عبد الحميد كناكري خوجة: خادمة الخاتمة... وخاتمة الخادمة!
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: خادمة الخاتمة... وخاتمة الخادمة!
عبد الحميد كناكري خوجة|كاتب من سورية
2 تشرين الثاني 2026 , 08:19 ص

«حين تشتري الثروةُ ما يسمى بمظلّةَ الأمان، وتُعقد الصفقاتُ خلف ستائر الودّ؛ مَن يكتب خاتمة الحكاية: صاحبُ القرار، أم صاحبُ المفتاح؟»

من يخدم مَن؟

في مسرح السياسة، ليست كلُّ مصافحةٍ عهدًا، ولا كلُّ مظلّةٍ أمانًا، ولا كلُّ حليفٍ يبتسم لك يُخفي في جيبه مفتاحَ نجاتك. فكم من ثروةٍ عبرت البحار بحثًا عن الحماية، وكم من عرشٍ ظنَّ أنَّ شراء الرضا الخارجي يُحصّنه من تقلّبات الزمن، فإذا به يكتشف أنَّ المصالح لا تعرف الوفاء الأبدي، وأنَّ السياسة دفترُ حسابٍ لا كتابُ عواطف.

هنا تتجلّى المفارقة: «خادمة الخاتمة... وخاتمة الخادمة!»؛ أن تخدم الثروةُ مشروعًا لا تملك نهايته، وأن تتحوّل التنازلاتُ التي يُراد بها تأمين المستقبل إلى قيودٍ قد تُضيّق خياراته. ليست المسألة رفضَ التعاون مع العالم، ولا إغلاقَ أبواب التجارة، بل السؤال عن الفرق بين شراكةٍ تحفظ السيادة، وتبعيّةٍ تستنزفها، وبين حليفٍ يبادل المصالح، وقوةٍ تجعل الحمايةَ سلعةً ثم ترفع ثمنها كلما اشتدّ الخوف.

أولًا: تريليوناتٌ في الخارج... وحقوقٌ تنتظر في الداخل:

تُدار في دول مجلس التعاون الخليجي صناديقُ ثروةٍ سياديةٌ هائلة، وتقدّر شركة «ديلويت» أصول هذه الصناديق مجتمعةً بنحو ستة تريليونات دولار، وفق تقديراتها المنشورة. وهذا تقديرٌ إجماليٌّ لأصولٍ استثمارية، لا رصيدٌ نقديٌّ سائلٌ يمكن سحبه دفعةً واحدة؛ لكنه يكشف حجم القوة المالية التي تمتلكها المنطقة. "المصدر: ديلويت.

وفي مايو/أيار 2025، أعلن البيت الأبيض التزامًا سعوديًّا معلنًا باستثمارات تبلغ 600 مليار دولار في الولايات المتحدة، كما أعلن اتفاقاتٍ إماراتيةً جديدةً بقيمة 200 مليار دولار، إلى جانب استثمارٍ إماراتيٍّ سبق التعهّد به بقيمة 1.4 تريليون دولار. وهذه تعهّداتٌ معلنة، وليست دليلًا على أنَّ كامل المبالغ دُفع أو نُفّذ بالفعل. "المصدر السعودي.

وهنا يحقّ لنا أن نسأل، بصوتٍ لا تشتريه المجاملة: أليست الشعوبُ أولى بثمار ثرواتها؟ أليس الشبابُ والشاباتُ، في الخليج وسائر البلدان العربية والإسلامية، أحقَّ بفرص العمل والعلم والدواء والسكن الكريم؟ أليس من واجب السياسات الرشيدة أن تجعل الاستثمار الخارجي خادمًا للتنمية الداخلية، لا أن يتحوّل المالُ إلى عنوانٍ للبذخ السياسي، بينما تقف طاقاتٌ بشريةٌ واسعةٌ أمام أبواب العمل المغلقة؟

إنَّ الثروات السيادية ليست خزائنَ نقديةً متاحةً للتوزيع الفوري، ولا يصحّ الادّعاء بأنَّ مبلغًا بعينه سيُنهي الفقر وحده؛ لكنّها أدواتٌ استراتيجيةٌ يمكن توجيه عوائدها، بحوكمةٍ عادلةٍ وتخطيطٍ طويل الأمد، نحو التعليم والصحة والإنتاج والوظائف والحماية الاجتماعية. ولو تضافرت الثرواتُ العربية والإسلامية مع إصلاح الإدارة، ومكافحة الفساد، وتكامل الأسواق، لكان بالإمكان تضييق دوائر العوز، وتوسيع فرص الكرامة، بدل أن يبقى الفقرُ ضيفًا دائمًا على موائدٍ يفترض أن تكون عامرةً بالقدرات والموارد.

فالثروةُ التي لا تخدم الإنسانَ تفقد بعضَ معناها، والعرشُ الذي ينسى صاحبَه الحقيقيَّ ينسى أنَّ الشعوبَ ليست زينةَ الحكم، بل أساسُ شرعيّةِ العمران.

ثانيًا: حين تصبح الحمايةُ سوقًا للخوف:

لقد عرفت المنطقةُ تاريخًا طويلًا من التدخلات الاستعمارية، من الاحتلال المباشر ونهب الموارد إلى الضغط السياسي والاقتصادي، ومن تقسيم النفوذ إلى استثمار التناقضات المحلية. ولم تنتهِ كلُّ هذه الأساليب بانتهاء أشكال الاستعمار القديمة؛ فقد تتبدّل الأدوات، ويبقى الصراع على النفوذ والثروات والممرات الاستراتيجية حاضرًا في حسابات القوى الكبرى.

ولا يقتضي الوعيُ أن نصدّق كلَّ روايةٍ عن مؤامرة، كما لا يقتضي أن نمنح القوى الأجنبية صكّ براءةٍ دائمًا. بل يقتضي أن نفحص مَن يستفيد من الخوف، ومَن يبيع السلاح، ومَن يفرض شروط الحماية، ومَن يدفع فاتورة الصراع.

إنَّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يُقنع الخارجُ دولَ المنطقة بأنَّ أمنها لا يتحقق إلا تحت مظلّته، وأنَّ جيرانها أعداءٌ أبديّون لا يمكن التفاهم معهم. عندها تصبح القواعدُ العسكرية عنوانًا دائمًا للخوف، وتتحول الصفقاتُ إلى دورةٍ مغلقة: تهديدٌ يُثير القلق، وقلقٌ يستدعي السلاح، وسلاحٌ يرفع كلفة التوتر، ثم يُقدَّم مزيدٌ من الارتباط بوصفه الحلَّ الوحيد.

وهكذا قد تخدم الدولةُ، من حيث لا تقصد، خاتمةَ مشروعٍ لا تملك مفاتيحه؛ إذ لا توجد ضمانةٌ سياسيةٌ أبدية، ولا حليفٌ يُقدّم مصالح الآخرين على مصالحه في كل ظرف.

ثالثًا: التطبيع... أيُّ سلامٍ هذا الذي يتجاهل الجراح؟

إنَّ التطبيع مع دويلة الاحتلال الغاصب ليس مجرّد إجراءٍ دبلوماسيٍّ عابر؛ إنّه خيارٌ سياسيٌّ وأخلاقيٌّ يستحقّ المساءلة، ولا سيّما حين يُقدَّم بوصفه طريقًا مضمونًا إلى الأمن والازدهار، بينما تظلّ أسئلةُ الاحتلال والحقوق والانتهاكات والمقدّسات بلا حلولٍ عادلة.

كيف يمكن لبعض أصحاب العروش أن يوسّعوا علاقاتهم مع سلطةٍ تحتلّ فلسطين، فيما تتوالى صورُ قتل الأطفال والنساء والشيوخ، والدمارُ الذي يصيب البيوت والمستشفيات ومقوّمات الحياة؟ وكيف تُختزل الكرامةُ الإنسانية في حسابات المصالح، وتُهمَّش آلامُ المدنيين، وتُترك المقدّسات الإسلامية والمسيحية عرضةً للانتهاك والتدنيس؟ وأيُّ ضمانٍ يمكن أن يُبنى على علاقةٍ لا تُترجم إلى حمايةٍ حقيقيةٍ للحقوق، ولا إلى أفقٍ سياسيٍّ يوقف دوّامة العنف؟

هذه ليست دعوةً إلى العداء للأديان، بل إلى مساءلة السياسات والأفعال. فالمسؤوليةُ تقع على من يتخذ القرار، وعلى من يبرّر الاعتداء، وعلى من يتعامل مع الدم المدنيّ كأنّه تفصيلٌ هامشيٌّ في نشرة المصالح.

وقد وثّق تقريرٌ لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي التزامًا أمريكيًّا بمساعداتٍ عسكريةٍ لدويلة الاحتلال الغاصب تبلغ 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، للفترة 2019–2028، رهناً بالاعتمادات التي يقرّرها الكونغرس. "المصدر: خدمة أبحاث الكونغرس.

إنَّ هذه الحقيقة تفتح بابًا للسؤال عن ازدواجية المعايير: كيف تُحشد المواردُ العسكرية والسياسية بهذه الضخامة، بينما يُطلب من الشعوب المتضررة أن تكتفي ببيانات الأسف؟ وأيُّ سلامٍ يستقيم إذا لم تُصن حياة المدنيين، ولم تُحترم المقدّسات، ولم يُعترف بحقوق أصحاب الأرض؟

ليس السلامُ صورةً تذكاريةً بين مسؤولين، ولا اتفاقًا تجاريًّا يُخفي الجراح تحت السجاد؛ السلامُ الحقيقيُّ عدالةٌ تحفظ الحقوق، وتوقف الاعتداء، وتمنع تحويل القوة إلى رخصةٍ مفتوحةٍ لانتهاك الإنسان.

رابعًا: من «الربيع» المسموم إلى وحدة الجوار:

لقد شهدت دولٌ عربيةٌ، خلال العقد الماضي، انهياراتٍ وصراعاتٍ وتدخّلاتٍ خارجيةً ودمارًا واسعًا، وتفاوتت أسبابُ تلك المآسي من بلدٍ إلى آخر. ولا يجوز اختزالها جميعًا في سببٍ واحد، أو إنكار مسؤولية الفساد والانقسامات الداخلية؛ لكنّ النتيجة المؤلمة واضحة: مجتمعاتٌ دفعت أثمانًا باهظةً من أمنها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي.

وهنا ينبغي الحذر من كلّ خطابٍ يُحوّل الخلاف السياسي إلى اقتتالٍ أهليّ، أو يضخّ الشائعات لتوسيع الشقاق، أو يستثمر المظلوميةَ لإشعال فتنةٍ جديدة. فالتضليلُ الإعلاميُّ والتحريضُ الطائفيُّ ليسا رأيًا بريئًا حين يُستخدمان لإسقاط الثقة بين أبناء المجتمع، أو لدفع الشعوب إلى حروبٍ لا تحصد منها إلا الخراب.

ومن واجب دول المنطقة أن تتعلّم من جراحها، لا أن تعيد إنتاجها. إنَّ إيرانَ وجيرانَها العرب، وسائر دول الجوار، يملكون أسبابًا كثيرةً للتعاون: الجغرافيا، والتجارة، والطاقة، والمياه، والطرق، والأسواق، ومصالح الشعوب. وليس الاختلافُ السياسيُّ قدرًا أبديًّا.

فلماذا لا تتوسع العلاقاتُ التجاريةُ والاستثماراتُ المتبادلةُ بين دول الجوار، بما فيها إيران والدول العربية المحيطة بها، وفق مصالح مشتركةٍ واتفاقاتٍ واضحةٍ تحفظ حقوق الجميع؟ ولماذا لا تُبنى آلياتٌ إقليميةٌ لتسوية النزاعات، ومنع الاعتداء، ومكافحة الإرهاب والتهريب، وحماية الملاحة، والتعاون في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات؟

ولماذا لا تتقدّم دول المنطقة نحو ترتيباتٍ دفاعيةٍ مشتركةٍ، قائمةٍ على السيادة المتكافئة والشفافية وعدم الاعتداء، بدل الارتهان الدائم إلى قواعد أجنبيةٍ قد تجعل المنطقة ساحةً لتنافس القوى الكبرى؟ إنَّ المطالبة بإخراج القواعد العسكرية الأجنبية ومراكز التجسس من المنطقة ينبغي أن تكون جزءًا من مسارٍ سياسيٍّ مدروس، يضمن أمن الدول ويمنع الفراغ والفوضى، ويستبدل التنافسَ على النفوذ بتعاونٍ إقليميٍّ مسؤول.

كما ينبغي رفع اليقظة إزاء أيّ نشاطٍ استخباراتيٍّ أو حملات تضليلٍ قد تستهدف إشعال الفتن، بما في ذلك ما يُنسب إلى أجهزة الموساد وغيرها.

إنَّ وحدة الجوار ليست قصيدةً عاطفيةً، بل مصلحةٌ استراتيجية: فحين تتكامل الأسواقُ، وتتبادل الدولُ المنافع، وتُحلّ الخلافات بالحوار، تضيق مساحةُ التدخل الخارجي، وتزداد كلفةُ إشعال الحروب، وتصبح ثروات المنطقة أقرب إلى خدمة شعوبها.

خاتمةُ مَن؟

في نهاية الحكاية، لا يكفي أن نسأل: كم نملك من المال؟ بل ينبغي أن نسأل: مَن يخدم هذا المال؟ ولا يكفي أن نعدّ الحلفاء، بل أن نعرف هل تقوّي التحالفاتُ استقلالَنا أم تجعل قرارَنا مرهونًا بتبدّل أولويات الآخرين؟ ولا يكفي أن نوقّع اتفاقاتٍ جديدة، بل أن نختبر أثرها في أمن الإنسان وكرامته ومستقبل أبنائه.

إنَّ الثرواتِ الهائلةَ ليست امتيازًا أبديًّا لحفنةٍ من عشّاق العروش؛ إنها أمانةٌ عامة، ومواردُ وطنيةٌ يجب أن تعود منافعُها على الشعوب عبر مؤسساتٍ عادلةٍ ومحاسبةٍ شفافة. وليست الشعوبُ مطالبةً بتمجيد الأرقام، بل من حقّها أن تسأل عن الوظائف والمستشفيات والمدارس والبحث العلميّ والعدالة الاجتماعية، وعن نصيبها من ثمار الموارد التي قامت عليها اقتصادات بلدانها.

وإذا كان عدوُّ الإنسانية هو كلُّ مشروعٍ يستبيح المدنيين، ويهدم مقوّمات الحياة، ويُغذّي الكراهية، ويجعل القوةَ فوق القانون؛ فإنَّ دويلة الاحتلال الغاصب، بما يرتبط باحتلالها من انتهاكاتٍ واعتداءاتٍ موثقة، تتحمّل مسؤوليةً جسيمةً عن استمرار المأساة الفلسطينية. ولا يُقاس مستقبلُ المنطقة بقدرة المعتدي على فرض الوقائع، بل بقدرة الشعوب والدول على صون الحقوق ومنع استمرار الظلم.

أمّا ما يُروَّج له من أنّ كلَّ خطرٍ مصدره الجار، وأنَّ كلَّ أمنٍ لا يتحقق إلا بوجود الأجنبي، فهو خطابٌ يستحقّ الفحص والمساءلة، لا التسليم الأعمى. فالأمنُ الذي لا يقوم على الثقة المتبادلة، والاقتصادُ الذي لا يخلق فرصًا لأبناء الوطن، والتحالفُ الذي لا يحفظ استقلال القرار، كلّها أسسٌ تحتاج إلى مراجعةٍ شجاعة.

وهنا ينكشف العنوان: «خادمة الخاتمة... وخاتمة الخادمة!». قد تظنّ الثروةُ أنّها تشتري الأمان، وقد يظنّ صاحبُ العرش أنّه يستخدم التحالفات لخدمة بقائه؛ لكنّ التاريخ لا يمنح أحدًا ضمانةً مفتوحة. فمن يجعل إرادتَه تابعةً لمفاتيح المستعمرين، قد يكتشف أنّه خدم نهايةً لم يكتبها، وأنّ من ظنّ نفسه صاحبَ الخاتمة صار أسيرَ خاتمةٍ صاغها غيره.

فالسيادةُ ليست ثروةً تُنفق لشراء الطمأنينة، ولا عرشًا تحرسه الوعود؛ السيادةُ قرارٌ مستقلّ، وشعبٌ مصونُ الكرامة، وجوارٌ متعاون، وثروةٌ تعود إلى أهلها. ومَن أراد أن يكتب خاتمتَه بيده، فليبدأ بأن يجعل الوطنَ غايةَ القرار، لا خادمةً لمصالح الآخرين.