تدخل المواجهة الأميركية–الإيرانية واحدةً من أشدّ مراحلها حساسيةً، حيث تتزاحم الاتصالات والوساطات الإقليمية على حافة احتمالات عسكرية بالغة الخطورة. فالمأزق لم يعد محصورًا في تعثّر التفاوض، بل في اتساع المسافة بين ما تطلبه واشنطن من ضمانات وتنازلات، وما تعتبره طهران حدودًا لا يجوز تجاوزها في أمنها وسيادتها وموقعها الإقليمي. وفي ظل غياب اختراق سياسي معلن يؤسّس لتسوية قابلة للحياة، تصبح الساعات والأيام المقبلة اختبارًا لقدرة الوسطاء على انتزاع تفاهم مؤقت يمنع انتقال الأزمة من إدارة التهديد إلى تنفيذ الحرب. والمفارقة أن الحشد العسكري والتهويل المتبادل قد يكونان وسيلتين لتحسين شروط التفاوض، كما قد يتحولان، بفعل سوء التقدير أو انهيار قنوات الاتصال، إلى مقدمة لصدام لا يستطيع أيّ من الطرفين ضمان حدوده أو توقيت نهايته.
أما على مستوى الترجيحات، فإن فرص تمديد وقف إطلاق النار لأسبوعين أو أكثر تبدو أكثر واقعية من فرص إنجاز اتفاق شامل في المدى المنظور، لكنها ليست مضمونة. فالوساطة القطرية، مدعومةً بمساعٍ إقليمية أوسع، تحاول هندسة مخرج يمنح الطرفين وقتًا إضافيًا من دون أن يظهر أيّ منهما بمظهر المتراجع. وتكمن العقدة في ترتيب الالتزامات، من رفع الحصار الأميركي وإعادة فتح مضيق هرمز إلى العقوبات والملف النووي. وقد أبدت طهران استعدادًا لتسريع تنفيذ مقترحها، لكن ذلك لم يفضِ حتى الآن إلى اختراق حاسم.  وفي تقدير الموقف، يبقى سيناريو التمديد المحدود مرجحًا سياسيًا إذا نجح الوسطاء في تثبيت خطوات متبادلة قابلة للتحقق؛ أما إذا تعذّر ذلك، فإن الاستعدادات العسكرية القائمة تمنح خيار استئناف الحرب جدية تتجاوز حدود الضغط النفسي. وعليه، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الطرفان قادرين على خوض حرب جديدة، بل ما إذا كانا مستعدين لتحمّل أثمانها المفتوحة، بعدما أثبتت المواجهات السابقة أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة فرض خاتمة سياسية.
لبنانيًا، تكمن الخطورة في احتمال تحوّل الجبهة الجنوبية إلى إحدى ساحات تصفية الحسابات الإقليمية، لا في حتمية اندلاع حرب إسرائيلية شاملة. فتصاعد التهديدات الإسرائيلية يتقاطع مع محاولات الضغط على لبنان لمنع انخراط حزب الله في أي مواجهة متجددة مع إيران، وهو ما يجعل الساحة اللبنانية شديدة التأثر بمآلات التفاوض الأميركي–الإيراني.  غير أن التهديد بالاجتياح أو توسيع العمليات لا يعني بالضرورة توافر القدرة السياسية والعسكرية على تحمّل حرب طويلة ومتعددة الجبهات. وفي التقدير، قد تفضّل إسرائيل توسيع الضربات المحدودة واستثمار التهديدات لانتزاع مكاسب ميدانية وسياسية، فيما يبقى الانزلاق إلى مواجهة أوسع مرتبطًا بطبيعة الضربة الأميركية المحتملة وحجم الرد الإيراني وموقف حزب الله. الخلاصة أن الأيام المقبلة قد لا تحمل اتفاقًا ينهي الحرب، بل تفاهمًا يؤجّل انفجارها؛ وقد يكون تمديد الهدنة انتصارًا مؤقتًا لمنطق الاحتواء، لا إعلانًا لانحسار الخطر. أما لبنان، فإن مصلحته الاستراتيجية تقتضي ألّا يتحوّل من ساحة تتلقى ارتدادات الصراع إلى جبهة تدفع أثمانه المباشرة.
عباس المعلم - كاتب سياسي