البشير عبيد / تونس

ليس من السهل أن تتحول تجربة صحفية طويلة إلى رصيد معرفي يغذّي الكتابة الإبداعية، كما ليس يسيرًا أن ينتقل المحاور الثقافي من موقع الإصغاء إلى أصوات المبدعين واستكشاف تجاربهم إلى موقع الكاتب الذي يبحث عن صوته الخاص، ويختبر قدرته على بناء عالم روائي تتقاطع فيه الذاكرة بالواقع، والتجربة الفردية بالتحولات الاجتماعية. غير أن تجربة الروائي المصري أحمد طايل تتيح لنا الاقتراب من هذه العلاقة المركبة بين الحوار والكتابة، وبين معرفة تجارب الآخرين ومحاولة فهم الذات، فضلًا عن الصلة بين الصحافة الثقافية بوصفها مجالًا للتواصل المعرفي والرواية باعتبارها فضاءً لإعادة تشكيل الحياة سرديًا.
تستمد هذه التجربة أهميتها من تعدد مساراتها، ومن اتصالها بالحكاية والبيئة الاجتماعية المصرية، إلى جانب سنوات من العمل الصحفي والحوار الأدبي. فقد بدأ طايل نشر مقالاته في الصحف الإقليمية منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وعمل في الصحافة الثقافية، قبل أن يوسّع حضوره في مجال الحوارات الأدبية ويخوض تجربة الرواية. وقد انعكست هذه المسارات في مجموعة من الكتب الحوارية والأعمال السردية التي تكشف عن اهتمامه بالإنسان ومحيطه الاجتماعي، وما يعتمل فيهما من تحولات.
و ما يستحق التأمل هنا ليس مجرد الانتقال بين أجناس الكتابة، بل طبيعة الصلة التي يمكن أن تنشأ بينها. فالحوار الأدبي، حين يتجاوز الأسئلة الجاهزة والإجابات المألوفة، يصبح وسيلة لاكتشاف طرائق تشكّل الوعي الإبداعي، فيما تمنح الرواية صاحبها فرصة لإعادة النظر في التجربة الإنسانية من خلال الشخصيات والعلاقات و المصائر. وبين المجالين تتحرك تجربة أحمد طايل، بما تطرحه من أسئلة عن وظيفة الكاتب، ومسؤولية الكلمة، ودور الذاكرة في فهم الحاضر.
الصحافة الثقافية وفن الحوار.. الإصغاء بوصفه طريقًا إلى المعرفة
لا يُقاس نجاح المحاور الثقافي بعدد اللقاءات التي أجراها مع الكتاب والمبدعين، ولا بأهمية الأسماء التي استضافها وحدها، بل بقدرته على تحويل الحوار إلى مساحة للكشف عن التجارب والأفكار، واستجلاء ما تختزنه المسيرة الإبداعية من أسئلة وتناقضات وتحولات. فالمحاور الجاد لا يكتفي بمنح ضيفه فرصة الحديث عن كتبه، وإنما يسعى إلى فهم الشروط التي أسهمت في إنتاجها، والعلاقة التي تربطها بتكوين صاحبها وبيئته ورؤيته إلى العالم.
من هذا المنظور، يمكن قراءة مسيرة أحمد طايل في الصحافة الثقافية والحوار الأدبي. فقد ارتبط اسمه بإصدارات حوارية من بينها «على أجنحة أفكارهم» و«شواطئ إبداعية»، وهما عنوانان يشيان باهتمامه بتجارب الكتاب والكاتبات، وبالعوالم الفكرية التي تتشكل داخلها الكتابة. وتدل هذه التجربة على انشغاله بالحوار بوصفه مجالًا لتبادل المعرفة، لا مجرد وسيلة لإنتاج مادة صحفية قابلة للنشر.
وتكتسب هذه الخبرة دلالة إضافية حين نتأمل طبيعة الحوار الثقافي نفسه. فمحاورة روائي أو شاعر أو ناقد تتطلب معرفة بمفردات تجربته، وقدرة على التمييز بين ما يقوله صاحب العمل عن نفسه وما يكشفه العمل ذاته. وهذه المسافة ضرورية؛ لأن تصريحات الكاتب لا تستنفد معاني نصه، كما أن سيرته الشخصية لا تفسّر وحدها اختياراته الفنية. لذلك فإن الحوار الجيد هو الذي يفتح بابًا للتأويل، ويتيح للقارئ أن يرى ما وراء الإجابات المباشرة.
من هنا تبدو سنوات الإصغاء إلى تجارب الآخرين رصيدًا معرفيًا يمكن أن يسهم في تكوين المحاور والروائي معًا. فقد أشار أحمد طايل، في حوار نشرته مجلة «دار العرب الثقافية» في أغسطس 2026، إلى أثر النشأة الريفية في تكوينه، وإلى حضور الحكايات التي كان يسمعها في محيط أسرته وقريته، فضلًا عن أثر اللقاءات الثقافية في فهم الإنسان والواقع الاجتماعي. كما ربط، في حديثه عن العلاقة بين الحوار والكتابة الروائية، بين الخبرات التي راكمها من التعرف إلى المبدعين وما انعكس منها على عالمه السردي.
و لا ينبغي فهم هذا التأثير باعتباره انتقالًا آليًا من الحوار إلى الرواية. فالمعرفة التي يكتسبها الكاتب من الآخرين لا تتحول إلى أدب بمجرد تراكمها، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء داخل المخيلة، وإلى اختيارات فنية تميّز بين نقل التجربة وإعادة تشكيلها. غير أن الاحتكاك المتواصل بتجارب متنوعة قد يوسّع أفق الكاتب، ويجعله أكثر انتباهًا إلى تعدد الدوافع الإنسانية، وإلى التباين بين الصورة التي يقدمها الإنسان عن نفسه والحقيقة المركبة التي تكشفها مواقفه وعلاقاته.
وتبرز هنا قيمة المحاور الذي لا يجعل حضوره الشخصي أكثر أهمية من ضيفه، ولا يحوّل الحوار إلى مناسبة لتكرار المواقف الجاهزة. فالثقافة العربية تحتاج إلى صحافة تتيح للأفكار أن تتفاعل، وللتجارب أن تُقرأ في اختلافها، بدل اختزال المشهد الثقافي في أسماء متجاورة أو عبارات إعجاب متبادلة. ومن هذه الزاوية، تمثل تجربة طايل مدخلًا لمناقشة أهمية الحوار الأدبي في بناء الذاكرة الثقافية، وتوثيق التحولات التي شهدتها الكتابة العربية عبر أجيال متعاقبة.
لكن قيمة هذا المسار لا تتحدد بالرصيد الصحفي وحده. فالسؤال الأهم هو: كيف تتحول المعرفة المتراكمة إلى رؤية سردية؟ وكيف يستطيع الكاتب الانتقال من الإصغاء إلى حكايات الآخرين إلى ابتكار شخصيات تحمل تناقضاتها الخاصة، وتعيش صراعاتها بعيدًا عن التفسير المباشر والأحكام المسبقة؟ هنا ننتقل من أحمد طايل المحاور إلى أحمد طايل الروائي.
أحمد طايل الروائي.. حين تتحول ذاكرة الحياة إلى مادة للسرد
تحتل الذاكرة موقعًا مهمًا في فهم التجربة الروائية؛ فهي ليست مخزنًا محايدًا للأحداث، بل طريقة لاستعادة الماضي وإعادة تفسيره من منظور الحاضر. وما يبقى في الذاكرة لا يعود بالضرورة كما وقع، وإنما يتغير تبعًا لما يكتسبه الإنسان من خبرات، وما يطوّره من قدرة على فهم ذاته والآخرين. ومن هذه العلاقة بين الذاكرة والزمن يمكن الاقتراب من بعض ملامح عالم أحمد طايل الروائي، من دون اختزال أعماله في سيرته الشخصية أو افتراض أن كل شخصية تستعيد تجربة عاشها الكاتب مباشرة.
تضم تجربته الروائية أعمالًا من بينها «الوقوف على عتبات الأمس»، و«متتالية حياة»، و«المتشابهون»، إلى جانب «شيء من بعيد ناداني» و«رأس مملوء حكايات»، وفق البيانات المنشورة عن كتبه. ويشير تنوع هذه العناوين إلى حضور الماضي والحياة والحكاية بوصفها مداخل محتملة إلى عوالمه السردية، لكن الحكم الدقيق على كل عمل يقتضي قراءة بنيته وشخصياته ولغته، لا الاكتفاء بما يوحي به عنوانه.
وتتيح رواية «المتشابهون»، الصادرة سنة 2023، مدخلًا خاصًا إلى هذا العالم. فقد تناولتها قراءات نقدية متعددة، ركز بعضها على دلالة التشابه في العلاقات الاجتماعية، وعلى الصلة بين الشخصية المحورية ومحيطها، فيما اهتمت قراءات أخرى بتداخل الماضي والحاضر، وبالتحولات التي تصيب الأسرة ومفاهيم الزواج والهوية والحرية.
ولا تنحصر أهمية عنوان «المتشابهون» في كونه تسمية للعمل، بل في الأسئلة التي يثيرها: ما الذي يجعل البشر متشابهين؟ أهي القيم التي يتوارثونها، أم الظروف الاجتماعية التي تعيد إنتاج السلوك نفسه، أم الخوف من الخروج عن النموذج الذي اعتاد المجتمع الاعتراف به؟ وهل التشابه ضمانة للتفاهم والاستقرار، أم قد يتحول إلى عائق يحول دون استقلال الفرد واكتشافه لذاته؟
تسمح هذه الأسئلة بقراءة الرواية من زاوية العلاقة بين الفرد والجماعة. فالإنسان لا يتكوّن خارج محيطه، لكنه لا يذوب فيه بالكامل أيضًا. إنه يحمل آثار الأسرة والبيئة والتقاليد، وفي الوقت نفسه يختبر حدود هذه الموروثات عندما تتغير حاجاته أو تتعارض اختياراته مع توقعات الآخرين. ومن هنا يصبح الصراع بين التشابه والاختلاف جزءًا من فهم الهوية، لا مجرد تعارض بين شخصيات متفقة وأخرى متنازعة.
وإذا كانت الأسرة إحدى المساحات التي تتجلى فيها هذه الإشكالية، فإنها لا تظهر بوصفها وحدة اجتماعية ثابتة، بل باعتبارها علاقة متحركة بين أجيال تتباين تصوراتها عن الحياة والحرية والمسؤولية. فالتقاليد التي تمنح الجماعة شعورًا بالاستمرار قد تتحول، حين تُعامل باعتبارها قواعد لا تقبل المراجعة، إلى مصدر للتوتر بين رغبات الأفراد والتوقعات المفروضة عليهم. وفي المقابل، لا يعني التغيير بالضرورة القطيعة مع الماضي، بل قد يتطلب إعادة فهمه والتمييز بين قيمته الإنسانية وأشكال تطبيقه التي تجاوزها الزمن.
هنا تتجلى قدرة الرواية الاجتماعية على طرح الأسئلة من خلال المصائر والتفاصيل، لا عبر تقديم إجابات جاهزة. فالشخصية الروائية ليست نموذجًا أخلاقيًا مكتملًا، وإنما كائن تتنازعه الرغبات والمخاوف والذكريات والضغوط. وكلما نجح السرد في إظهار هذه التناقضات، ابتعد عن التنميط، وأتاح للقارئ أن يفهم دوافع الشخصيات حتى عندما يختلف مع قراراتها.
