كشف باحثون من كلية بايلور للطب في الولايات المتحدة عن آلية جديدة يستخدمها الورم الأرومي الدبقي ، وهو أكثر أنواع سرطان الدماغ شيوعا وعدوانية لدى البالغين، لتعزيز نموه وانتشاره.
وأظهرت الدراسة، التي نشرت في مجلة Neuron العلمية، أن الورم يستطيع التأثير في نشاط الخلايا العصبية المحيطة به، وتحويل البيئة الدماغية من منظومة تساعد على الحد من نموه إلى بيئة تدعم تطوره.
وظهرت هذه النتائج في نماذج حيوانية، وقد تفتح المجال أمام استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف التفاعلات بين الورم والخلايا العصبية المحيطة به، بدلا من التركيز على الخلايا السرطانية وحدها.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن التحسن في معدلات بقاء مرضى الورم الأرومي الدبقي ظل محدودا على مدى نحو نصف قرن.
وقال الدكتور بنيامين دينين، الأستاذ في كلية بايلور للطب وأحد الباحثين الرئيسيين المشاركين في الدراسة، إن أبحاثا سابقة أظهرت أن الورم والخلايا العصبية المجاورة يتواصلان بطرق تؤدي إلى فرط نشاط الدوائر العصبية، وهو ما يساعد الورم على النمو بسرعة أكبر.
لكن الدراسة الجديدة كشفت طريقة مختلفة يتلاعب بها الورم بالبيئة المحيطة به لصالحه.
إشارات كيميائية تكشف آلية نمو الورم

يعتمد الدماغ على نوعين رئيسيين من الخلايا العصبية لتنظيم نشاط دوائره العصبية.
فالخلايا العصبية الاستثارية تزيد النشاط الكهربائي وتنقل الإشارات التي تنشط الدوائر العصبية، بينما تعمل الخلايا العصبية المثبطة على تهدئة هذا النشاط والحد من ارتفاعه المفرط.
وأوضح مالكوم إف. ماكدونالد، الباحث المشارك في الدراسة والطالب في برنامج الطب والدكتوراه بكلية بايلور، أن الباحثين كانوا يعرفون أن الأورام المحاطة بدوائر عصبية مفرطة النشاط تنمو بسرعة أكبر من الأورام الموجودة في بيئات ذات نشاط عصبي أكثر هدوءا.
ولفهم كيفية تحفيز الورم لهذا النشاط، فحص الفريق مجموعة من الجينات المرتبطة بالصرع والتي تحدث فيها طفرات لدى مرضى الورم الأرومي الدبقي. وعطل الباحثون هذه الجينات واحدا تلو الآخر لمعرفة تأثيرها في نمو الورم.
وبرز جين مسؤول عن إنتاج بروتين يسمى GAT-1، الذي يعمل في الظروف الطبيعية على إزالة الناقل العصبي المعروف باسم GABA من المسافة بين الخلايا العصبية.
ويعد GABA أحد أهم النواقل العصبية المثبطة في الدماغ، إذ يساعد على تهدئة النشاط الكهربائي للخلايا العصبية والحد من الاستثارة المفرطة.
وقال ماكدونالد إن إزالة GAT-1 من الخلايا الورمية أدت إلى تسارع نمو الورم، وهو ما دفع الباحثين إلى التركيز على دور الخلايا العصبية المثبطة التي تساعد عادة على إبقاء نشاط الدماغ تحت السيطرة.
الخلايا العصبية المثبطة تستطيع الحد من نمو الورم
استخدم الباحثون نماذج حيوانية وتقنيات مخبرية تتيح لهم تنشيط مجموعات محددة من الخلايا العصبية المحيطة بالورم أو تثبيط نشاطها.
وأظهرت التجارب أن تنشيط الخلايا العصبية المثبطة القريبة من الورم أدى إلى تقليل نموه لدى الفئران مقارنة بالحيوانات التي لم تتلق هذا التنشيط.
وفي المقابل، عندما منع الباحثون هذه الخلايا من تهدئة الدوائر العصبية المحيطة، ازداد نمو الأورام.
وتدعم هذه النتائج الفرضية القائلة إن فرط النشاط الاستثاري في البيئة المحيطة بالورم لا يرتبط فقط بالأعراض العصبية، بل قد يساهم أيضا في تعزيز نمو السرطان.
كما وجد الفريق أن الورم الأرومي الدبقي ينتج كميات كبيرة من بروتين يسمى DBI، وهو اختصار لعبارة «مثبط ارتباط الديازيبام». ويساهم هذا البروتين في زيادة فرط نشاط الدوائر العصبية وتعزيز نمو الورم.
وأوضح ماكدونالد أن تنشيط الخلايا العصبية المثبطة المجاورة للورم استطاع مقاومة الإشارات التي يطلقها الورم، ومنها الإشارات المرتبطة ببروتين DBI، والتي تدفع النشاط العصبي إلى الارتفاع.
ووصف الباحثون هذه العلاقة بأنها أشبه بقوتين متعاكستين: الورم يحاول زيادة نشاط الدوائر العصبية المحيطة به، بينما تعمل الخلايا العصبية المثبطة على كبح هذا النشاط.
وقد يوفر تعزيز وظيفة هذه الخلايا وسيلة محتملة للحد من نمو الورم.
