عَبْدُ الحَمِيدِ كَنَاكِرِي خُوجَة: شَعْبُ العَرَاقَةِ... تَزَاحُمٌ عَلَى التَّرَاحُمِ وَالتَّلَاحُمِ؛ أَرْصِدَةُ الأَفْئِدَةِ.
منوعات
عَبْدُ الحَمِيدِ كَنَاكِرِي خُوجَة: شَعْبُ العَرَاقَةِ... تَزَاحُمٌ عَلَى التَّرَاحُمِ وَالتَّلَاحُمِ؛ أَرْصِدَةُ الأَفْئِدَةِ.
عبد الحميد كناكري خوجة|كاتب من سورية
7 تشرين الثاني 2026 , 11:51 ص

«السَّيِّدُ عَلِيٌّ خَامِنَئِيٌّ... وَصَايَا القَائِدِ الشَّهِيدِ حِينَ تَسْتَحِيلُ فِي ضَمَائِرِ شَعْبِهِ عَهْدًا لَا يُنْقَضُ، وَمِيثَاقًا لَا يَخْبُو؛ فَتَتَعَانَقُ القُلُوبُ عَلَى صَوْنِ الدِّيَارِ، وَتَتَآلَفُ السَّوَاعِدُ لِدَرْءِ الأَخْطَارِ، وَيَتَزَاحَمُ أَبْنَاءُ الحَضَارَةِ الفَارِسِيَّةِ عَلَى التَّرَاحُمِ وَالتَّلَاحُمِ؛ فَيَغْدُو الوَعْيُ حِصْنًا، وَالوَفَاءُ دِرْعًا، وَالوَطَنُ أَمَانَةً تَتَوَارَثُهَا الأَجْيَالُ».

حِينَ تُصْبِحُ الأَوْطَانُ امْتِحَانًا لِلْوَعْيِ، وَتَغْدُو الشُّعُوبُ ذَاكِرَةً لَا تَنْحَنِي:

لَيْسَتْ طَهْرَانُ فِي مُقَارَبَتِي مُجَرَّدَ عَاصِمَةٍ تُسْتَحْضَرُ فِي نَشَرَاتِ الأَخْبَارِ، وَلَا بِلَادُ فَارِسَ صَفْحَةً مِنْ مَاضٍ تَلِيدٍ نَطْوِيهَا كُلَّمَا تَبَدَّلَتْ خَرَائِطُ السِّيَاسَةِ؛ إِنَّهَا حَاضِرَةٌ فِي مُعَادَلَاتِ مِنْطَقَتِنَا، بِمَا تَخْتَزِنُهُ مِنْ تَارِيخٍ حَضَارِيٍّ، وَثِقَلٍ جِيُوسِيَاسِيٍّ، وَتَجَاذُبَاتٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَهَا إِلَى فَضَاءٍ إِقْلِيمِيٍّ مُتَشَابِكِ المَصَالِحِ وَالمَصَائِرِ. وَمِنْ هُنَا يَنْصَبُّ اهْتِمَامِي عَلَى مَوَاقِفِهَا وَشَعْبِهَا العَرِيقِ؛ تَقْدِيرًا لِتَارِيخٍ مُتَجَذِّرٍ، وَاهْتِمَامًا بِمَصِيرِ شَعْبٍ يَمْتَلِكُ إِرْثًا حَضَارِيًّا يَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ، وَإِيمَانًا بِأَنَّ قِرَاءَةَ الأَحْدَاثِ لَا تَسْتَقِيمُ إِذَا أُغْفِلَ الإِنْسَانُ، وَلَا يَكْتَمِلُ فَهْمُ السِّيَاسَةِ إِذَا عُزِلَتْ عَنْ ذَاكِرَةِ الشُّعُوبِ وَوَعْيِهَا وَإِرَادَتِهَا.