ولا يمكن فصل هذه الأسئلة عن التحولات التي عرفها المجتمع المصري والعربي، حيث تغيرت أنماط العيش، واتسعت المسافة بين بعض الموروثات الاجتماعية وتطلعات الأجيال الجديدة، وتداخلت الخبرات المحلية مع تأثيرات العالم الأوسع. غير أن الرواية لا تصبح وثيقة اجتماعية لمجرد حضور هذه التحولات فيها؛ فقيمتها الفنية تتوقف على الطريقة التي تعيد بها بناء الواقع، وعلى قدرتها على تحويل الوقائع إلى علاقات سردية ذات دلالة.
من هنا تبدو قراءة «المتشابهون» مناسبة للتوقف عند قدرة الرواية على مساءلة ما نعدّه مألوفًا. فالمألوف ليس بالضرورة طبيعيًا أو أبديًا، وما تتفق عليه الجماعة في مرحلة تاريخية قد يصبح موضع مراجعة في مرحلة أخرى. وهذه المسافة بين ما يعيشه الإنسان وما يُطلب منه أن يكونه تفتح مجالًا للتأمل في معنى الحرية، وفي الحدود التي تفصل الانتماء إلى المجتمع عن التنازل عن حق الفرد في الاختيار.
ومع ذلك، يقتضي الإنصاف النقدي ألا نحمّل الرواية أكثر مما يسمح به بناؤها، وألا نحوّل الأسئلة التي تثيرها إلى أحكام نهائية على العمل أو على صاحبه. فالقراءة الجادة تظل مرتبطة بتفاصيل النص، وكيفية توزيع الأدوار، وبناء الشخصيات، وإدارة الزمن، وتشكيل اللغة. وما تقدمه القراءات المنشورة عن «المتشابهون» من مداخل موضوعية يتيح تأسيس نقاش حولها، لكنه لا يغني عن العودة إلى النص نفسه كلما أردنا إصدار حكم تفصيلي على تقنياته الجمالية.
إن انتقال أحمد طايل إلى الرواية يطرح، في هذا الإطار، سؤالًا مهمًا عن العلاقة بين الخبرة الثقافية والتشكيل الفني. فالاطلاع على تجارب الآخرين يوسّع معرفة الكاتب بالحياة، لكنه لا يعفيه من ابتكار عالمه الخاص. والحوار يمنحه فرصة الاقتراب من أصوات متعددة، أما الرواية فتطالبه بأن ينسج من هذا التعدد بناءً فنيًا تتفاعل داخله الشخصيات والأحداث والدلالات. وبين المهمتين تتحدد المسافة التي تفصل المعرفة عن الإبداع، وتمنح الكتابة مشروعيتها الجمالية.
بين مسؤولية الكلمة وأسئلة الثقافة العربية.. الكاتب في زمن التحولات
لا تنفصل الكتابة عن الشروط الثقافية التي تنتجها، ولا عن طبيعة العلاقة بين الكاتب والقارئ والمؤسسات التي تتيح للنصوص الوصول إلى جمهورها. فالصحافة الثقافية ليست مجرد نافذة على الإصدارات الجديدة، كما أن الرواية ليست نشاطًا معزولًا عن الأسئلة التي تشغل المجتمع. كلاهما يشارك، بطريقته، في تشكيل الوعي؛ الأول عبر الحوار والتعريف بالتجارب وتداول الأفكار، والثاني عبر بناء عوالم تخييلية تتيح للقارئ إعادة النظر في علاقته بذاته وبالآخرين.
من هذا المنظور، تكتسب تجربة أحمد طايل دلالة تتجاوز تعدد إصداراتها. فالجمع بين الصحافة والحوار و الرواية يتيح النظر إلى الكتابة باعتبارها مسارات متكاملة، وإن لم تكن متطابقة. لكل مسار أدواته ومقتضياته؛ فالصحفي مطالب بالدقة والوضوح، والمحاور مطالب بالتحضير والإنصات والقدرة على بناء السؤال، والروائي مطالب بتشكيل الشخصيات والعوالم وإدارة اللغة والزمن. وأي انتقال ناجح بين هذه المجالات يستلزم احترام خصوصية كل واحد منها، لا الاكتفاء بتغيير القالب مع الاحتفاظ بالطريقة نفسها في التعبير.
