عندما تجمع الماء في راحة يدك، يبدو شفافا. لكن إذا وضعت كمية منه في وعاء عميق، فقد تلاحظ ظهور مسحة زرقاء خفيفة. وفي المحيط، يصبح اللون الأزرق أكثر عمقا ووضوحا.
لو كان الماء يعكس السماء فحسب، لبدت مياه المحيط رمادية في الأيام الغائمة، ولكان اللون الأزرق يختفي تحت سطح الماء. لكن الغواصين يرون اللون الأزرق حتى في الأعماق، ما يعني أن السبب يكمن في الماء نفسه.
ماذا يحدث للضوء داخل الماء؟
يتكون ضوء الشمس من مزيج من جميع ألوان الطيف المرئي. وعندما يدخل الضوء إلى الماء، تبدأ جزيئات الماء بامتصاص بعض الأطوال الموجية والسماح لأطوال أخرى بالمرور.
يمتص الماء الضوء الأحمر، الذي يبلغ طوله الموجي نحو 700 نانومتر، بدرجة كبيرة. أما الضوء البرتقالي والأصفر والأخضر، فيمتصه بدرجات أقل نسبيا. في المقابل، يتأثر الضوء الأزرق والسماوي، الذي يتراوح طوله الموجي بين نحو 450 و490 نانومترا، بالامتصاص بدرجة أقل.
وفي دراسة نُشرت في مجلة Applied Optics عام 1997، قاس الباحثون طيف امتصاص الماء النقي بدقة عالية. ووجدوا أن الحد الأدنى للامتصاص يقع في المنطقة الزرقاء، عند نحو 418 نانومترا. وهذا يعني أن الضوء الأزرق يستطيع اختراق الماء لمسافة أكبر من معظم الألوان الأخرى.
كيف يزيد تشتت الضوء من زرقة المحيط؟
الامتصاص ليس الآلية الوحيدة المسؤولة عن لون الماء. فجزيئات الماء تشتت الضوء الأزرق أيضا، أي إنها تغير اتجاه انتشاره من دون تغيير طوله الموجي.
وعندما تدخل أشعة الشمس إلى الماء، ينحرف جزء من فوتونات الضوء الأزرق في اتجاهات مختلفة، ويعود بعضها نحو سطح الماء ثم إلى أعيننا.
ويوضح متخصصون من معهد وودز هول لعلوم المحيطات أن الماء يعمل مثل مرشح ضوئي يمتص الجزء الأحمر من الطيف ويترك الضوء الأزرق بدرجة أكبر. ويسهم الضوء الأزرق المتشتت والعائد نحو أعيننا في تكوين اللون الذي نراه.
هل يعكس المحيط لون السماء؟
ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن المحيط يبدو أزرق لأنه يعكس لون السماء. وكتب الفيزيائي اللورد رايلي، المعروف بأبحاثه في الضوء، في أوائل القرن العشرين أن «اللون الأزرق الداكن للبحر العميق لا علاقة له بلون الماء، بل هو ببساطة زرقة السماء التي نراها عبر الانعكاس».
لكن هذه الفكرة لم تصمد أمام الاختبارات العلمية.
فعند الغوص تحت سطح الماء، يستمر اللون الأزرق في الظهور، رغم أن السماء لا تنعكس هناك. وفي الأيام الغائمة، قد يبدو سطح المحيط رماديا، بينما تحتفظ البيئة تحت الماء بدرجات اللون الأزرق.
وهذا يدل على أن الماء نفسه يؤدي دورا أساسيا في تحديد اللون، وليس انعكاس السماء وحده.
لماذا تبدو المياه الساحلية خضراء أحيانا؟
تبدو مياه المحيط المفتوح النقية زرقاء في العادة، بينما تميل المياه الساحلية كثيرا إلى اللون الأخضر، بسبب احتوائها على كميات أكبر من العوالق النباتية والجسيمات العالقة.
ويحتوي العوالق النباتية، بما فيها الطحالب المجهرية، على صبغة الكلوروفيل التي تمتص الضوء الأزرق والأحمر، وتعكس الضوء الأخضر بدرجة أكبر. لذلك قد تبدو المياه القريبة من الشواطئ خضراء بدلا من الأزرق الداكن.
وتشير الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) إلى أن لون المحيط يتأثر بكمية الجسيمات العضوية الموجودة في الماء. ويشيع اللون الأزرق العميق في المياه المفتوحة التي تحتوي على كميات قليلة نسبيا من الكائنات الحية والجسيمات.
ماذا تكشف الأرقام عن لون الماء؟
توضح القياسات الفيزيائية كيف يؤثر امتصاص الضوء في اللون الذي نراه:
نحو 418 نانومترا: يقع الحد الأدنى لامتصاص الماء النقي ضمن هذه المنطقة من الطيف.
نحو 700 نانومتر: يمثل هذا الطول الموجي الضوء الأحمر، الذي يمتصه الماء بقوة أكبر بكثير من الضوء الأزرق.
نحو 10 أمتار: قد يختفي الضوء الأحمر إلى حد كبير عند هذا العمق، بحسب ظروف المياه والإضاءة.
نحو 100 متر: في المياه الصافية، تصبح الأطوال الموجية الزرقاء هي الأقدر على الوصول إلى هذه الأعماق مقارنة بالألوان الأخرى، مع انخفاض شدة الضوء عموما.
ويذكر المقال أن الماء يشتت الضوء بدرجة أقل بنحو خمس إلى ست مرات مقارنة بجزيئات الهواء. ومع ذلك، فإن هذا التشتت، إلى جانب الامتصاص الانتقائي للألوان، يكفي لإعادة جزء من الضوء الأزرق إلى أعيننا من أعماق تصل إلى عشرات الأمتار.
الخلاصة: الماء نفسه هو سر زرقة المحيط
لا يبدو المحيط أزرق لمجرد أنه يعكس السماء، بل لأن الماء يمتص الضوء الأحمر بدرجة أكبر ويشتت الضوء الأزرق، الذي يستطيع اختراقه لمسافات أطول.
وللماء النقي لون أزرق خفيف بطبيعته، يصبح أكثر عمقا وتشبعاً عندما تمر الأشعة عبر طبقة مائية كبيرة. أما العوالق النباتية والجسيمات العالقة، فتغير درجات اللون وقد تجعل المياه تميل إلى الأخضر.
وهكذا، فإن لون المحيط ينتج أساسا عن الخصائص البصرية للماء وتفاعله مع الضوء، وليس عن انعكاس السماء وحده.