عبد الحميد كناكري خوجة: طهران، أقوالٌ وأفعالٌ دون صخبٍ أو انفعال.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: طهران، أقوالٌ وأفعالٌ دون صخبٍ أو انفعال.
عبد الحميد كناكري خوجة|كاتب من سورية
2 تشرين الثاني 2026 , 08:15 ص

«بين شهامة الحوار ويقظة الزناد، وإرث الحضارة وحسابات القوة؛ إيرانُ تفاوض بكرامة، وتدافع بشجاعة، وتفتح للجوار أبواب السلام دون تفريطٍ في السيادة والحقوق»

ليست السياسةُ صخبًا يُدوّي، ولا البطولةُ ضجيجًا يُغري؛ إنما السياسةُ بصيرةٌ تستقرئ المآلات قبل اشتعال الاحتمالات، وحكمةٌ تزن الكلمات بميزان العواقب، وإرادةٌ تعرف متى تُفاوض بعقلٍ راجح، ومتى تدافع بعزمٍ راسخ. فالدول لا تُقاس بعلوّ أصواتها، بل بعلوّ قدرتها على صون سيادتها، وحماية مقدّرات شعوبها، ومواجهة الأخطار دون أن تضلّ بوصلة القرار أو تُوصد نوافذ السلام. وفي عالمٍ تتشابك فيه المصالح، وتتصارع فيه الأطماع، وتُرسم فيه خرائط النفوذ بأقلام الأقوياء، قد يكون الهدوء أبلغ من الضجيج، والتدبير أسبق من التدمير، وثبات الموقف أعمق أثرًا من عاصفة الكلام.

ومن غيرةٍ على مصالح الشعوب، وحرصٍ على ألّا تتحوّل الأوطان إلى رقعٍ في شطرنج القوى، تنبع ضرورةُ قراءة التجربة الإيرانية بعينٍ لا يُعميها الهوى، ولا يستدرجها العداء؛ فلا تقديسَ يُعطّل النقد، ولا تبخيسَ يُصادر الحقيقة، بل أقوالٌ تُوزن، وأفعالٌ تُفحص، وادّعاءاتٌ تُعرض على محكّ الوقائع. فالحقيقة لا تخشى التمحيص، والسيادة لا يحرسها الهتاف وحده، والكرامة لا يصونها التمنّي؛ إنما يحميها عقلٌ يُحسن الحساب، وشعبٌ يدرك المخاطر، ودولةٌ تعرف أن للقوة مسؤولية، وللدبلوماسية شروطًا، وللسلام أبوابًا لا تُفتح بالتفريط ولا تُغلق بالتعقّل.

ومن هنا تبرز طهران في قلب معادلةٍ دقيقة: يدٌ تمتدّ إلى الحوار، وعينٌ ترصد التحوّلات، واستعدادٌ دفاعيٌّ لا ينبغي أن يُقرأ، وحده، بوصفه رغبةً في الحرب. فكيف توفّق الدولة بين التفاوض وصون الكرامة؟ وكيف تفتح للجوار أبواب التفاهم دون أن تجعل حسن الجوار مرادفًا للتنازل عن الحقوق؟ وما الذي تمنحه الجغرافيا والتاريخ والقدرات الوطنية من أوراقٍ في ميزان الأمن والطاقة والنفوذ؟ أسئلةٌ لا يحسمها صخب الشعارات، ولا تجيب عنها حرارة الانفعالات؛ بل يفكّ شيفرتها تحليلٌ رصين، وتختبرها وقائعُ موثّقة، وتكشف مآلاتها النتائج، بعيدًا عن التهويل والتهوين، وعن بريق الدعاية وضباب الخصومة.

ليست إيرانُ وليدةَ اللحظة، ولا طارئةً على خرائط التاريخ؛ إنّها امتدادُ حضارةٍ عريقة، وبلادٌ منحتها الجغرافيا موقعًا استراتيجيًّا، وراكمت فيها التحوّلاتُ خبراتٍ سياسيةً وعلميةً وصناعية. غير أنّ عراقة الماضي لا تكفي وحدها لصناعة المستقبل؛ فالحضارات الحيّة هي التي تجدّد أدواتها، وتحول المعرفة إلى إنتاج، والتحدّيات إلى حوافز، والإرادة الوطنية إلى قدرةٍ على الفعل.

