نجح باحثون في تطوير بكتيريا معوية معدلة وراثيا ، قادرة على اكتشاف علامات الالتهاب داخل الأمعاء وإنتاج بروتينات تساعد على ترميم الأنسجة المتضررة واستعادة وظيفة الحاجز المعوي.
وقد أظهرت التجارب أن هذه البكتيريا ساهمت في تقليل تلف الأنسجة وتسريع استعادة الوظيفة الوقائية للأمعاء لدى الفئران وصغار الخنازير، ما يفتح المجال أمام تطوير أساليب علاجية جديدة للأمراض الالتهابية المعوية.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعة هونان في الصين، ونُشرت نتائجها في مجلة Cell Reports العلمية.
بكتيريا معدلة لرصد الالتهاب المعوي

استخدم الباحثون بكتيريا الإشريكية القولونية النافعة Escherichia coli Nissle 1917، وهي سلالة بروبيوتيك معروفة، وأدخلوا عليها تعديلات وراثية تجعلها تستجيب للعلامات الكيميائية المرتبطة بالالتهاب داخل الأمعاء.
وتؤدي الأمراض الالتهابية المعوية إلى تلف الغشاء المخاطي الذي يبطن الأمعاء، ويشكل حاجزا واقيا يمنع تسرب البكتيريا والمواد الأخرى إلى أنسجة الجسم.
ولا يقتصر علاج هذه الحالات على تقليل الالتهاب، بل يتطلب أيضا مساعدة الخلايا المتضررة على التعافي وإعادة بناء الحاجز المعوي الذي يحمي الجسم.
مفتاح جيني يحول الالتهاب إلى إشارة ضوئية
لجعل البكتيريا قادرة على اكتشاف الالتهاب، أضاف العلماء إليها مفتاحا جينيا يستجيب لما يعرف باسم أنواع الأكسجين التفاعلية، وهي مركبات يزداد إنتاجها داخل الأنسجة عند حدوث الالتهاب.
وللتحقق من قدرة هذا النظام على رصد الالتهاب، جعل الباحثون البكتيريا تنتج إنزيما مضيئا يمكن قياس شدة الضوء الصادر عنه.
بعد ذلك، أدخلوا الكائنات الدقيقة المعدلة إلى الفئران، ثم فحصوا عينات من برازها.
وأظهرت النتائج أن شدة الإشارة الضوئية ازدادت كلما ارتفعت درجة تلف الأمعاء، ما يشير إلى قدرة البكتيريا على رصد التغيرات الكيميائية المرتبطة بالالتهاب.
اختبار البكتيريا على عينات بشرية
انتقل الباحثون بعد ذلك إلى اختبار النظام باستخدام عينات براز مأخوذة من ثمانية مرضى مصابين بأمراض الأمعاء الالتهابية، وثمانية متطوعين أصحاء.
وأضاف العلماء البكتيريا المعدلة وراثيا إلى العينات، ثم قاسوا شدة الإضاءة بعد مرور ست ساعات.
وكانت الإشارة الضوئية أقوى في عينات المرضى المصابين بأمراض الأمعاء الالتهابية مقارنة بعينات الأشخاص الأصحاء.
وأكدت هذه النتيجة قدرة البكتيريا على الاستجابة للعلامات الكيميائية المرتبطة بالالتهاب في العينات البشرية، وليس في التجارب الحيوانية فقط.
بروتين يساعد على ترميم بطانة الأمعاء
في المرحلة التالية، عدل الباحثون البكتيريا لإنتاج نسخة معدلة من بروتين الإنترلوكين-22، وهو بروتين يساهم في دعم تجدد الأنسجة المخاطية وإصلاح بطانة الأمعاء.
وكانت الميزة الأساسية في النظام الجديد أن إنتاج هذا البروتين لا يحدث بصورة مستمرة، بل يبدأ فقط عندما تستشعر البكتيريا العلامات الكيميائية الدالة على وجود التهاب.
وبذلك جمع الباحثون بين وظيفتين في نظام واحد: اكتشاف الالتهاب والاستجابة له بإنتاج مادة تساعد على إصلاح الأنسجة المتضررة.
نتائج واعدة في تجارب الفئران والخنازير
أظهرت الاختبارات التي أجريت على فئران مصابة بالتهاب القولون التجريبي أن البكتيريا المعدلة وراثيا ساعدت على تقليل تلف الأنسجة وتسريع استعادة الحاجز الوقائي للأمعاء.
كما أكدت تجارب منفصلة على صغار الخنازير قدرة هذه البكتيريا على الحد من الأضرار التي تصيب الأنسجة المعوية.
وتشير النتائج إلى إمكانية تطوير بكتيريا نافعة تعمل بطريقة ذكية، فتتعرف على الالتهاب داخل الأمعاء وتنتج مواد علاجية في المكان الذي يحتاج إليها الجسم.
هل تصبح البكتيريا المعدلة علاجا لأمراض الأمعاء؟
رغم النتائج الواعدة، لا تزال هذه التقنية في مرحلة البحث والتطوير، إذ اقتصرت الاختبارات العلاجية حتى الآن على الحيوانات، بينما اقتصر الاختبار البشري على عينات البراز خارج الجسم.
ولذلك، لا بد من إجراء دراسات إضافية لتحديد مدى أمان هذه البكتيريا وفعاليتها لدى البشر، والتأكد من قدرتها على العمل داخل الأمعاء دون التسبب في آثار جانبية غير مرغوبة.
ويرى الباحثون أن هذا النهج قد يمهد مستقبلا لتطوير علاجات حيوية تعتمد على بكتيريا نافعة قادرة على اكتشاف المرض والاستجابة له بصورة موضعية، بدلا من الاكتفاء بإيصال الأدوية إلى الجسم بصورة تقليدية.