إِنَّنِي أَكْتُبُ عَنْ إِيرَانَ؛ لِأَنَّ مَا يَجْرِي حَوْلَهَا يُثِيرُ أَسْئِلَةً تَتَّصِلُ بِمَعْنَى السِّيَادَةِ، وَحَقِّ الشُّعُوبِ فِي صَوْنِ خِيَارَاتِهَا، وَحُدُودِ القُوَّةِ حِينَ تَتَدَاخَلُ المَصَالِحُ الكُبْرَى مَعَ مَصَائِرِ الأُمَمِ. وَأَكْتُبُ عَنْ أَبْنَائِهَا؛ لِأَنَّ الوَطَنَ لَا تَحْرُسُهُ الجُغْرَافِيَا وَحْدَهَا؛ بَلْ تَحْرُسُهُ أَيْضًا ذَاكِرَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَثَقَافَةٌ مُتَجَذِّرَةٌ، وَرَوَابِطُ اجْتِمَاعِيَّةٌ تَتَّسِعُ لِلتَّنَوُّعِ وَتَسْتَمِدُّ مِنْ وَحْدَةِ المَصِيرِ قُوَّتَهَا. فَلَيْسَ التَّمَاسُكُ أَنْ تَتَطَابَقَ العُقُولُ، وَلَا الوَحْدَةُ أَنْ تَتَشَابَهَ المَوَاقِفُ؛ إِنَّمَا أَنْ تَتَآلَفَ الإِرَادَاتُ حَوْلَ سَلَامَةِ الوَطَنِ وَكَرَامَتِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ.

وَلَعَلَّ مَا يَمْنَحُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ دَلَالَتَهَا أَنَّ وَصَايَا القَائِدِ الشَّهِيدِ السَّيِّدِ عَلِيٍّ خَامِنَئِيٍّ، فِي دَعْوَتِهَا إِلَى الوَحْدَةِ وَالتَّمَاسُكِ وَالتَّفَانِي فِي صَوْنِ الوَطَنِ، تَضَعُ أَبْنَاءَ الشَّعْبِ أَمَامَ مَسْؤُولِيَّةٍ تَتَجَاوَزُ العَاطِفَةَ العَابِرَةَ إِلَى الوَعْيِ الدَّائِمِ: أَنْ تَكُونَ المَحَبَّةُ جِسْرًا، وَالتَّعَاوُنُ نَهْجًا، وَالتَّكَاتُفُ سَدًّا فِي وَجْهِ الأَخْطَارِ. فَالأَوْطَانُ لَا تُصَانُ بِكَثْرَةِ الشِّعَارَاتِ، بَلْ بِصِدْقِ المَوَاقِفِ؛ وَلَا تُبْنَى حُصُونُهَا بِالحِجَارَةِ وَحْدَهَا، بَلْ بِأَرْصِدَةِ الأَفْئِدَةِ حِينَ تَتَرَاكَمُ فِيهَا الثِّقَةُ، وَيَتَرَسَّخُ فِيهَا الِانْتِمَاءُ.

مِنْ وَصَايَا الوَحْدَةِ إِلَى مَلْحَمَةِ الوَعْيِ وَالتَّلَاحُمِ:

حِينَ نَتَأَمَّلُ دَلَالَاتِ وَصَايَا القَائِدِ لِأَبْنَاءِ شَعْبِهِ، نَجِدُ فِي جَوْهَرِهَا دَعْوَةً إِلَى اسْتِشْعَارِ مَسْؤُولِيَّةِ الإِنْسَانِ تُجَاهَ وَطَنِهِ، وَإِلَى تَقْدِيمِ المَصْلَحَةِ الوَطَنِيَّةِ، وَتَعْزِيزِ أَوَاصِرِ الوَحْدَةِ وَالتَّمَاسُكِ. فَالوَحْدَةُ لَيْسَتِ اصْطِفَافًا عَابِرًا تَفْرِضُهُ الظُّرُوفُ، وَلَا حَمَاسَةً مُؤَقَّتَةً تُثِيرُهَا المِحَنُ؛ إِنَّهَا ثَقَافَةٌ تُغْرَسُ، وَقِيمَةٌ تُمَارَسُ، وَعَهْدٌ يَتَجَدَّدُ كُلَّمَا احْتَاجَ الوَطَنُ إِلَى اجْتِمَاعِ أَبْنَائِهِ وَتَآلُفِ قُلُوبِهِمْ.