وقد دفعت العقوبات والقيود الخارجية إيرانَ إلى توسيع اعتمادها على إمكاناتها المحلية في مجالاتٍ مختلفة، فيما ظلّت الضغوط الاقتصادية وتحدّيات المعيشة والطاقة عوائقَ لا يصحّ تجاهلها. وبين هذين الوجهين تتجلّى حقيقةٌ جديرةٌ بالاعتبار: لا تُختزل دولةٌ بحجم إيران في أزماتها، ولا تُقاس إنجازاتها بإنكار الصعوبات. فالإنصاف يقتضي الاعتراف بما تبنيه، كما يقتضي فهم ما تواجهه من أعباء.

وفي المجال الاستراتيجي، لا يجوز التعامل مع حقّ إيران في حماية أرضها وسيادتها بوصفه امتيازًا ممنوحًا من الخارج؛ فهذا حقٌّ أصيلٌ للدول، لا يسقط بالاختلاف السياسي، ولا تبرّر انتهاكَه الخصوماتُ أو الحساباتُ الجيوسياسية. والجاهزية الدفاعية، في ذاتها، ليست إعلانًا للحرب؛ بل تتحدّد دلالتها بأفعال الدولة وسلوكها. أمّا الحوار، فلا يكون كريمًا إذا طُلب من طرفٍ أن يتخلّى عن حقوقه تحت الضغط، ولا يكون مثمرًا ما لم يستند إلى الاحترام المتبادل والضمانات الواضحة.

ومن هنا، فإنّ أمن الخليج لا ينبغي أن يبقى أسيرَ سباق التسلّح والاستقطاب، ولا أن يُختزل في الارتهان لقوى بعيدة عن جغرافيته. إنّ بناء تفاهماتٍ إقليمية بين إيران وجيرانها، تقوم على احترام السيادة، وحماية الملاحة، وتسوية الخلافات بالحوار، خيارٌ يستحقّ العمل الجادّ. فالجوار قدرٌ جغرافي، أمّا تحويله إلى شراكةٍ آمنة فقرارٌ سياسيٌّ يحتاج إلى الثقة والضمانات والإرادة.

إنّ إيران، بإرثها الحضاري وموقعها الاستراتيجي وقدراتها الوطنية، ليست رقمًا عابرًا في حسابات المنطقة؛ بل طرفٌ لا يمكن بناء استقرارٍ مستدامٍ في الخليج بتجاهله أو السعي إلى إخضاعه. ولا يعني ذلك إعفاء أيّ سياسةٍ من التقييم، بل يعني رفضَ ازدواجية المعايير، والتمسّك بحقّ الشعوب في الأمن والاستقلال، بعيدًا عن منطق الإملاء والعقاب الجماعي.

فالقوة التي لا تسندها الحكمة قد تُشعل الصدام، والحكمة التي لا تحرسها القدرة قد تُترك بلا ضمان؛ أمّا اجتماعهما فيفتح طريقًا يحمي السيادة ويصون الحقوق. وليس السلام أن يُطلب من الدول أن تتنازل كي يرضى الأقوى، بل أن تتفاوض الأطراف من موقع الاحترام المتبادل، وأن تُحلّ النزاعات دون عدوانٍ أو إكراه.

طهران لا تحتاج إلى صخبٍ كي تُسمَع، ولا إلى تفريطٍ كي تُحاوِر؛ فكرامة الدول تُصان باستقلال القرار، وتُختبر بالحكمة عند الشدائد، وتترسّخ حين تتحوّل القدرة إلى حماية، والحوار إلى ضمان، وحسن الجوار إلى سلامٍ لا ينتقص من السيادة ولا يبيع الحقوق.

كاتب حر في الغربة.