دواءان مضادان للصرع أبطآ نمو الورم لدى الفئران
بعد اكتشاف هذه الآلية، اختبر الباحثون دواءين معتمدين من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، يعززان إشارات GABA، لمعرفة ما إذا كانا قادرين على إبطاء نمو الورم.
وشملت التجارب دواء لورازيبام (Lorazepam) ودواء حمض الفالبرويك (Valproic acid)، وكلاهما يستخدم في سياقات طبية تشمل السيطرة على حالات عصبية معينة، مع اختلاف الاستخدامات والآليات الدوائية بينهما.
وأظهرت النتائج أن الدواءين خفضا تكاثر الخلايا الورمية بصورة ملحوظة لدى الفئران مقارنة بالحيوانات التي لم تتلق العلاجين.
ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تبرر إجراء مزيد من الدراسات لمعرفة ما إذا كان تعزيز إشارات GABA يمكن أن يساعد أيضا على إبطاء تطور الورم الأرومي الدبقي لدى البشر.
لكن الدراسة لا تثبت حتى الآن أن هذين الدواءين يعالجان الورم الأرومي الدبقي لدى المرضى، ولا أن النتائج المسجلة في الفئران ستتكرر بالدرجة نفسها لدى البشر.
تنبيه طبي: لا ينبغي استخدام اللورازيبام أو حمض الفالبرويك لعلاج أورام الدماغ اعتمادا على هذه النتائج وحدها. ويجب أن يقتصر استخدامهما على وصفة الطبيب وللاستطبابات المعتمدة، لأن لكل منهما مخاطر وآثارا جانبية تستلزم تقييما طبيا.
لماذا قد يؤدي فرط النشاط العصبي إلى تفاقم المرض؟
قال الدكتور غانيش راو، رئيس قسم جراحة الأعصاب في كلية بايلور وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة، إن النظرة التقليدية إلى أورام الدماغ تركز على الخلايا غير الطبيعية التي تنمو وتغزو الأنسجة المجاورة.
لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذه الأورام تستطيع أيضا تغيير نشاط الخلايا العصبية المحيطة بها، لتخلق ظروفا تساعدها على النمو.
وأضاف أن الورم قد يتدخل في قدرة الدماغ الطبيعية على تنظيم نشاطه الكهربائي، وهو ما قد يسهم في حدوث النوبات وتفاقم تطور الورم.
ومن المعروف أن النوبات الصرعية تكون العرض الأول لدى نسبة كبيرة من مرضى الورم الأرومي الدبقي، وتقدر الدراسة هذه النسبة بنحو نصف المرضى تقريبا.
وتسلط هذه الملاحظة الضوء على أهمية دراسة البيئة العصبية المحيطة بالورم، وليس الخلايا السرطانية وحدها، لفهم العلاقة بين النشاط العصبي وتطور المرض.
استعادة آليات الدماغ الطبيعية لكبح النشاط العصبي
أوضح الدكتور جيفري نوبلز، الباحث المشارك في الدراسة والمتخصص في علم الأعصاب والوراثة العصبية، أن النتائج تشير إلى أن الخلايا السرطانية تستغل مسارات كيميائية عصبية استثارية ومثبطة معا لتعزيز تطور الورم.
وأضاف أن استهداف منظومة GABA، بما في ذلك البروتينان GAT-1 وDBI، قد يوفر نهجا علاجيا جديدا يقوم على استعادة قدرة الدوائر العصبية على كبح النشاط المفرط، بدلا من استهداف الورم مباشرة فقط.
وأشار الباحثون إلى أن الدماغ يمتلك آليات طبيعية تساعد على إبقاء البيئة المحيطة بالورم أكثر هدوءا، لكن الورم قد يعطل هذه الآليات مع تقدمه، بما في ذلك من خلال فقدان بعض الخلايا العصبية المسؤولة عن تثبيط النشاط.
وعندما تضعف هذه الآليات، يفقد الدماغ جزءا من قدرته على ضبط النشاط الكهربائي في المنطقة المحيطة بالورم، ما قد يؤدي إلى فرط الاستثارة وزيادة احتمالات النوبات وتقدم المرض بصورة أكثر عدوانية.
هل تمهد النتائج لعلاج جديد لسرطان الدماغ؟
تفتح الدراسة مسارا بحثيا جديدا يركز على العلاقة المتبادلة بين الورم والخلايا العصبية المحيطة به، وقد تساعد على تطوير علاجات تستهدف الإشارات التي تسمح للورم بالاستفادة من نشاط الدماغ.
لكن النتائج ما زالت في مرحلة الأبحاث قبل السريرية، إذ أجريت التجارب الأساسية على نماذج حيوانية. ولا بد من إجراء دراسات إضافية لتحديد مدى أمان هذه الاستراتيجية وفعاليتها لدى البشر، ومعرفة ما إذا كان تعديل إشارات GABA سيؤدي إلى تحسن حقيقي في نتائج العلاج.
الخلاصة: كشفت الدراسة أن الورم الأرومي الدبقي لا يكتفي بالنمو داخل الدماغ، بل يستطيع التأثير في آليات تنظيم النشاط العصبي المحيط به لمصلحته. وأظهرت التجارب على الفئران أن تنشيط الخلايا العصبية المثبطة واستخدام دواءين يعززان إشارات GABA قد يحدان من نمو الورم، لكن تحويل هذه النتائج إلى علاج فعال للمرضى لا يزال يتطلب أبحاثا سريرية إضافية.