لم تعد الحروب في عالم اليوم مجرد مواجهات عسكرية تُحسم على الأرض، بل أوراقاً في لعبة دولية تتغير قواعدها بتبدّل المصالح والأولويات. وبين الحرب الروسية الأوكرانية واحتمالات التصعيد مع إيران، يبرز سؤال جوهري هل يسعى دونالد ترمب إلى إنهاء الحروب، أم إلى إعادة ترتيبها بما يعزز النفوذ الأميركي ويمنح واشنطن حرية أكبر في رسم مسارات العالم؟
على الجبهة الأوكرانية، تجاوزت المواجهة حدود الأرض إلى شرايين الاقتصاد والطاقة. فالمصافي الروسية ومنشآت الغاز والكهرباء الأوكرانية باتت أهدافاً متبادلة، فيما تتعرض الموانئ والبنية التحتية لضغوط متصاعدة. ومع استمرار الهجمات بالصواريخ والمسيّرات، وسقوط ضحايا مدنيين وانقطاع الكهرباء عن مئات الآلاف، تتحول الحرب إلى استنزاف تتجاوز كلفته حدود البلدين، ليطال أمن الطاقة والأسواق العالمية.
لكن التحول الأهم يتمثل في الضغوط الأميركية لدفع كييف نحو تسوية. فالتلويح بتغيير الرئيس الأوكراني وبتقييد الدعم الاستخباراتي والعسكري، يكشف رغبة إدارة ترمب في التأثير بشروط إنهاء الحرب. في المقابل، يتمسك فولوديمير زيلينسكي بضمانات أمنية ودعم عسكري إضافي، خشية أن تتحول المفاوضات إلى تنازلات تحت الضغط. أما أوروبا، فتخشى أن يُرسم مستقبل أمنها في تفاهمات أميركية روسية لا تكون شريكاً متكافئاً فيها.
لكن لماذا يبدو إنهاء الحرب الأوكرانية مهماً لواشنطن في هذه المرحلة؟ هنا يبرز الشرق الأوسط، حيث يهدد التصعيد مع إيران بفتح مواجهة أوسع قد تستهدف منشآت نووية وتربك الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة. وقد يكون تخفيف الانشغال الأميركي بأوكرانيا محاولة لتوفير مساحة سياسية وعسكرية للتعامل مع هذا الملف .
في هذه المعادلة، تتحول الطاقة إلى سلاح استراتيجي؛ فاستهداف المنشآت النفطية والغازية يهدد الإمدادات ويرفع كلفة الصراعات على الاقتصادات العالمية. وتجد أوروبا نفسها أمام تحديين متلازمين: تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، وتعزيز قدرتها على حماية مصالحها بعيداً عن الارتهان الكامل للقرارات الأميركية.
وهنا يبرز السؤال: هل يريد ترمب إنهاء الأزمات، أم استخدامها لإعادة توزيع الأعباء وصياغة التحالفات وفق ميزان القوة والمصلحة؟ قد يجمع بين الهدفين، لكن المؤكد أن أي تفاهمات كبرى لن تكون محايدة في نتائجها، وأن الدول التي تغيب عن طاولة القرار قد تجد نفسها مضطرة إلى تحمل تكاليفه.
إن أخطر ما في المشهد ليس تعدد جبهات التوتر وحده، بل احتمال ارتباطها بمساومات تعيد رسم النفوذ العالمي. فأوكرانيا تختبر حدود الدعم الغربي، وإيران تضع المنطقة أمام احتمالات تصعيد واسع، وأوروبا تواجه سؤال استقلالها الاستراتيجي. وبين هذه الملفات، يبقى الاختبار الحقيقي لقدرة ترمب على تحويل الضغط إلى تسويات مستقرة، من دون أن تتحول محاولات ضبط الأزمات إلى شرارة لمواجهات يصعب احتواء تداعياتها.