عَبْدُ الحَمِيدِ كَنَاكْرِي خُوجَة: السلام بين الدبلوماسية والسيادة: الجزائر صوتُ الحكمة والكلمة النزيهة في زمن الحروب.
مقالات
عَبْدُ الحَمِيدِ كَنَاكْرِي خُوجَة: السلام بين الدبلوماسية والسيادة: الجزائر صوتُ الحكمة والكلمة النزيهة في زمن الحروب.
عبد الحميد كناكري خوجة
24 تشرين الأول 2026 , 16:16 م


حين تضيق لغة السلام وتتسع خرائط النار

ليست الحروبُ أحداثًا عابرةً تُطوى صفحاتُها بانتهاء المعارك، بل زلازلُ سياسية وإنسانية تتجاوز الحدود، وتترك في الذاكرة جراحًا، وفي الاقتصاد أعباءً، وفي مستقبل الشعوب أسئلةً لا تجيب عنها المدافع. وحين تتنازع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ، يصبح السلام اختبارًا للنيات، والسيادة معيارًا لاحترام الدول، والحقوق ميزانًا لصدق المبادرات.

من هنا، تبرز أهمية النقاش حول مسارات السلام في غرب آسيا، بين محورٍ يراهن على الدبلوماسية والمفاوضات، وآخر يرى أن الدبلوماسية لا تكتمل فاعليتها إلا بامتلاك عناصر القوة والقدرة على حماية السيادة. وبين الرؤيتين، تبقى الشعوب صاحبة الحق الأول في الأمن والاستقرار والحياة الكريمة.

من اتساع رقعة الصراع إلى ضرورة الحل العادل

لم تعد تداعيات الصراعات محصورةً في ساحة واحدة؛ فقد امتدت آثار الحروب والتوترات إلى سورية ولبنان واليمن، وطالت الأردن بحكم موقعه وتداعيات الأزمات المحيطة به، فيما بلغ التصعيد ذرواتٍ خطيرةً بوصوله إلى إيران، بما يحمله ذلك من مخاطر على استقرار المنطقة بأسرها.

إن تناول هذه التطورات يقتضي احترام شعوب المنطقة ودولها، والتمييز بين نقد السياسات وتحميل الشعوب تبعاتها. فإيران دولة ذات سيادة، وشعبها جدير بالأمن والكرامة، كما أن احترام حقها في الاستقلال وصون مصالحها الوطنية لا يتعارض مع الدعوة إلى تجنيب المنطقة مزيدًا من التصعيد، بل يشكّل جزءًا من أي رؤية جادة للاستقرار.

وفي المقابل، لا يمكن بناء سلام مستدام على منطق الإملاء أو ازدواجية المعايير، ولا على اختزال الأمن في امتلاك القوة وحدها. فالقوة التي لا تضبطها الحكمة قد توسّع دائرة المواجهة، والدبلوماسية التي لا تستند إلى ضماناتٍ عادلة قد تتحول إلى جولاتٍ مؤقتة تؤجل الانفجار بدل أن تعالج أسبابه.

إن المطلوب ليس المفاضلة العاطفية بين الشعارات، بل اختبار النتائج: أيُّ مسارٍ يحمي المدنيين؟ وأيُّ تسويةٍ تحترم سيادة الدول؟ وأيُّ تفاوضٍ يعالج جذور النزاع بدل الاكتفاء بإدارة أزماته؟ فالسلام الحقيقي ليس استسلامًا يُفرض على طرف، ولا غطاءً سياسيًا لمصالح الأقوى، بل اتفاقٌ متوازنٌ يحفظ الحقوق ويمنع تجدد الحرب.

وقد أثبتت الأزمات المتلاحقة أن اضطراب منطقة غرب آسيا لا يبقى محصورًا داخل حدودها؛ إذ تتأثر به أسواق الطاقة والتجارة والملاحة الدولية، وتنعكس تداعياته على الاقتصاد العالمي، ولا سيما حين تتصاعد المخاطر حول الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب. وهكذا يدفع الأبرياء، في كثير من الأحيان، أثمان حساباتٍ لم يشاركوا في صنعها.

الجزائر: المصالحة حصنٌ للسيادة وضمانةٌ للحقوق

في هذا المشهد المضطرب، تتجلى أهمية الجزائر، دولةً وشعبًا، بما تحمله من رصيدٍ تاريخي في الدفاع عن السيادة ورفض الوصاية، وبما تمثله من قيمةٍ في دعم الحوار وتقريب وجهات النظر وجمع الأشقاء. وليس تقدير الدور الجزائري مجاملةً عابرة، بل اعترافٌ بأهمية النهج الذي يجعل الحلول السياسية سبيلًا لتخفيف التوتر، ويحفظ للدول استقلال قرارها وكرامة شعوبها.

والمصالحة التي تستحق الدفاع عنها ليست مصالحةً شكليةً تُخفي الجراح تحت غطاء المجاملات، ولا تسويةً تطلب من المظلوم أن يتنازل فيما يُترك الظلم بلا معالجة. إنها مسارٌ شجاعٌ لمعالجة أسباب الخلاف، وإعادة بناء الثقة، وصون الحقوق المشروعة، واحترام سيادة الدول، والاحتكام إلى القانون الدولي من دون انتقائية.

ومن هذا المنطلق، فإن موقفي واضح: أدعم المصالحة التي تمنع الانقسام، والسيادة التي ترفض الإملاء، والحقوق التي لا تُمحى من ذاكرة الشعوب، والسلام الذي لا يتحول إلى مكافأةٍ للأقوى أو عبءٍ إضافي على الأضعف. وأرى في الدور الجزائري فرصةً لتعزيز ثقافة الحوار، متى اقترنت المبادرات بحماية الاستقلال الوطني والإنصاف واحترام إرادة الشعوب.

سلامٌ يصون الكرامة ولا يساوم على الحقوق

إن مستقبل غرب آسيا لن تصنعه كثرةُ الجبهات، ولا ضجيجُ التصريحات، بل شجاعةُ القرارات التي توقف نزيف الدم وتفتح أبواب الحل العادل. ومن سورية ولبنان واليمن والأردن إلى إيران، تحتاج المنطقة إلى مقاربةٍ تُقدّم حياة الإنسان على حسابات التصعيد، وتحترم سيادة الدول، وتمنح الدبلوماسية فرصةً حقيقيةً لا تُفرغها الضغوط من مضمونها.

وتبقى الجزائر، بما تمثله من تاريخٍ وطني ورصيدٍ دبلوماسي، جديرةً بالتقدير حين تسهم في تقريب المسافات وإعلاء لغة الحوار. فالمصالحة ليست نسيانًا للحقوق، والسيادة ليست عزلةً عن العالم، والسلام ليس صمتًا مفروضًا على أصحاب المظالم.

السيادة كرامة، والمصالحة حكمة، والحقوق أساس السلام لا ثمنه.