إِنَّ أَعْمَقَ مَا تَحْمِلُهُ هَذِهِ الوَصَايَا هُوَ اسْتِحْضَارُ الوَطَنِ بِوَصْفِهِ أَمَانَةً مُشْتَرَكَةً؛ وَالأَمَانَةُ تُصَانُ بِالعَمَلِ، وَتُحْفَظُ بِالتَّعَاوُنِ، وَتَزْدَادُ رُسُوخًا حِينَ تَتَقَدَّمُ المَصْلَحَةُ العَامَّةُ عَلَى الِاعْتِبَارَاتِ الضَّيِّقَةِ. وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى مَسْؤُولِيَّةُ أَبْنَاءِ إِيرَانَ، عَلَى اخْتِلَافِ مَشَارِبِهِمْ وَتَوَجُّهَاتِهِمْ، فِي حِمَايَةِ نَسِيجِهِمُ الوَطَنِيِّ، وَتَقْدِيمِ الحِوَارِ عَلَى الخِصَامِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى التَّنَازُعِ، وَإِدْرَاكِ أَنَّ تَنَوُّعَ الآرَاءِ لَا يَنْتَقِصُ مِنْ وَحْدَةِ المَصِيرِ. فَلَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ تَتَشَابَهَ الأَفْكَارُ حَتَّى تَتَآلَفَ القُلُوبُ، بَلْ أَنْ تَتَّسِعَ القُلُوبُ لِلِاخْتِلَافِ، وَأَنْ يَبْقَى الوَطَنُ جَامِعًا لِأَبْنَائِهِ.

وَفِي بِلَادٍ ضَارِبَةِ الجُذُورِ فِي أَعْمَاقِ التَّارِيخِ، كَإِيرَانَ، لَا تُقْرَأُ الهُوِيَّةُ فِي صَفَحَاتِ الكُتُبِ وَحْدَهَا؛ بَلْ تُرَى فِي تَرَاكُمِ اللُّغَةِ وَالفُنُونِ وَالآدَابِ، وَفِي الحَرْفِ وَالصَّنْعَةِ، وَفِي ذَاكِرَةِ المُدُنِ وَالأَسْوَاقِ وَالبُيُوتِ، وَفِي ذَلِكَ المِيرَاثِ الَّذِي تَنَاقَلَتْهُ الأَجْيَالُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ. إِنَّهَا حَضَارَةٌ تَرَكَتْ فِي وِجْدَانِ الإِنْسَانِيَّةِ آثَارًا مِنَ الشِّعْرِ وَالفِكْرِ وَالعِمَارَةِ وَالمَعْرِفَةِ؛ حَضَارَةٌ لَا تَخْتَصِرُهَا حِقْبَةٌ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ مَجْدَهَا وَصْفٌ عَابِرٌ. وَمَنْ يَقْرَأُ تَارِيخَ هَذِهِ الأَرْضِ يُدْرِكُ أَنَّ عَرَاقَتَهَا لَيْسَتْ زِينَةً تُعَلَّقُ عَلَى جِدَارِ الحَاضِرِ، بَلْ إِرْثٌ حَيٌّ تَتَجَدَّدُ قِيمَتُهُ بِمَا يُضِيفُهُ أَبْنَاؤُهَا إِلَى مَسِيرَةِ العِلْمِ وَالثَّقَافَةِ وَالبِنَاءِ.

وَهُنَا تَبْرُزُ قِيمَةُ الوَعْيِ الشَّعْبِيِّ؛ فَالوَعْيُ لَيْسَ مَعْرِفَةَ المَاضِي فَحَسْبُ، بَلْ حُسْنُ قِرَاءَةِ الحَاضِرِ وَاسْتِشْرَافُ المُسْتَقْبَلِ. وَالوَطَنِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُرْفَعُ فِي المُنَاسَبَاتِ، بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ تَتَجَلَّى فِي حِمَايَةِ المُجْتَمَعِ، وَصَوْنِ مُؤَسَّسَاتِهِ، وَالإِسْهَامِ فِي اسْتِقْرَارِهِ وَتَقَدُّمِهِ. وَالشَّعْبُ الوَاعِي يُدْرِكُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ قَدْ يُثْرِي الحَيَاةَ العَامَّةَ، وَأَنَّ الحِوَارَ سَبِيلٌ إِلَى تَقْرِيبِ الرُّؤَى، وَأَنَّ التَّمَاسُكَ الوَطَنِيَّ يَزْدَادُ قُوَّةً حِينَ يَسْتَنِدُ إِلَى المَعْرِفَةِ وَالثِّقَةِ وَالشُّعُورِ بِالمَسْؤُولِيَّةِ المُشْتَرَكَةِ.

أَمَّا الضُّغُوطُ الخَارِجِيَّةُ، حِينَ تَتَّخِذُ صُورَةَ التَّهْدِيدِ أَوِ الإِكْرَاهِ أَوِ التَّدَخُّلِ فِي خِيَارَاتِ الشُّعُوبِ، فَلَا تَكْتَسِبُ المَشْرُوعِيَّةَ لِمُجَرَّدِ أَنَّ أَصْحَابَهَا يُكْسُونَهَا بِعِبَارَاتِ المَصَالِحِ، أَوْ يُغَلِّفُونَهَا بِمُفْرَدَاتِ القُوَّةِ. فَسِيَادَةُ الدُّوَلِ لَيْسَتْ مِنْحَةً مِنْ قَوِيٍّ، وَكَرَامَةُ الشُّعُوبِ لَيْسَتْ بَنْدًا قَابِلًا لِلْمُسَاوَمَةِ فِي دَفَاتِرِ النُّفُوذِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَحَوَّلَ ثَرَوَاتُ الأُمَمِ وَمَوَارِدُهَا إِلَى مَطَامِعَ، أَوْ أَنْ تُصْبِحَ إِرَادَةُ شُعُوبِهَا سَاحَةً لِفَرْضِ الإِمْلَاءَاتِ. إِنَّ احْتِرَامَ السِّيَادَةِ مَبْدَأٌ رَاسِخٌ، وَحَقَّ الشُّعُوبِ فِي صَوْنِ مَصَائِرِهَا حَقٌّ أَصِيلٌ لَا يَنْتَقِصُ مِنْهُ تَفَاوُتُ القُوَّةِ أَوِ اخْتِلَافُ المَوَازِينِ.

وَفِي مُوَاجَهَةِ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ، تَتَّضِحُ أَهَمِّيَّةُ التَّمَاسُكِ الدَّاخِلِيِّ، لَا بِوَصْفِهِ إِلْغَاءً لِلتَّنَوُّعِ، بَلِ اعْتِبَارَهُ حَصَانَةً لِلْمُجْتَمَعِ مِنَ الِاسْتِقْطَابِ وَالتَّفَكُّكِ. وَهُنَا تَتَكَامَلُ مَسْؤُولِيَّاتُ الشَّعْبِ وَمُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الحُكُومَةُ وَالجَيْشُ وَالقُوَّاتُ المُسَلَّحَةُ؛ فَلِكُلٍّ مَوْقِعُهُ وَوَاجِبُهُ، وَتَظَلُّ سَلَامَةُ الوَطَنِ مَسْؤُولِيَّةً جَامِعَةً تَتَطَلَّبُ الكَفَاءَةَ وَالِانْضِبَاطَ وَالتَّعَاوُنَ وَالثِّقَةَ المُتَبَادَلَةَ. فَالقُوَّةُ لَا تُقَاسُ بِمَا يُرْفَعُ مِنْ شِعَارَاتٍ، بَلْ بِمَا يُنْجَزُ مِنْ وَاجِبَاتٍ، وَمَا يُصَانُ مِنْ حُقُوقٍ، وَمَا يُحْفَظُ مِنْ أَمْنِ النَّاسِ وَكَرَامَتِهِمْ.

وَلَيْسَ مِنَ الإِنْصَافِ أَنْ نَخْتَزِلَ صُمُودَ شَعْبٍ فِي مَشْهَدٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَنْ نَنْسُبَ كُلَّ إِنْجَازٍ إِلَى عَامِلٍ مُنْفَرِدٍ؛ فَالتَّارِيخُ تَصْنَعُهُ عَوَامِلُ مُتَشَابِكَةٌ، وَالإِرَادَةُ الشَّعْبِيَّةُ إِحْدَى أَهَمِّ رَكَائِزِهَا. وَإِذَا كَانَ الِانْتِصَارُ يُقَاسُ أَحْيَانًا بِنَتِيجَةِ مَعْرَكَةٍ، فَإِنَّهُ يُقَاسُ أَيْضًا بِقُدْرَةِ المُجْتَمَعِ عَلَى حِمَايَةِ تَمَاسُكِهِ، وَصِيَانَةِ مُؤَسَّسَاتِهِ، وَالحِفَاظِ عَلَى إِرَادَتِهِ وَثِقَتِهِ بِمُسْتَقْبَلِهِ. وَتِلْكَ مَكَاسِبُ لَا تُحْصَى فِي المَصَارِفِ، وَلَا تُقَدَّرُ بِأَثْمَانِ المَعَادِنِ؛ إِنَّهَا أَرْصِدَةُ الأَفْئِدَةِ حِينَ تَتَرَاحَمُ، وَمَكَاسِبُ الضَّمَائِرِ حِينَ تَتَلَاحَمُ.

وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ سِرَّ التَّزَاحُمِ الَّذِي نَعْنِيهِ: لَيْسَ تَزَاحُمًا عَلَى مَغْنَمٍ أَوْ مَنْصِبٍ، وَلَا تَدَافُعًا عَلَى مَصْلَحَةٍ ضَيِّقَةٍ؛ بَلْ تَسَابُقًا عَلَى خِدْمَةِ الوَطَنِ، وَتَنَافُسًا فِي البَذْلِ، وَتَفَانِيًا فِي صَوْنِ كَرَامَتِهِ. تَزَاحُمٌ عَلَى التَّرَاحُمِ، وَتَلَاحُمٌ فِي وَجْهِ التَّحَدِّيَاتِ، وَتَكَامُلٌ بَيْنَ الوَعْيِ وَالوَفَاءِ؛ حَتَّى لَا يُصْبِحَ تَنَوُّعُ الأَبْنَاءِ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ، بَلْ مَصْدَرَ إِثْرَاءٍ وَقُوَّةٍ، وَلَا تَتَحَوَّلَ عَرَاقَةُ التَّارِيخِ إِلَى ذِكْرَى سَاكِنَةٍ، بَلْ تَبْقَى رُوحًا نَابِضَةً فِي حَاضِرِ الأُمَّةِ وَمُسْتَقْبَلِهَا.

حِينَ تَتَرَاحَمُ الأَفْئِدَةُ، تَتَلَاحَمُ الأَوْطَانُ:

لَيْسَتْ عَظَمَةُ الشُّعُوبِ بِمَا تَخْتَزِنُهُ أَرْضُهَا مِنْ نَفَائِسَ، وَلَا بِمَا تَتَوَارَثُهُ خَزَائِنُهَا مِنْ جَوَاهِرَ؛ إِنَّمَا بِمَا تَخْتَزِنُهُ صُدُورُهَا مِنْ مُرُوءَةٍ، وَمَا تَتَوَارَثُهُ ضَمَائِرُهَا مِنْ شَهَامَةٍ، وَمَا تَنْسُجُهُ قُلُوبُهَا مِنْ وَشَائِجَ لَا تَنَالُ مِنْهَا عَوَاصِفُ المِحَنِ.؛ فالوَعْيُ إِذَا تَجَذَّرَ، وَالِانْتِمَاءُ إِذَا تَأَصَّلَ، وَالتَّرَاحُمُ إِذَا صَارَ ثَقَافَةً، فَإِنَّهَا أَرْصِدَةٌ لَا تُفْلِسُ، وَذَخَائِرُ لَا تُسْتَنْزَفُ، وَكُنُوزٌ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهَا خَزَائِنُ الطَّامِعِينَ.

إِلَى أَبْنَاءِ الجُمْهُورِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ الإِيرَانِيَّةِ، أَحْفَادِ الحَضَارَةِ الفَارِسِيَّةِ وَوَرَثَةِ الذَّاكِرَةِ العَرِيقَةِ: إِنَّ تَنَوُّعَكُمْ ثَرَاءٌ فِي نَسِيجِكُمْ، وَاخْتِلَافَ الرُّؤَى مَجَالٌ لِتَبَادُلِ الخِبْرَاتِ وَإِغْنَاءِ الحَيَاةِ؛ فَاجْعَلُوا مِنَ الحِوَارِ جِسْرًا، وَمِنَ التَّعَاوُنِ نَهْجًا، وَمِنْ صَوْنِ الوَطَنِ مِيثَاقًا تَتَعَاهَدُ عَلَيْهِ الضَّمَائِرُ. تَنَافَسُوا فِي البَذْلِ لَا فِي البَغْضَاءِ، وَتَسَابَقُوا إِلَى التَّرَاحُمِ لَا إِلَى التَّنَاحُرِ، وَاجْعَلُوا كَرَامَةَ الإِنْسَانِ وَسَلَامَةَ الدِّيَارِ غَايَةً تَتَآلَفُ حَوْلَهَا الإِرَادَاتُ.

وَلْتَبْقَ وَصَايَا القَائِدِ بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ دَعْوَةٍ إِلَى الوَحْدَةِ وَالتَّمَاسُكِ وَالتَّفَانِي فِي سَبِيلِ الوَطَنِ، حَافِزًا عَلَى تَحْوِيلِ المَحَبَّةِ إِلَى مَسْؤُولِيَّةٍ، وَالوَفَاءِ إِلَى عَمَلٍ، وَالِانْتِمَاءِ إِلَى سُلُوكٍ يُرَى فِي مَيَادِينِ الحَيَاةِ. فَالقِيمَةُ العَظِيمَةُ لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ القَوْلِ؛ إِنَّمَا تَكْتَسِبُ خُلُودَهَا حِينَ تَتَحَوَّلُ إِلَى وَعْيٍ فِي العُقُولِ، وَإِخْلَاصٍ فِي المَوَاقِفِ، وَعَطَاءٍ تَتَوَارَثُهُ الأَجْيَالُ.

أَمَّا الطَّامِعُونَ، فَلْيُدْرِكُوا أَنَّ الأَوْطَانَ لَيْسَتْ مَوَائِدَ مَبْسُوطَةً لِمَنْ يَشَاءُ الِاقْتِسَامَ، وَأَنَّ الشُّعُوبَ لَيْسَتْ أَرْقَامًا فِي حِسَابَاتِ النُّفُوذِ، وَلَا ثَرَوَاتُهَا غَنَائِمَ تَنْتَظِرُ مَنْ يَمُدُّ إِلَيْهَا يَدَهُ. إِنَّ السِّيَادَةَ كَرَامَةٌ، وَالِاسْتِقْلَالَ إِرَادَةٌ، وَحَقَّ الشُّعُوبِ فِي صَوْنِ مَصَائِرِهَا لَيْسَ مِنْحَةً تُوهَبُ، بَلْ حَقٌّ أَصِيلٌ تَصُونُهُ عَزَائِمُ أَبْنَائِهَا.

