كتب : موسى عبّاس
لم يكن المقدّم الشهيد محمد سامي فرحات مجرد رائد عابر في سجلات الجيش اللبناني؛ بل تحوّل في وجدان اللبنانيين والعرب إلى رمز سيادي حي، بعد أن سطّر واحدة من أجرأ مواجهات القتال الفردي والمباشر والمبثوث على الهواء مع جيش العدو الصهيوني عند الحدود الجنوبية للبنان. مواجهةٌ حُفرت في الذاكرة، قبل أن يلحق فرحات بقوافل الشهداء غدراً، مستهدفاً أثناء تأديته لواجبه العسكري والإنساني.
موقعة عيتا الشعب: العين تقاوم المخرز
تعود تفاصيل الحادثة الحدودية التي دخلت التاريخ إلى الخامس من آذار/مارس 2023، وتحديداً عند الخط الأزرق في خراج بلدة عيتا الشعب الحدودية. في ذلك اليوم، حاولت قوة مدججة من جيش كيان الاحتلال التقدم لتثبيت وتد حديدي وسلك شائك في نقطة حدودية متنازع عليها، في مسعى واضح لقضم جزء من الأرض وتغيير معالم الحدود القائمة.
فور رصد التعدي، أظهر الشهيد فرحات (الذي كان برتبة نقيب آنذاك ويشغل منصب نائب قائد كتيبة) اندفاعة وطنية استثنائية. تخطى آليات قوات الطوارئ الدولية ("اليونيفيل") التي كانت تفصل بين الطرفين، وتقدم بصدر مكشوف وثبات مطلق نحو الضابط الصهيوني وجنوده. وبجرأة وعنفوان، انتزع الوتد الحديدي بيده من الأرض رامياً به أرضاً، معلناً بصرامة: "هيدي أرضنا.. تراجعوا".
ولم يقف التحدي عند هذا الحد؛ فحين أبدى ضبّاط الاحتلال تردداً، التفت فرحات إلى جنوده في الجيش اللبناني وأصدر أمر العمليات القتالي الأكثر شهرة في تاريخ المواجهات الحدودية الحديثة: "عسكر.. بس قلك لقّم بتلقّم". وأمام جهوزية البنادق اللبنانية وعينين لم تعرفا الخوف، تراجع ضباط كيان الاحتلال وجنودهم صاغرين خلف سياجهم، عاجزين عن مواجهة هذا الموقف البطولي المباشر رغم إمكاناته المتواضعة.
اغتيال من السماء.. هربوا من الميدان وانتقموا غدراً
هذا الجيش الصهيوني الذي عجز ضباطه ونخبة جنوده عن مواجهة الرائد فرحات عيناً لعين في الميدان المفتوح، تحيّن الفرصة لترصّده والانتقام منه. وجاءت اللحظة فجر الرابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2024، حين تجلّت في البطل شجاعة قتالية توازيها رحمة إنسانية مطلقة.
فبناءً على نداءات استغاثة إنسانية لإنقاذ جرحى ومصابين علقوا تحت الأنقاض جراء القصف المستمر، قاد الرائد فرحات قوة إخلاء إنسانية وتوجه إلى خراج بلدة ياطر (قضاء بنت جبيل). وبينما كان البطل وبقية عناصر القوة يبذلون قصارى جهدهم تحت الخطر الشديد لإسعاف المصابين وإنقاذ الأرواح، رصدته طائرة مسيّرة تابعة لكيان الاحتلال واستهدفته بشكل مباشر وغادر.
ارتفع الرائد محمد فرحات شهيداً (ورُقّي بعد استشهاده إلى رتبة مقدم) رفقة عسكريين من رفاقه الأبطال، ليرسم بدمائه الطاهرة معادلة الكرامة اللبنانية؛ عجزوا عن مواجهته رجالاً وجهاً لوجه في عيتا الشعب، فاغتالوا جسده غدراً من السماء في ياطر.
صرخة من أجل جيش بمستوى شجاعة أبطاله
إن استشهاد محمد فرحات يعيد إحياء تلك المدرسة السيادية الصلبة التي أسس لها كبار الضباط في تاريخنا؛ إننا نريد جيشاً من طراز العميد الراحل أمين حطيط، الذي قاد معركة ترسيم الحدود عام 2000 بكل حنكة وشجاعة، رافضاً التراجع أو التنازل عن بضع سنتمترات من تراب الوطن أمام ضغوط كيان الاحتلال والأمم المتحدة عند الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة.
نريد جيشاً من طراز المقدّم الشهيد محمد فرحات؛ يواجه ولا يتراجع، يقف شامخاً ولا ينحني، لا يهاب جبروت جيش الاحتلال الصهيوني رغم إمكاناته المتواضعة. نريد جيشاً تحميه الأرض وأهله، يقاتل إلى جانب أبناء الوطن الذين يضحون بأرواحهم دفاعاً عن كرامة وطنهم.
لقد آن الأوان ليكون لدينا جيشٌ تسليحه بمستوى شجاعته، يمتلك أحدث الأسلحة لردع الأطماع؛ لا جيشاً سينتظر أن تتمنن عليه حكومة بلاده براتب لا يُسمن ولا يغني من جوع، ولا جيشاً تتكرم عليه إمبراطورية الشر أمريكا بآليات تريد التخلص منها، أو ببضعة دولارات تعتقد أنها تشتري كرامته بهم؛ ولا باتفاقيات العار والإطار والتطبيع، ولا بالخضوع لإملاءات خدام الكيان الصهيوني "ترامب ووزير خارجيته روبيو،" الذين يعتقدون أنفسهم وكلاء الله على الأرض ولا بإتباعهم من الأعراب المتصهينين الذين يعتقدون أنهم بأموالهم يشترون كرامات الآخرين بينما هم يسعون إلى إذكاء نار الفِتن بين الشعوب تنفيذاً لرغبات اسيادهم .
رحل المقدّم محمد فرحات جسداً، ليلتحق بقامات وطنية تركت بصمتها على خطوط المواجهة. لكن مقطع الفيديو التاريخي الذي وثّق وقفته، وتلك القبضة التي خلعت أوتاد الاحتلال، وصيحة الكرامة التي هزت الحدود، ستبقى درساً أبدياً للأجيال في الشجاعة والسيادة، وشاهداً على أن الأرض لا تُحمى بالبيانات ولا بالقرارات المتهَوِرة ، بل بدم الرجال وبنادق الأبطال المستندة إلى إرادة مواجهة صلبة لا تنكسر.
#محمد_فرحات #أمين_حطيط #بس_قلك_لقم_بتلقم #عيتا_الشعب #جنوب_لبنان #الجيش_اللبناني