ولا يمكن اعتباره علاقة سببية مثبتة.

‏الذكاء الاصطناعي قد يسرّع اكتشاف الأدوية

‏على الرغم من النتائج الواعدة في التجارب الأولية، فإن تحويل جزيء مستخلص من طفيلي إلى دواء قابل للاستخدام لدى البشر عملية طويلة ومعقدة.

‏فالمواد التي تظهر تأثيرا مفيدا في التجارب على الفئران قد لا تكون فعالة لدى البشر، وقد تواجه مشكلات تتعلق بالسلامة أو الجرعات المناسبة أو طريقة وصولها إلى الأنسجة المستهدفة.

‏ولهذا، يحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية لتحديد كيفية عمل هذه الجزيئات، وتقييم آثارها الجانبية، واختبار فعاليتها قبل الانتقال إلى استخدامها علاجا للبشر.

‏وفي هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على تسريع عملية اكتشاف الأدوية، من خلال تحليل كميات كبيرة من البيانات البيولوجية وفرز آلاف الجزيئات المرشحة، وتحديد المواد التي تستحق إجراء اختبارات مخبرية إضافية عليها.

‏وقد يساعد هذا النهج العلماء على تضييق نطاق البحث واختيار الجزيئات الأكثر وعدا، بدلا من اختبار كل مادة محتملة بصورة منفصلة.

‏وفي المحصلة، تشير الأبحاث إلى أن الجزيئات التي تنتجها الديدان الطفيلية قد توفر مسارا جديدا لدراسة تنظيم الجهاز المناعي وتطوير علاجات محتملة للأمراض الالتهابية والمناعية.

‏لكن الاستفادة الطبية من هذه الاكتشافات لا تزال في مراحل البحث والتطوير، وستعتمد على قدرة الدراسات المستقبلية على إثبات سلامة هذه المواد وفعاليتها لدى البشر.

المصدر: Наука Mail
الأكثر قراءة قتل يوم ..
قتل يوم ..
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً