توصل باحثون من مدرسة سانت آنا للدراسات المتقدمة في مدينة بيزا الإيطالية، بالتعاون مع كليفلاند كلينك في الولايات المتحدة، إلى نتائج جديدة قد تساعد على تطوير أيد اصطناعية لا تكتفي بتنفيذ الحركات، بل تمنح مستخدميها أيضا إحساسا أكثر طبيعية بحركة الأصابع.
وتعتمد التقنية على زرع مغناطيسات صغيرة داخل عضلات الساعد المتبقية بعد البتر، ثم تحفيز هذه العضلات لإحداث إحساس بحركة اليد، مثل فتحها وإغلاقها.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Science Advances العلمية، حيث قدم الباحثون أدلة جديدة على أن الدماغ قد يعالج إشارات حركة الأصابع باعتبارها أنماطا حركية منسقة، بدلا من التعامل مع كل إصبع بوصفه حركة منفصلة.
وقد يساعد هذا الفهم على تصميم أطراف صناعية أكثر انسجاما مع الطريقة الطبيعية التي يتحكم بها الجهاز العصبي في اليد.
ما الإحساس الحركي الذي يفقده الإنسان بعد البتر؟

يستطيع الإنسان إغلاق عينيه وقبض يده أو مدها نحو جسم معين دون الحاجة إلى النظر إليها. وتعتمد هذه القدرة على حاسة تسمى «الحس الحركي» أو «الإحساس بوضعية الحركة»، وهي تتيح للدماغ معرفة كيفية تحرك العضلات والأطراف ومواقعها حتى من دون مراقبتها بصريا.
وبعد بتر أحد الأطراف، تتعطل أجزاء من تدفق المعلومات الحسية التي يعتمد عليها الدماغ لفهم الحركة، ما يجعل التحكم في الطرف الاصطناعي أكثر صعوبة وأقل تلقائية.
ولهذا، لا يقتصر التحدي في تطوير الأطراف الصناعية على جعلها قادرة على الحركة، بل يشمل أيضا توفير تغذية راجعة حسية تساعد المستخدم على الشعور بالحركة التي تنفذها اليد الاصطناعية.
كيف تساعد المغناطيسات المزروعة على الشعور بالحركة؟
يعتمد أحد الأساليب المعروفة لإحداث إحساس بالحركة على اهتزاز العضلات، إذ يمكن لتحفيز عضلة معينة بالاهتزاز أن يجعل الشخص يشعر كما لو أن أحد أطرافه يتحرك.
لكن تطبيق الاهتزاز من خارج الجسم يحفز الجلد أيضا، ما يؤدي إلى اختلاط الإشارات الحسية ويجعل تفسير التغذية الراجعة القادمة من الطرف الاصطناعي أكثر تعقيدا.
وللتغلب على هذه المشكلة، طور فريق مدرسة سانت آنا واجهة تسمى «الواجهة الحركية العضلية الحسّية» (MKkI)، وتعتمد على مغناطيسات صغيرة مزروعة داخل عضلات الساعد المتبقية.
وتتيح هذه المغناطيسات توليد اهتزازات داخل العضلات من دون تحفيز الجلد مباشرة، ما يساعد على تقديم إشارات حسية أكثر تحديدا.
وربط الباحثون هذه الواجهة ثنائية الاتجاه باليد الروبوتية «ميا» (Mia Hand)، التي طورتها شركة «برينسيليا» المنبثقة عن مدرسة سانت آنا.
وتجمع الواجهة بين إمكانات التفاعل مع الطرف الاصطناعي وتقديم إحساس حركي للمستخدم، في محاولة لجعل تجربة الاستخدام أقرب إلى الحركة الطبيعية.
تجربة استمرت ستة أسابيع مع مشارك إيطالي
اختبر النظام مشارك إيطالي يبلغ من العمر 34 عاما على مدى ستة أسابيع.
وخلال التجربة، شعر المشارك بأن يده تفتح وتغلق، كما أحس بأن أصابعه تتحرك معا في أنماط متناسقة تشبه إلى حد كبير طريقة حركة اليد الطبيعية.
وقال فيديريكو ماسيرو، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن ما يميز الواجهة الحركية العضلية هو اعتمادها على غرسة بسيطة وقليلة التدخل الجراحي نسبيا، تتيح تحفيز العضلات من دون ملامسة الجلد مباشرة.
وأضاف أن هذا النهج قد يساعد على فهم آليات التحكم الحركي لدى الإنسان، إلى جانب استعادة الإحساس بالحركة لدى الأشخاص الذين فقدوا أطرافهم.
وماسيرو باحث سابق في مرحلة الدكتوراه بمدرسة سانت آنا، ويعمل حاليا باحثا بعد الدكتوراه في معهد ميونيخ للروبوتات والذكاء الآلي التابع للجامعة التقنية في ميونيخ.
واجهتان مختلفتان تكشفان نمطا مشتركا في الدماغ
قارن الباحثون بيانات النظام الإيطالي ببيانات واجهة أخرى طورتها كليفلاند كلينك، وتهدف أيضا إلى استعادة الإحساس بالحركة لدى مستخدمي الأطراف الاصطناعية.
ويعتمد نظام كليفلاند كلينك على إعادة توجيه الأعصاب جراحيا وربطها بتقنيات روبوتية، بينما تستخدم تقنية سانت آنا المغناطيسات المزروعة داخل العضلات.
وعلى الرغم من الاختلاف في التصميم، أظهرت التجربتان أن المشاركين شعروا بحركات أصابع منسقة، بدلا من الإحساس بكل حركة على حدة.
كما لاحظ الباحثون أن بعض المعلومات الحسية عولجت من دون أن يصبح المستخدمون واعين بها على الفور.
وتشير هذه النتائج إلى أن الدماغ قد ينظم إشارات العضلات في أنماط حركية متكاملة، وأن بعض جوانب هذه المعالجة قد تحدث على مستوى لا يصل مباشرة إلى الوعي.
وقال البروفيسور بول ماراسكو، الذي نسق الدراسة في كليفلاند كلينك، إن مقارنة بيانات جُمعت باستخدام واجهتين مختلفتين بصورة مستقلة تجعل النتائج أكثر أهمية، وتوفر أساسا أقوى لتصميم أجهزة وعلاجات تتفاعل مع الجهاز العصبي بطريقة أقرب إلى عمله الطبيعي.
كيف يمكن أن تساعد النتائج على تطوير الأطراف الصناعية؟
قد يساعد فهم الطريقة التي ينظم بها الدماغ الإشارات الحسية على تطوير أنظمة تغذية راجعة تتوافق بصورة أفضل مع معالجة الدماغ للحركة.
فبدلا من إرسال إشارات منفصلة لكل إصبع، يمكن أن تستفيد الأنظمة المستقبلية من تقديم معلومات تعكس أنماط القبض والحركة المنسقة التي يستخدمها الجهاز العصبي بصورة طبيعية.
ولا تقتصر أهمية هذا الفهم على الأطراف الصناعية وحدها؛ إذ يرى الباحثون أن النتائج قد تساعد مستقبلا في تطوير أساليب لإعادة التأهيل بعد السكتة الدماغية، ودراسة بعض حالات الصرع وعلاج الألم. لكن هذه التطبيقات ما تزال احتمالات بحثية تحتاج إلى دراسات إضافية، ولا تثبت التجربة الحالية فعاليتها فيها.
الخطوة المقبلة: التحكم في اليد والشعور بحركتها في الوقت نفسه
يتمثل التحدي التالي أمام الفريق في استخدام المغناطيسات المزروعة للتحكم في اليد الاصطناعية وتوفير الإحساس بالحركة في الوقت نفسه.
ويخطط الباحثون للاستفادة من مواقع المغناطيسات لتحديد حركات العضلات والتحكم في الطرف الاصطناعي، مع استخدام الاهتزازات التي تولدها المغناطيسات نفسها لإرسال تغذية راجعة حسية إلى المستخدم.
ويطمح الفريق على المدى الطويل إلى تطوير غرسة دائمة تتيح دراسة التقنية على مدى أطول وبمشاركة عدد أكبر من الأشخاص.
وأوضح البروفيسور كريستيان تشيبرياني، الذي ابتكر الواجهة ونسق الدراسة، أن النموذج الأولي صمم للعمل مدة ستة أسابيع، وهي فترة اعتبرها الفريق كافية للتحقق الأولي من فائدة الواجهة وفعاليتها.
وأضاف أن النتائج المشجعة دفعت الباحثين إلى استكشاف حل قابل للزرع الدائم، بما يسمح بتقييم التقنية على مدى زمني أطول.
هل أصبحت هذه التقنية جاهزة للاستخدام الطبي الواسع؟
رغم النتائج الواعدة، لا تزال التقنية في مرحلة التطوير والاختبار الأولي. فقد اقتصرت التجربة الموصوفة على مشارك واحد ولمدة ستة أسابيع، وهو ما لا يكفي لتحديد مدى فعاليتها لدى مختلف مستخدمي الأطراف الاصطناعية أو إثبات سلامتها على المدى الطويل.
وسيحتاج الباحثون إلى اختبارات إضافية تشمل عددا أكبر من المشاركين، وفترات متابعة أطول، لتقييم استقرار الغرسة وقدرتها على تقديم إحساس حركي موثوق، ومدى إمكانية دمجها في أنظمة التحكم اليومية بالأطراف الاصطناعية.
الخلاصة: تقدم المغناطيسات الصغيرة المزروعة في العضلات نهجا جديدا يجمع بين التحكم في اليد الاصطناعية واستعادة الإحساس بحركتها. وتكشف الدراسة أن الدماغ قد يدرك حركة الأصابع بوصفها أنماطا منسقة، ما قد يساعد على تصميم أطراف صناعية أكثر طبيعية. لكن تحويل هذه التقنية إلى حل طبي واسع الاستخدام يتطلب تجارب أكبر وتقييما طويل الأمد لسلامتها وفعاليتها.