صابر العبسي / تونس
لمْ ألجْ بكارةَ متاه هذا الوجود منْتميًا إلى عائلة لها الوجاهة العلميّة والأبّهة الأرستقراطية ولم تنفتح عيناي الشاسعتان بسوادهما الخلّبي على أيّ كتابٍ أورفّ خشبيّ ينوءُ بحمْل المعاجم والقواميس والجمهرات من الكتب التراثية، ولمْ أولد في مكتبة الجدّ ولمْ أنشأ تحْت برْنسه الصوفي كما جرت العادة وفْق سير الكتّاب والشّعراء والفنّانين العظام ...
كان كتابي الأوْحد والوحيدُ الذي حبتني به الأقدار هو البسْتانُ الذّي كنّا نسكنه وأبي ما انفكّ يفْلحه بكدّ وشقاء بطوليّ ذلك البستانُ الزاخرُ بشجيرات المنْدرين والبرْتقال والخوْخ والتفّاح والكروم، مبرقش ومطرز بعناية باذخة سجّادة من الفلافل والكزْبرة الرؤوم والنعنع الغضّ كانتْ كلُّ عناصره غارقة في الخضرة حدّ العظم والدّم متقدة به ممّا أوْرثتني تلك الخضرة الناهشة لبّ الناظر رغبة جامحةً ومسْعورة ومحْمومة في التعلّق بالكتابة منْهج حياةٍ وسبيل خلاص وطوْق نجاة من كلّ ملمّات التّيه من فقْد ولوْعة وحرمان حتى أنّي إلى حدّ هذه اللحظة لست أخربش أو أخطّ حرفا أو فكرة مَا أسْعى الى ترويضها أو سلّها من عدمٍ إلاّ بالحبْر الأخضر
في تلك الأعوام الهاربة كالغزلان شاردة والمتبخّرة فقّاعات صابون، أعْوامُ طفولاتي الأولى تلك الضاربة بكامل حدّة إيقاعها في دخيلتي
لم أدْرك من الكتب إلاّ الطبيعة بشتّى تلاوينها وعناصرها مرمية ومحزومة في بسْتان كان ذلك كتابي العظيم الذي لم ينجز الله بديلا غيره إثباتا لعظمته وقدرته على الخلق والابداع ترسيخا لموهبته على أنّه أعظم الشعراء وأمهر التشكليين وأبلغ النحّاتيين وألمع المؤلفين على الطرب والغناء...
من خلاله أي البسْتان اكتشفتُ العالم الذي ظلّ لثلاثة عقود مسيّجا وضيّقا حتّى وإن أوهمنا بالرحابة والتعدّد والتنوّع اللانهائيّ بل على العكس تماما مازلت أؤمن أن ذلك البستان الذي نشأت فيه وتعفّرت بأتربته ونباتاته الهشّة أرْحبُ من العالم الذي ينتمي إليه باعتباره لمْ يزل في مخيّلتي البكر أشدّ يناعة ونضارة وطمأنينة أشدّ قدرة على التجدد مواجهة لجرافات المحو والنسيان،
وبعد أن ارْتحلْنا وهاجرناه مرْغمين و مطرودين من فرْدوسنا الذي لا يمْلكه إلاّ أحد الإقطاعيين بعد أن كاد أبي يغرس المذراة الفولاذية في أحشائه لولا غروب هذا الأخير...
في ثمانينيات القرن الماضي ذلك البستان وإنْ غادرناه
لمْ أستطع طبْعا طيّه في محْفظتي الصغيرة أو في صرّة الأم .. لمْ أستطع طبْعا أن أضعه تحت إبطي كدفترمدرسي أو فوْق ظهري ككيس من البرتقال لأحمله أيْنما سنرحلُ لحظتها فقط أدركتُ لابدّ لي من حيلةٍ تحقّق رغبتي في أن أجمع بستانا بكامله يظلّ رهن رؤاي وحواسي فاكْتشفت فيما بعد أن االكتابة وحْدها قادرة أن تختزل الصحْراء حبّة رمل والبحْر قطرة ماء والسماوات قبّعة أو سوارا...
واكتشفتُ أن الكتابة ليست ترفا أو تسلية بقدرما هي ضرورة لا يمكنُ دونها التنفّس أو التبصّر... فهي حاسة الحواس وذاكرة اللّغات إنّها شبيهة تماما بعناصر الخلق الأولى بل هي الخلق في أوْج إشراقاته اللامتوقّعة،
فمن لحظتها الى الآن ما أحاول كتابته بالضبْط هو أن أضع ذلك البستان بكامل أزاهيره وفراشاته ونباتاته وأشجاره بين دفتيْ كتاب لكن شعور دائم بعدم الرضا والغبْن إن ما أسعى إلى تحقيقه يظلّ خارج قبضة اليد ...
انصتوا انصتوا معي ثمة من يصعدُ الدرجات كلّ ليل إلى غرفتي لم يكن شبحا ولا رجل بوليس بمعطفه الطويل ومسدسه الأسود بل البستان نفسه يهجم عليّ مقتحما عزلتي فإذْ هي الجدران أحجاره والخزانة والسّرير والرفّ والمنْضدة والكرسيّ أشجاره والمرآة بئره العميقة التي يعششّ في شقوقها اليمام والبُوم وفيما الوسائد والأغطية والملابس والستائر والملابس كلّها ماشيته
هكذا إذن: تكتبنا الأمكنة أكثر مما نتوهّم كتابتها وما نحن في الحقيقة لا نسعى عبر الكتابة إلاّ لاستعادة الفردوس الأوّلي الرّحمي ذاك المشتهى المفقود
ويظلّ في هذا الخضمّ من الألم والفقد ذلك البستان أعْظم كتاب قرأته في حياتي
ولم أفك بعد شيفرات أسراره الكثيفة كالأحجية
- شاعر و باحث في قضايا الأدب العربي المعاصر