160 قتيلًا في «حوادث عملياتية»... ماذا يدفن الجيش الإسرائيلي خلف هذه العبارة؟
مقالات
160 قتيلًا في «حوادث عملياتية»... ماذا يدفن الجيش الإسرائيلي خلف هذه العبارة؟
عباس المعلم
11 تشرين الأول 2026 , 03:59 ص

لم يعد السؤال مقتصرًا على عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب، بل بات يتجاوز ذلك إلى كيفية تصنيف هؤلاء القتلى، وما إذا كانت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تستخدم المصطلحات الإدارية والعملياتية لإعادة توزيع خسائرها البشرية بعيدًا عن سجلات المواجهات المباشرة، خصوصًا على الجبهة الشمالية مع لبنان. فإعلان صحيفة «معاريف» مقتل 160 جنديًا وضابطًا خلال السنوات الثلاث الماضية نتيجة ما تسميه «حوادث عملياتية» يفتح بابًا واسعًا للتدقيق في طبيعة هذه الحوادث وظروف وقوعها. ذلك أن هذا التصنيف الفضفاض قد يشمل حوادث السير وانقلاب الآليات والأخطاء الميدانية والنيران الصديقة، لكنه يثير أيضًا تساؤلًا أكثر حساسية: هل تُدرج تحته خسائر مرتبطة بالمعارك والعمليات العسكرية لتجنب الاعتراف بحجم الاستنزاف الحقيقي؟ وهنا تتحول التسمية من مجرد توصيف عسكري إلى مسألة تتصل بشفافية المؤسسة العسكرية ومصداقية بياناتها.

واللافت أن رقم 160 قتيلًا يبدو ضخمًا بما يستوجب تفصيلًا دقيقًا، لا سيما عند مقارنته بالحوادث الكبرى المعلنة التي لا يظهر أنها تبلغ عشر حوادث سنويًا، وفق التقدير المتداول، وإن كانت هذه المقارنة وحدها لا تكفي لإثبات التلاعب بالأرقام. فالحوادث العملياتية لا تقتصر بالضرورة على الوقائع الكبرى التي تصل إلى الإعلام. لكن تزامن الإعلان مع مقتل ضابط وإصابة ثلاثة آخرين بانقلاب مركبة «هامر» في منطقة الليطاني، ووقوع اصطدام سابق بين آليتين من اللواء السابع في المنطقة نفسها، يضاعف أهمية التدقيق في ما يجري على الجبهة اللبنانية. فهذه الجبهة شهدت مواجهات واستنزافًا عسكريًا متواصلًا، الأمر الذي يجعل الفصل بين الخسائر الناجمة عن الاشتباكات وتلك الناتجة عن الحوادث الميدانية ضرورة لفهم الكلفة البشرية الفعلية. فليس كل قتيل يسقط داخل منطقة عمليات قتيلًا في اشتباك، كما أن تصنيفه ضمن الحوادث لا ينبغي أن يحجب الملابسات العسكرية المحيطة بمقتله.

من هنا، فإن القضية تتجاوز الشك في رقم معلن إلى احتمال وجود هندسة إحصائية للخسائر البشرية الإسرائيلية، تقوم على الفصل بين ما يُعترف به قتيلًا في المعركة وما يُسجل ضحية حادث عملياتي، بما قد يؤدي إلى تقديم صورة منقوصة عن كلفة الحرب أمام المجتمع الإسرائيلي. غير أن إثبات هذا الاحتمال يحتاج إلى مراجعة أسماء القتلى وتواريخ سقوطهم وأماكن الحوادث والتحقيقات المرتبطة بها. والأهم أن الجبهة الشمالية، بما تحمله من حساسية عسكرية وسياسية، تستحق تدقيقًا مستقلًا في أرقام خسائرها، بعيدًا عن الاكتفاء بالبيانات الرسمية. فقد تستطيع الرقابة العسكرية التحكم بتوقيت إعلان الخسائر وتصنيفها، لكنها لا تستطيع تحويل التصنيف الإداري إلى حقيقة ميدانية بمجرد اختيار الاسم. والسؤال الذي ينبغي أن يلاحق الجيش الإسرائيلي ليس فقط: كيف مات 160 عسكريًا؟ بل كم منهم سقط فعلًا في ظروف قتالية لا تكشفها عبارة «حوادث عملياتية»؟

عباس المعلم - كاتب سياسي