و تبرز مسؤولية الكاتب أيضًا في علاقته بالنقد. فالنقد ليس امتدادًا للاحتفاء بالكاتب، ولا ينبغي أن يتحول إلى مساحة لتبادل المجاملات بين المبدعين. إنه فعل قراءة يختبر النصوص، ويكشف ما تحققه وما تتعثر فيه، ويضعها في سياقها الفني والثقافي من دون أن يلغي خصوصيتها. وقد تناول أحمد طايل، في حوار نشرته مجلة «إضاءات» سنة 2022، ما رآه من تراجع في المشهد النقدي واتساع الفجوة بين الثقافة العربية ونظيرتها الغربية. وتفتح هذه الرؤية بابًا للنقاش حول واقع النقد وشروط تطوره، لا بوصفها حكمًا نهائيًا، بل باعتبارها وجهة نظر تستحق المناقشة في ضوء التحولات التي تشهدها الساحة الثقافية.
إن أزمة النقد، حيثما ظهرت، لا تتعلق بغياب الأحكام وحده، بل بمدى استقلال القراءة وقدرتها على تقديم حجج واضحة تستند إلى النصوص. فحين يغلب الانطباع على التحليل، أو تحل العلاقات الشخصية محل المعايير الفنية، يخسر الكاتب فرصة معرفة موقع عمله الحقيقي، ويخسر القارئ أداة تساعده على التمييز بين التجارب. أما النقد الذي يحترم العمل الأدبي، فلا يخشى الإشارة إلى مواطن الضعف؛ لأن غايته ليست الانتقاص من المبدع، وإنما الإسهام في تطوير الحوار حول الأدب ومعاييره.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى صحافة ثقافية تتيح للكاتب أن يُقرأ خارج دائرة العلاقات الضيقة، وأن يجد القارئ أمامه مادة تتجاوز الخبر السريع إلى المعرفة. فالحوار الذي يكشف تجربة مبدع، والمقال الذي يناقش رواية، والدراسة التي تضع عملًا في سياقه، كلها أشكال من العمل الثقافي الذي يراكم الذاكرة الأدبية. لكن هذا الدور لا يتحقق بكثرة النشر وحدها؛ إذ يحتاج إلى الاختيار الواعي، والتحرير الدقيق، واحترام القارئ، والتمييز بين القيمة الفنية والضجة العابرة.
كما فرضت التحولات الرقمية على الصحافة الثقافية تحديات جديدة. فقد اتسعت فرص الوصول إلى النصوص والأفكار، لكن سرعة التداول لا تضمن بالضرورة عمق القراءة، وكثرة المنصات لا تعني تلقائيًا تنوع الرؤى. وفي هذا الواقع، تزداد أهمية المحاور الذي يُحسن إعداد أسئلته، والكاتب الذي يمنح نصه الوقت اللازم للنضج، والناقد الذي لا يستبدل التأمل بالتسرع. فالثقافة لا تُقاس فقط بما يصل إلى الجمهور، بل أيضًا بنوعية المعرفة التي تتركها لديه.
ولا يمكن مطالبة الكاتب بأن يحمل وحده مسؤولية المشهد الثقافي؛ إذ تتداخل في هذا المجال أدوار الناشرين والمحررين والمؤسسات التعليمية والهيئات الثقافية والقراء. غير أن الكاتب يظل مسؤولًا عن خياراته، وعن صدق علاقته بما يكتب، وعن مقاومة تحويل الأدب إلى مجرد حضور إعلامي. فالمكانة الثقافية لا تُبنى بتراكم اللقاءات أو بتعدد العناوين وحده، وإنما بما يضيفه العمل إلى خبرة القراءة، وبما يفتحه من أسئلة، وبقدرته على البقاء في الذاكرة بعد انقضاء لحظة النشر.
ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة أحمد طايل بوصفها مسارًا يستحق المتابعة النقدية في حقليه الصحفي والروائي معًا. فالإنجاز في أحدهما لا يعفي صاحبه من شروط الآخر، كما أن الخبرة الطويلة لا تعني اكتمال المشروع أو توقفه عن التطور. وتكمن قيمة التجربة في إمكان استمرار الحوار بين مساراتها، وفي قدرتها على اختبار أدواتها وتوسيع أفقها، وفي أن تظل الكتابة مجالًا للسؤال لا وسيلة لتثبيت صورة نهائية عن الكاتب.
إن الثقافة العربية، في لحظتها الراهنة، تحتاج إلى مقاربة توازن بين الاعتراف بالجهد والمساءلة النقدية. فلا معنى للاحتفاء بمبدع إذا تحول الاحتفاء إلى بديل عن قراءة أعماله، ولا جدوى من النقد إذا انقلب إلى أحكام لا تفسر النصوص ولا تكشف آلياتها. وبين هذين الطرفين تتشكل الكتابة الثقافية الجادة: قراءة تحترم صاحب العمل من دون أن تتخلى عن استقلالها، وتمنح التجربة حقها من الاهتمام من دون أن ترفعها فوق المساءلة.
خاتمة
تمنحنا تجربة أحمد طايل فرصة للتأمل في مسار الكاتب الذي يتنقل بين الإصغاء إلى الآخرين والبحث عن صوته السردي، وبين توثيق التجارب الثقافية وإعادة تشكيل الحياة داخل الرواية. فالصحافة الثقافية، حين تقوم على المعرفة والإنصات، توسّع أفق الكاتب وتعرّفه إلى تنوع الرؤى، لكنها لا تغني عن العمل الفني الذي يحوّل الخبرة إلى بناء سردي مستقل. والرواية، بدورها، لا تكتفي باستعادة الذاكرة، بل تعيد مساءلتها، وتختبر ما تحمله من قيم وصراعات وتصورات عن الإنسان والمجتمع.
و لعل أهمية هذا المسار تكمن في الأسئلة التي يتيحها أكثر مما تكمن في أي حكم إجمالي على صاحبه: كيف يتحول الإصغاء إلى معرفة؟ وكيف تتحول المعرفة إلى إبداع؟ وما الذي يبقى من الكتابة عندما تتراجع الضجة الإعلامية وتستقر الأعمال أمام قارئ يختبر لغتها وشخصياتها وأفكارها؟
إنها أسئلة تتجاوز تجربة فردية لتطال معنى العمل الثقافي نفسه. فالمحاور الجيد يفتح الطريق إلى تجارب الآخرين، والروائي الجاد يمنح هذه التجارب إمكانات جديدة للفهم والتأويل، والناقد المسؤول يساعد القارئ على اكتشاف ما تحققه النصوص وما تتركه من أسئلة معلقة. وبين هذه الوظائف تتحدد قيمة الثقافة بوصفها فعلًا مستمرًا للمعرفة والمراجعة والتجدد.
أحمد طايل، في هذا المنظور، ليس مجرد اسم يجمع بين الصحافة والرواية، بل تجربة يمكن قراءة مساراتها المتعددة لفهم العلاقة بين الحوار والإبداع، وبين الذاكرة الفردية والتحولات الاجتماعية، وبين مسؤولية الكاتب وحق النص في قراءة مستقلة. وتبقى القيمة الأهم لأي مشروع ثقافي في قدرته على أن يظل مفتوحًا على الأسئلة، وأن يمنح القارئ ما هو أبعد من التعريف بصاحبه: فرصة جديدة للتفكير في الإنسان، وفي الحكايات التي يصنع بها معنى حياته.
- كاتب صحفي و باحث في قضايا التنمية و المواطنة و التنوير و آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي.