عَبْدُ الْحَمِيدِ كْنَاكَرِي خُوجَة: وَسَائِلُ السَّائِلِ لِتَفْكِيكِ رَسَائِلِ الرَّزَائِلِ
مقالات
عَبْدُ الْحَمِيدِ كْنَاكَرِي خُوجَة: وَسَائِلُ السَّائِلِ لِتَفْكِيكِ رَسَائِلِ الرَّزَائِلِ

«الْمُقَاوَمَةُ الْوَطَنِيَّةُ السُّورِيَّةُ الْقَادِمَةُ لِتَحْرِيرِ التُّرَابِ السُّورِيِّ الْمُدَنَّسِ بِأَقْدَامِ الصَّهَايِنَةِ، فِي تَكَامُلٍ مَعَ الْمُقَاوَمَتَيْنِ اللُّبْنَانِيَّةِ وَالْفِلَسْطِينِيَّةِ؛ ثَلَاثُ سَاحَاتٍ تَتَقَاطَعُ فِيهَا قَضَايَا السِّيَادَةِ وَالتَّحْرِيرِ وَمُوَاجَهَةِ الْمَشْرُوعِ التَّوَسُّعِيِّ.

أَوَّلًا: خِطَابُ الْهَيْمَنَةِ وَإِعَادَةُ إِنْتَاجِ الذَّرَائِعِ

لَيْسَتْ رَسَائِلُ الْعَدُوِّ الصَّهْيُونِيِّ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُطْلَقُ فِي الْفَضَاءِ السِّيَاسِيِّ، وَلَا تَصْرِيحَاتٍ عَابِرَةً تَطْوِيهَا صَفَحَاتُ الْأَخْبَارِ؛ إِنَّهَا خِطَابٌ مُوَجَّهٌ، تَتَدَاخَلُ فِيهِ الْمَصَالِحُ بِالذَّرَائِعِ، وَتُسْتَخْدَمُ فِيهِ الْمُفْرَدَاتُ الْمُنْتَقَاةُ لِتَسْوِيغِ الْعُدْوَانِ، وَتَكْرِيسِ الْوَاقِعِ الْمَفْرُوضِ، وَتَحْوِيلِ الْقُوَّةِ الْعَارِيَةِ إِلَى مَا يُرَادُ تَسْوِيقُهُ بِوَصْفِهِ حَقًّا مَشْرُوعًا.

وَمِنْ هُنَا، لَا يَكْفِي أَنْ نَسْمَعَ الرِّسَالَةَ؛ بَلْ يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَ مَا وَرَاءَهَا، وَأَنْ نَفْحَصَ مَا تُخْفِيهِ مِنْ مَقَاصِدَ، وَمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَنَاقُضَاتٍ. فَالْخِطَابُ الَّذِي يَتَزَيَّا بِمُفْرَدَاتِ الْأَمْنِ قَدْ يُرِيدُ تَكْرِيسَ الْخَوْفِ، وَالَّذِي يَتَذَرَّعُ بِالدِّفَاعِ قَدْ يَسْعَى إِلَى تَوْسِيعِ نِطَاقِ السَّيْطَرَةِ، وَالَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنِ الْوَاقِعِ قَدْ يَرْمِي إِلَى فَرْضِهِ وَمَنْعِ تَغْيِيرِهِ.

إِنَّ تَفْكِيكَ هَذِهِ الرَّسَائِلِ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ رَفْضِهَا، بَلْ بِكَشْفِ بِنْيَتِهَا وَمُسَاءَلَةِ مَرَامِيهَا، حَتَّى لَا تَتَحَوَّلَ الدِّعَايَةُ إِلَى وَعْيٍ زَائِفٍ، وَلَا يَصِيرَ التَّضْلِيلُ حَقِيقَةً بِفِعْلِ التَّكْرَارِ.

ثَانِيًا: سُورِيَّةُ وَمَعْنَى التَّحْرِيرِ وَالسِّيَادَةِ

تَبْقَى سُورِيَّةُ، بِأَرْضِهَا وَتَارِيخِهَا وَمَكَانَتِهَا، مَعْنًى يَتَجَاوَزُ الْحُدُودَ الْجُغْرَافِيَّةَ إِلَى جَوْهَرِ السِّيَادَةِ وَالْكَرَامَةِ. وَإِنَّ وُجُودَ الْقُوَّاتِ الصَّهْيُونِيَّةِ فِي أَرَاضٍ سُورِيَّةٍ يَجْعَلُ قَضِيَّةَ التَّحْرِيرِ حَاضِرَةً فِي صُلْبِ الْمَشْهَدِ، لَا مَسْأَلَةً ثَانَوِيَّةً يُمْكِنُ تَجَاوُزُهَا بِالتَّصْرِيحَاتِ أَوْ بِتَغْيِيبِ الْحَقَائِقِ.

وَإِنَّ التُّرَابَ الَّذِي تَطَأُهُ قُوَّاتُ الِاحْتِلَالِ لَا يَفْقِدُ حَقَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَلَا تَسْقُطُ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُطَالَبَةِ بِتَحْرِيرِهِ بِتَغَيُّرِ الظُّرُوفِ. غَيْرَ أَنَّ تَحْرِيرَ الْأَرْضِ يَحْتَاجُ إِلَى وَعْيٍ بِمَوَازِينِ الْقُوَّةِ، وَإِلَى رُؤْيَةٍ وَطَنِيَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ صَوْنِ الْإِنْسَانِ، وَحِفْظِ السِّيَادَةِ، وَمَنْعِ تَحْوِيلِ الْوَطَنِ إِلَى سَاحَةٍ مُسْتَبَاحَةٍ لِمَشَارِيعَ الْآخَرِينَ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْمُقَاوَمَةَ الْوَطَنِيَّةَ السُّورِيَّةَ الْقَادِمَةَ، إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَكُونَ صَوْتًا فَاعِلًا فِي مَعَادَلَةِ التَّحْرِيرِ، فَإِنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَنِدَ إِلَى وَعْيٍ وَطَنِيٍّ جَامِعٍ، وَإِلَى أَهْدَافٍ وَاضِحَةٍ تَجْعَلُ اسْتِعَادَةَ الْأَرْضِ وَحِمَايَةَ الْإِنْسَانِ وَحْدَةً لَا تَتَجَزَّأُ.

ثَالِثًا: سُورِيَّةُ وَلُبْنَانُ وَفِلَسْطِينُ؛ تَقَاطُعُ الْقَضَايَا وَوَحْدَةُ الْمَصِيرِ:

لَيْسَ الرَّبْطُ بَيْنَ السَّاحَاتِ السُّورِيَّةِ وَاللُّبْنَانِيَّةِ وَالْفِلَسْطِينِيَّةِ مُجَرَّدَ تَجَاوُرٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ تَفْرِضُهُ حَقَائِقُ الْجِوَارِ، وَتَدَاخُلُ التَّهْدِيدَاتِ، وَمَرْكَزِيَّةُ قَضِيَّةِ فِلَسْطِينٍ فِي الْوَعْيِ الْعَرَبِيِّ. حَيْثُ تَتَجَسَّدُ قَضِيَّةُ الِاحْتِلَالِ وَحَقِّ الشَّعْبِ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَفِي لُبْنَانَ تَحْضُرُ تَجْرِبَةُ مُوَاجَهَةِ الْعُدْوَانِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْأَرْضِ، أَمَّا فِي سُورِيَّةَ فَتَبْقَى السِّيَادَةُ وَاسْتِعَادَةُ الْأَرَاضِي الْمُحْتَلَّةِ مِنَ الْقَضَايَا الْمِحْوَرِيَّةِ.

وَلَا تَعْنِي وَحْدَةُ الْقَضَايَا إِلْغَاءَ خُصُوصِيَّةِ كُلِّ سَاحَةٍ، وَلَا فَرْضَ تَطَابُقٍ كَامِلٍ فِي الْأَوْلَوِيَّاتِ وَالْوَسَائِلِ؛ بَلْ تَعْنِي إِدْرَاكَ الْمَصَالِحِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَتَعْزِيزَ التَّضَامُنِ، وَمَنْعَ الْخِلَافَاتِ مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى ثَغَرَاتٍ يَنْفُذُ مِنْهَا مَنْ يَسْعَى إِلَى إِضْعَافِ الْجَمِيعِ.

إِنَّ التَّكَامُلَ الْمُنْشُودَ يَقُومُ عَلَى احْتِرَامِ إِرَادَةِ الشُّعُوبِ، وَتَبَادُلِ الْخِبْرَاتِ، وَتَغْلِيبِ الْمَصْلَحَةِ الْوَطَنِيَّةِ وَالْقَوْمِيَّةِ، لَا عَلَى تَذْوِيبِ الْهُوِيَّاتِ أَوْ تَجَاهُلِ الِاخْتِلَافَاتِ. فَالْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا تَنْبَعُ مِنْ تَشَابُهِ الْجَمِيعِ، بَلْ مِنْ قُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّعَاوُنِ مَعَ صَوْنِ خُصُوصِيَّةِ كُلِّ طَرَفٍ.

رَابِعًا: تَفْكِيكُ رَسَائِلِ الرَّزَائِلِ وَمُوَاجَهَةُ التَّضْلِيلِ:

هُنَا تَتَجَلَّى دَلَالَةُ الْعُنْوَانِ: «وَسَائِلُ السَّائِلِ لِتَفْكِيكِ رَسَائِلِ الرَّزَائِلِ». فَالْمَقْصُودُ لَيْسَ إِعَادَةَ تَدْوِيرِ خِطَابِ الْعَدُوِّ، وَلَا تَكْرَارَ مَا يَبُثُّهُ مِنْ أَضَالِيلَ، بَلْ تَحْلِيلُ رَسَائِلِهِ، وَكَشْفُ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ أَطْمَاعٍ وَمَرَامٍ، وَإِبْرَازُ التَّنَاقُضِ بَيْنَ مَا يُعْلَنُ وَمَا يُمَارَسُ عَلَى الْأَرْضِ.

وَتَبْدَأُ الْمُوَاجَهَةُ بِالْمَعْرِفَةِ: مَعْرِفَةِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَخْدِمُهَا الرِّسَالَةُ، وَالْجِهَةِ الَّتِي تُوَجَّهُ إِلَيْهَا، وَالْأَثَرِ الَّذِي يُرَادُ لَهَا أَنْ تُحْدِثَهُ فِي الْوَعْيِ الْجَمْعِيِّ. ثُمَّ تَأْتِي مُسَاءَلَةُ الْمُفْرَدَاتِ، وَمُقَارَنَةُ الِادِّعَاءَاتِ بِالْوَقَائِعِ، وَتَفْكِيكُ الْمُبَرِّرَاتِ الَّتِي تُسْتَخْدَمُ لِتَغْطِيَةِ الِاحْتِلَالِ أَوْ تَطْبِيعِهِ.

وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِخِطَابٍ انْفِعَالِيٍّ مُنْفَلِتٍ، بَلْ بِحُجَّةٍ رَاسِخَةٍ، وَلُغَةٍ مَسْؤُولَةٍ، وَوَعْيٍ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالدِّعَايَةِ. فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْوَعْيُ، ضَاقَ الْمَجَالُ أَمَامَ التَّضْلِيلِ؛ وَكُلَّمَا تَعَزَّزَتْ قُدْرَةُ الشُّعُوبِ عَلَى قِرَاءَةِ الْخِطَابِ السِّيَاسِيِّ، صَعُبَ فَرْضُ الْوَهْمِ عَلَيْهَا.

خَامِسًا: مِنْ وَعْيِ الْقَضِيَّةِ إِلَى أُفُقِ التَّحْرِيرِ:

إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الْمُقَاوَمَةِ وَالتَّحْرِيرِ لَا يَكْتَمِلُ بِالشِّعَارَاتِ وَحْدَهَا؛ فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى بِنَاءٍ وَعْيِيٍّ وَسِيَاسِيٍّ، وَإِلَى تَمَاسُكٍ اجْتِمَاعِيٍّ، وَإِلَى رُؤْيَةٍ تَجْعَلُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ وَحَقَّهُ فِي الْأَمْنِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي صُلْبِ الْمَشْرُوعِ الْوَطَنِيِّ. فَالْأَرْضُ لَا تَسْتَعِيدُ مَكَانَتَهَا بِالْخِطَابِ وَحْدَهُ، وَالْحُقُوقُ لَا تَصُونُهَا الْأَمَانِيُّ، بَلْ يَحْمِيهَا الْوَعْيُ وَالْعَمَلُ الْمُنَظَّمُ وَالْإِرَادَةُ الْجَامِعَةُ.

وَفِي هَذَا الْأُفُقِ، تَتَلَاقَى الْقَضِيَّةُ السُّورِيَّةُ مَعَ الْقَضِيَّتَيْنِ اللُّبْنَانِيَّةِ وَالْفِلَسْطِينِيَّةِ، لَا لِتَذُوبَ إِحْدَاهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ، بَلْ لِتَتَعَزَّزَ الْقُدْرَةُ عَلَى مُوَاجَهَةِ الِاحْتِلَالِ وَالْعُدْوَانِ، وَالدِّفَاعِ عَنِ السِّيَادَةِ، وَصَوْنِ حَقِّ الشُّعُوبِ فِي تَقْرِيرِ مُسْتَقْبَلِهَا.

وَتَبْقَى الْكَلِمَةُ الْفَاصِلَةُ أَنَّ رَسَائِلَ الْعَدُوِّ، مَهْمَا تَزَيَّنَتْ بِالْمُبَرِّرَاتِ، لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْحُوَ حَقَائِقَ الْأَرْضِ وَالتَّارِيخِ، وَأَنَّ تَفْكِيكَهَا يَبْدَأُ مِنْ تَحْرِيرِ الْوَعْيِ مِنْ سُلْطَةِ الدِّعَايَةِ، وَأَنَّ تَحْرِيرَ الْأَرْضِ يَظَلُّ أُفُقًا وَطَنِيًّا وَإِنْسَانِيًّا يَسْتَحِقُّ الْعَمَلَ الْجَادَّ وَالْمَوْقِفَ الْمَسْؤُولَ.

فَحِينَ تَتَّضِحُ الْوَسَائِلُ، تَنْكَشِفُ الرَّسَائِلُ؛ وَحِينَ تُفَكَّكُ رَسَائِلُ الرَّزَائِلِ، يَسْتَعِيدُ الْوَعْيُ قُدْرَتَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَتَتَجَدَّدُ الْإِرَادَةُ فِي طَرِيقِ السِّيَادَةِ وَالتَّحْرِيرِ.

فَلَا سِيَادَةَ تُصَانُ بِوَعْيٍ غَائِبٍ، وَلَا كَرَامَةَ تُسْتَعَادُ بِإِرَادَةٍ مُشَتَّتَةٍ، وَلَا مُسْتَقْبَلَ يُبْنَى عَلَى أَوْهَامٍ تُزَيِّنُهَا أَبْوَاقُ التَّضْلِيلِ. إِنَّهَا مَعْرَكَةُ الْوَعْيِ قَبْلَ الْمَيْدَانِ، وَبَوْصَلَةُ الْحَقِّ فِي مُوَاجَهَةِ زَيْفِ الرِّوَايَاتِ؛ فَحِينَ تَتَوَحَّدُ الرُّؤْيَةُ، وَتَتَآلَفُ الْإِرَادَاتُ، يُصْبِحُ اسْتِرْدَادُ الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ أُمْنِيَةٍ، وَيَغْدُو التَّحْرِيرُ وَعْدًا تَصْنَعُهُ الشُّعُوبُ بِوَعْيِهَا، وَتَصُونُهُ بِكَرَامَتِهَا، وَتَكْتُبُهُ بِمِدَادِ السِّيَادَةِ عَلَى صَفَحَاتِ التَّارِيخِ.

كَاتِبٌ دِمَشْقِيٌّ حُرٌّ فِي الْغُرْبَةِ.