يَا بِلَادَ فَارِسَ، يَا ذَاكِرَةَ المِسْكِ وَالرَّيْحَانِ، وَيَا مَوْطِنَ الحَرْفِ الَّذِي صَافَحَ الجَمَالَ، وَالفِكْرِ الَّذِي جَاوَرَ الجَلَالَ؛ مَا أَجْمَلَ أَنْ تَتَزَاحَمَ فِيكِ الأَيْدِي عَلَى العَطَاءِ، وَتَتَرَاحَمَ فِيكِ القُلُوبُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَتَتَلَاحَمَ فِيكِ الإِرَادَاتُ حِينَ يُمْتَحَنُ المَصِيرُ. كُونِي، بِأَبْنَائِكِ، أَرْضًا تَتَّسِعُ لِلْمَحَبَّةِ، وَبِالعِلْمِ وَالعَمَلِ وَالبِنَاءِ وَاصِلِي مَسِيرَتَكِ الحَضَارِيَّةَ؛ فَالمَجْدُ لَا يُصَانُ بِالحَنِينِ وَحْدَهُ، بَلْ بِمَا تَصْنَعُهُ الأَجْيَالُ مِنْ حَاضِرٍ يَلِيقُ بِالمَاضِي، وَمُسْتَقْبَلٍ يَلِيقُ بِالطُّمُوحِ.

فَلْيَكُنِ التَّزَاحُمُ عَلَى التَّرَاحُمِ، وَالتَّنَافُسُ عَلَى التَّلَاحُمِ، وَلْيَكُنِ الِاخْتِلَافُ فِي الرَّأْيِ بَابًا لِلْحِكْمَةِ لَا مَنْفَذًا لِلْفُرْقَةِ؛ فَالأَوْطَانُ لَا تَحْفَظُهَا الجُدْرَانُ وَحْدَهَا، بَلْ تَحْفَظُهَا القُلُوبُ حِينَ تَتَآلَفُ، وَالعُقُولُ حِينَ تَتَبَصَّرُ، وَالسَّوَاعِدُ حِينَ تَتَكَاتَفُ. وَحِينَ تُصْبِحُ الأَفْئِدَةُ خَزَائِنَ لِلْمَحَبَّةِ، يَغْدُو الشَّعْبُ ثَرْوَةً لَا تُنْهَبُ، وَالوَطَنُ أَمَانَةً لَا تُفَرِّطُ فِيهَا الأَجْيَالُ، وَالوَعْيُ رَايَةً تَظَلُّ مَرْفُوعَةً فِي وَجْهِ التَّحَدِّيَاتِ.

تِلْكَ هِيَ أَرْصِدَةُ الأَفْئِدَةِ؛ لَا تُقَاسُ بِمَا تَمْلِكُ الأَيْدِي، بَلْ بِمَا تَصُونُهُ القُلُوبُ. وَتِلْكَ هِيَ عَرَاقَةُ الشُّعُوبِ: أَنْ تَرِثَ المَجْدَ فَلَا تَكْتَفِيَ بِالتَّغَنِّي بِهِ، بَلْ تَصُونَهُ بِالفِعْلِ، وَتُجَدِّدَهُ بِالوَعْيِ، وَتُوَرِّثَهُ لِلْأَجْيَالِ عَمَلًا نَبِيلًا وَأَثَرًا جَمِيلًا.

كَاتِبٌ بَاحِثٌ وَإِعْلَامِيٌّ سَابِقٌ فِي الغُرْبَةِ.