‏لماذا تتمتع الكتب القديمة برائحة مميزة؟ العلم يكشف السر الكيميائي
منوعات
‏لماذا تتمتع الكتب القديمة برائحة مميزة؟ العلم يكشف السر الكيميائي
28 تشرين الأول 2026 , 14:14 م

يمكن التعرف على رائحة الكتب القديمة بسهولة، فهي حلوة قليلا، وتمتزج فيها أحيانا رائحة الغبار والفانيليا واللوز، وقد تذكر البعض برائحة الخزائن الخشبية القديمة. لكن وراء هذه الرائحة المميزة سلسلة من التفاعلات الكيميائية التي تستمر داخل الورق لسنوات طويلة.

‏وتتكون هذه الرائحة من مئات المركبات الكيميائية التي تنطلق مع تحلل مكونات الورق تدريجيا، وفقا لما يوضحه تقرير علمي نشره موقع «Наука Mail» الروسي.

‏ما الذي يمنح الكتب القديمة رائحتها؟

‏الورق مادة عضوية، وحتى عندما يبقى الكتاب ساكنا على رف المكتبة، تستمر التفاعلات الكيميائية داخله. إذ يتفاعل الأكسجين الموجود في الهواء ببطء مع ألياف الورق، بينما تسهم الرطوبة في حدوث التحلل المائي، ويضيف الضوء طاقة تساعد على تسريع بعض التفاعلات.

‏ومع مرور الوقت، تتفكك الجزيئات الكبيرة إلى أجزاء أصغر، يتطاير بعضها في الهواء، فتصل إلى مستقبلات الشم عندما نفتح الكتاب.

‏ويطلق الباحثون على هذه المواد اسم «المركبات العضوية المتطايرة»، وهي مركبات تنتقل إلى الهواء بسهولة نسبية.

‏وفي عام 2009، أشار باحثون في الجمعية الكيميائية الأمريكية (ACS) إلى أن رائحة الكتب القديمة المألوفة تتكون من مئات المركبات المتطايرة المختلفة، ويسهم كل مركب منها بجزء من الرائحة النهائية.

‏السليلوز واللجنين ... مادتان أساسيتان في الورق

‏يُعد السليلوز المكون الرئيسي للورق، وهو جزيء طويل يتألف من وحدات الغلوكوز المرتبطة بعضها ببعض. وتتميز هذه المادة بمتانتها واستقرارها الكيميائي النسبي، ولذلك فإن الورق المصنوع من السليلوز وحده سيكون أبطأ في التقادم.

‏لكن صناعة الورق بدأت تعتمد على الخشب على نطاق واسع منذ منتصف القرن التاسع عشر. ويحتوي الخشب على اللجنين، وهو بوليمر معقد يمنح الأشجار الصلابة والدعم البنيوي.

‏وخلال تصنيع الورق، يحاول المنتجون إزالة اللجنين، لكن كميات منه تبقى في الألياف. ويؤدي تحلله إلى جانب تفاعلات أخرى دورا مهما في إنتاج المركبات التي تمنح الكتب القديمة رائحتها المميزة.

‏ويتفكك اللجنين بفعل الأكسجين والضوء في عملية تُعرف بالأكسدة، وينتج عن ذلك عدد من الجزيئات الصغيرة، بعضها مسؤول عن الروائح التي نربطها بالكتب القديمة.

‏أربعة مركبات تفسر رائحة الكتب القديمة

‏حدد الباحثون عددا من المركبات الكيميائية المهمة التي تسهم في تكوين رائحة الورق المتقادم، ومن أبرزها أربعة مركبات:

‏1. الفانيلين

‏هو المركب المسؤول عن جزء من رائحة الفانيليا، ويُستخدم أيضا في صناعة الأغذية. ويمكن أن يتكون عند تحلل اللجنين، لأن بنيته الكيميائية تتضمن أجزاء تشبه بعض الوحدات الموجودة في هذا البوليمر.

‏2. البنزالدهيد

‏يتميز برائحة تشبه اللوز المر، ويسهم في تكوين الرائحة الحلوة المميزة التي تنبعث من بعض الكتب القديمة.

‏3. الفورفورال

‏مركب ترتبط رائحته بالخبز الطازج أو اللوز. ويمكن أن ينتج من تحلل السليلوز والهيميسليلوز، وهما من السكريات المتعددة الموجودة في الألياف الخشبية.

‏4. الغاياكول

‏يمتلك رائحة خشبية مدخنة، ويُعد أحد المركبات التي تساعد على تفسير الطابع المميز لرائحة الورق القديم.

‏ويستخدم الكيميائيون هذه المركبات الأربعة بوصفها مؤشرات مهمة على تحلل الورق. وقد أمكن الكشف عنها في عينات من الكتب القديمة باستخدام تقنيات تحليلية، منها الاستشراب الغازي ومطيافية الكتلة.

‏هل يمكن استخدام الرائحة لمعرفة حالة الكتب؟

‏لا تقتصر أهمية المركبات المتطايرة على تفسير الرائحة، بل يمكن الاستفادة منها أيضا في تقييم حالة الكتب التاريخية والوثائق الورقية.

‏ففي عام 2009، اقترح فريق من الباحثين في كلية لندن الجامعية منهجا أطلقوا عليه اسم «علم تحلل المواد» (Material Degradomics)، ويعتمد على دراسة نواتج التحلل المتطايرة لمعرفة مدى تدهور المواد.

‏وفحص الباحثون بهذه الطريقة 72 عينة من أوراق تاريخية تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين. واحتوت بعض العينات على الصنوبري، وهو راتنج مستخرج من أشجار الصنوبر يُستخدم في صناعة الورق لتحسين خصائصه، إلى جانب ألياف الخشب.

‏وحدد الباحثون 15 مركبا متطايرا يمكن استخدامها مؤشرات لتقييم حالة الورق.

‏وتكمن ميزة هذه الطريقة في أنها لا تتطلب إتلاف الكتاب. ففي التحاليل التقليدية، كان من الضروري أحيانا اقتطاع جزء من الصفحة وإرساله إلى المختبر، أما تحليل المركبات الموجودة في الهواء المحيط بالكتاب فيتيح تقييم حالته دون إلحاق ضرر مباشر به.

‏ويمثل ذلك فائدة مهمة للمكتبات ودور المحفوظات، إذ يمكن فحص مجموعات كبيرة من الكتب والوثائق وتحديد العينات الأكثر عرضة للتلف، دون الحاجة إلى أخذ عينات مادية من كل كتاب.

‏وفي عام 2019، تطورت هذه الفكرة إلى جهاز يُعرف باسم «الأنف الإلكتروني»، يعتمد على بلورات كوارتز كهرضغطية لتحليل المركبات المتطايرة وتقدير درجة تدهور الورق.

‏لماذا تتحول صفحات الكتب القديمة إلى اللون الأصفر؟

‏ترتبط رائحة الورق القديم بتغير لونه، لأن بعض التفاعلات الكيميائية المسؤولة عن انبعاث الروائح تسهم أيضا في اصفرار الصفحات.

‏فعندما يتأكسد اللجنين، تتشكل في بنيته مجموعات كيميائية تُعرف باسم «الكروموفورات»، وهي أجزاء من الجزيئات قادرة على امتصاص أطوال موجية محددة من الضوء.

‏وتمتص هذه المجموعات جزءا من الضوء الأزرق، ما يغير الضوء المنعكس عن الورق ويجعله يبدو أصفر.

‏وتشير الدراسات إلى أن اصفرار الورق الغني باللجنين ينتج عن عمليات الأكسدة الضوئية. فالضوء، ولا سيما الأشعة فوق البنفسجية، يحفز سلسلة من التفاعلات التي تؤدي إلى تكوين مركبات ملونة، بينما تسرع الحرارة هذه العمليات.

‏ولهذا السبب، تصفر الكتب الموضوعة على رفوف معرضة لأشعة الشمس بصورة أسرع من الكتب المحفوظة داخل خزائن مغلقة بعيدا عن الضوء.

‏لماذا تتلف بعض الكتب أسرع من غيرها؟

‏لا تتقادم جميع أنواع الورق بالمعدل نفسه. فالكتب المصنوعة بين عامي 1850 و1990 قد تحتوي على كميات كبيرة نسبيا من ألياف الخشب وبقايا الصنوبري المستخدم في التصنيع، ما يجعل بعض أنواعها أكثر عرضة للتحلل مقارنة بالورق المصنوع في فترات سابقة.

‏ويشير التقرير إلى أن بعض هذه الكتب قد تتدهور بشدة خلال القرنين المقبلين، وقد تصبح صفحاتها هشة إلى درجة تتفتت معها بسهولة إذا لم تُحفظ في ظروف مناسبة.

‏ومن هنا تبرز أهمية تحليل الروائح والمركبات المتطايرة في تحديد الكتب الأكثر هشاشة قبل أن يبدأ الورق بالتفتت، بما يسمح بإعطائها الأولوية في أعمال الترميم ونقلها إلى بيئات تخزين مضبوطة.

‏وتشمل إجراءات الحفظ المناسبة الحد من التعرض المباشر للضوء، وتجنب درجات الحرارة والرطوبة غير الملائمة، وتوفير ظروف مستقرة تساعد على إبطاء التفاعلات الكيميائية المسؤولة عن تقادم الورق.

‏رائحة الكتب القديمة ... سجل كيميائي لعمر الورق

‏بالنسبة إلى القارئ، قد تكون رائحة الكتب القديمة تفصيلا محببا يرتبط بالذكريات والقراءة. أما بالنسبة إلى العلماء وأمناء المكتبات، فهي تحمل معلومات يمكن أن تساعد على فهم التغيرات الكيميائية التي طرأت على الورق بمرور الزمن.

‏فرائحة الفانيليا واللوز ليست مجرد أثر عابر للسنوات، بل نتيجة تفاعلات تنتج مركبات يمكن تحليلها والاستفادة منها في تقدير حالة الكتب والوثائق التاريخية.

‏وهكذا، قد تساعد الرائحة التي تمنح الكتب القديمة سحرها الخاص على الكشف عن مدى حاجتها إلى الحماية والترميم، قبل أن تصبح صفحاتها هشة إلى درجة يصعب معها إنقاذها.

المصدر: Наука Mail