يكون طول الإنسان في الصباح أكبر منه في المساء، وقد يصل الفرق إلى نحو سنتيمترين، رغم أن معظم الناس لا يلاحظون هذا التغير.
ولا يعود السبب أساسا إلى وضعية الجسم أو التعب أو الجاذبية بحد ذاتها، بل إلى الأقراص الموجودة بين فقرات العمود الفقري، وهي وسائد مرنة تعمل بطريقة تشبه الإسفنج.
كيف تفقد الأقراص الفقرية الماء تحت الضغط؟
لماذا ينخفض طول الإنسان مساء؟ السر في الأقراص بين الفقرات
يتكون القرص بين الفقرات من نواة هلامية تحيط بها حلقة ليفية كثيفة. وتشكل المياه نحو 80% من النواة.
عندما نقف أو نجلس أو نمشي، يضغط وزن الجسم على العمود الفقري. ويدفع هذا الضغط جزءا من الماء الموجود في الأقراص إلى الأنسجة المحيطة بها، فتقل سماكتها ويصبح العمود الفقري أقصر قليلا.
أما عندما نستلقِي، فيتراجع الضغط الواقع على الأقراص، فتبدأ بامتصاص الماء مجددا، كما تفعل قطعة الإسفنج الجافة عند ملامستها للماء. وخلال الليل، تستعيد الأقراص شكلها وسمكها تدريجيا، ولذلك يكون طولنا في الصباح أكبر من المساء.
كم سنتيمترا نفقد من طولنا خلال اليوم؟
في عام 1993، قاس باحثون يابانيون طول طفلين ووالدتهما مرتين يوميا على مدى 488 يوما. وبلغ متوسط انخفاض الطول خلال اليوم 1.78 سنتيمتر لدى الطفل الأكبر، و1.61 سنتيمتر لدى الطفل الأصغر، و1.43 سنتيمتر لدى المرأة البالغة.
واستعاد المشاركون طولهم المفقود تقريبا بالكامل خلال الليل.
وأظهرت دراسة أخرى نُشرت عام 1984 في مجلة Chronobiology International أن الفرق بين أعلى طول صباحي وأقل طول مسائي بلغ 19.3 ميليمتر، أي نحو 1.1% من الطول الإجمالي.
كما تبين أن أكثر من نصف الانخفاض يحدث خلال الساعة الأولى بعد النهوض من السرير، وأن نحو 80% منه يحدث خلال الساعات الثلاث الأولى. وبعد ذلك، يتباطأ معدل انخفاض الطول.
وفي عام 1999، توقعت دراسة نُشرت في مجلة Journal of Spinal Disorders انخفاضا في الطول بمقدار 11.7 ميليمترا مباشرة بعد التعرض للضغط، و19.6 ميليمترا بعد ثماني ساعات من الوقوف. وجاءت هذه التقديرات متوافقة مع نتائج القياسات الفعلية.
صباحا أطول ومساء أقصر ... ثم يتكرر الأمر ليلا
أكدت دراسة نُشرت عام 2017 في مجلة HOMO أن الرجال والنساء يفقدون خلال اليوم مقادير متقاربة من الطول. فقد بلغ متوسط الانخفاض 6.9 ميليمترات لدى الرجال و7.4 ميليمترات لدى النساء خلال فترة تقارب سبع ساعات.
ووجد الباحثون أيضا أن الأشخاص ذوي الوزن الأكبر قد يفقدون قدرا أكبر من طولهم خلال اليوم. ويُفسر ذلك بأن زيادة الوزن ترفع الضغط على الأقراص بين الفقرات، ما قد يؤدي إلى خروج كمية أكبر من الماء منها.
وخلال الليل، تنعكس هذه العملية. ووفقا للدراسة اليابانية نفسها، زاد طول المشاركين الثلاثة أثناء النوم بمقدار 1.79 و1.63 و1.43 سنتيمتر على التوالي.
وحدث نحو 71% من هذه الزيادة خلال النصف الأول من الليل.
لماذا ينبغي مراعاة وقت قياس الطول؟
يأخذ الأطباء التغير الطبيعي في الطول خلال اليوم في الحسبان، لأن قياس الشخص في أوقات مختلفة قد يعطي نتائج تتباين بمقدار سنتيمتر أو أكثر.
وقد يؤثر ذلك في تقييم نمو الأطفال أو في فحص حالات الاشتباه باضطرابات الغدد الصماء، إذا لم يُراعَ توقيت القياس.
وفي عام 1997، نشر باحثون من جامعة بريستول دراسة في مجلة Archives of Disease in Childhood، قاسوا خلالها أطوال الأطفال صباحا وفي أوقات مختلفة من اليوم.
وأظهرت النتائج انخفاضا ملحوظا في الطول خلال النصف الأول من اليوم، لكن هذا الانخفاض توقف بعد نحو ست ساعات من الاستيقاظ.
وخلص الباحثون إلى ضرورة مراعاة وقت القياس عند تكرار قياس الطول، لأن تجاهل هذا العامل قد يجعل النتائج أقل موثوقية.
الخلاصة: هل يصبح الإنسان أقصر مساء؟
نعم، ينخفض طول الإنسان عادة خلال اليوم مقارنة بطوله في الصباح، وقد يتراوح الفرق بين سنتيمتر وسنتيمترين، بحسب الوزن والعمر ومستوى النشاط البدني.
والسبب هو فقدان الأقراص بين الفقرات جزءا من الماء تحت ضغط الجسم، ثم استعادتها هذا الماء وشكلها تدريجيا أثناء النوم.
هذه عملية فسيولوجية طبيعية لا تعني بحد ذاتها وجود مرض أو التقدم في العمر. وللحصول على قياس أكثر اتساقا للطول، يُفضل قياسه في الوقت نفسه من اليوم، ويفضل صباحا بعد الاستيقاظ.