القائمة الرئيسية

كتبت الكاتبة ميس القناوي.. بعد أربعة عقود على النصر.. هل استطاع العدو تشويش العقل العربي؟

07-10-2020, 10:42 ميس القناوي
موقع إضاءات الإخباري

نصر السادس من أكتوبر عام 1973 لم يكن مجرد انتصار عسكري عربي على العـدو الإسرائيلي فحسب، لكنه كان كذلك وبالأساس نتاج حالة متميزة من الوعي المجتمعي واليقظة الفكرية العربية في مواجهة المحاولات الإسرائيلية المستميتة لتكريس قيم الإنكسار والانهزام وقلة الحيلة وجلد الذات والركون لسياسة الأمر الواقع والقبول بها عقب النكسة. 

‏بعد مرور 47 عامًا على نصر أكتوبر، تحاول إسرائيل مجددًا، التشويش على الرأي العام العربي، مستهدفة الشباب بشكل خاص، لجهة تغيير وإعادة تشكيل صورتها الذهنية المستقرة في العقل والوجدان العربي الجمعي منذ أكثر من سبعة عقود ككيان احتلال.

‏فقد وجدت "إسرائيل" فيما تسمى "ثورات الربيع العربي" أواخر عام 2010 ومطلع 2011، وما أفرزته من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، فرصة مواتية لبلوغ مرادها، عبر انتهاج ما يمكن تسميته باستراتيجية "تسميم العقل العربي".

‏تقوم الاستراتيجية الإسرائيلية المعاصرة لتسميم العقل العربي والتشويش عليه، على مرتكزين رئيسيين،هما:

‏- إنكار صفة العدو أو المحرض عن الذات لإشغال الخصم بنفسه:

‏يشير إنعام النظر في الأطروحات الإسرائيلية في أعقاب بدء "الربيع العربي" عام 2011 إلى أن اسرائيل عملت على الترويج لفكرة رئيسية مؤداها أن هذه الأحداث أثبتت أن إسرائيل ليست هي سبب المشاكل أو عدم الاستقرار في الدول العربية، وإنما المسؤول عن ذلك هي مشكلات داخلية محضة، من قبيل: غياب الديمقراطية، وتفشي الفساد، والفقر...الخ.

‏وتستدل إسرائيل على صحة ادعائها وزعهمها هذا، بخلو ميادين العربية منذ عام 2011 من أية شعارات مناهضة لإسرائيل، بل إن المتظاهرين انصب اهتمامهم على مطالب اقتصادية واجتماعية وسياسية داخلية، كما لم تشهد هذه الميادين- وفقًا لهذه الرؤية الإسرائيلية- أي محاولات لحرق العلم الإسرائيلي، وهو ما تعتبره النخبة الإسرائيلية بمثابة حالة من "الغياب الحميد".

‏وتهدف إسرائيل من وراء هذا الإدعاء، إلى إشغال الرأي العام العربي بوضعه الداخلي من جهة، ومن جهة أخرى، إثارة السجال الدائم بين الشعوب وبين القيادة السياسية، على نحو يُنهك صانع القرار العربي ويستنزف وقته وجهده في محاولات تفنيد الشائعات الداخلية والحفاظ على شرعية الحكم من التآكل، ما يعني صرفه عمليًا عن أي سياسة خارجية ودفاعية ناجحة، ناهيك عن التفكير أصلًا في إسرائيل.

‏- ابتكار "عدو إقليمي بديل" لاحتواء الخصم وتحويله إلى حليف: 

‏تروج النخبة الإسرائيلية، عبر المحافل الأكاديمية والمراكز البحثية ومختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، لفكرة رئيسية أخرى، مفادها: أن دول وشعوب المنطقة باتت تواجه "عدوًا مشتركًا"، يتعين عليها التعاون والتكاتف من أجل مواجهته، وهو: إيران النووية صاحبة الطموحات التوسعية، والجماعات المتطرفة من أمثال: تنظيمي "القاعدة" و"داعش".

‏ووفق هذة القناعة راحت إسرائيل تروج لما أطلقت عليه "تحالف القلقين" ضد هذا العدو المشترك.

 

‏الحقيقة أن إسرائيل برعت في تبني خطاب سياسي وإعلامي يتسم بالمغالطات، والقائم على استخدام حقائق معينة على الأرض وتطويعها لخدمة مصالحها العليا وأمنها القومي.

‏ويمكننا في هذا المقام أن نشير إلى ملاحظات، على جانب من المغالطات التي تنطوي عليها الإستراتيجية الإسرائيلية المشار إليها، تاركين تفاصيل تفنيدها وتفكيك حججها ومزاعمها لمقال لاحق.

‏فمن جهة أولى، أن إسرائيل التي تطالب بتقييد برنامج إيران النووي -رغم طابعه السلمي- ما زالت هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك سلاحًا نوويًا، وتنتهج سياسة "الغموض البناء"، للتهرب من التوقيع على المعاهدة الدولية لحظر الأسلحة النووية "NPT". كذلك هي من لديها أجندة تاريخية ممنهجة لأطماع توسعية في الشرق الأوسط، وليست "استراتيجية المحيط" سوى مثال واحد فقط على ذلك، وهي الاستراتيجية التي أرساها ديفيد بن غوريون وقام على تنفيذها من بعده تلامذته من أمثال: جولدا مائير، ومناحم بيجن، وموشيه دايان، وأرئيل شارون وصولًا إلى بنيامين نتنياهو.

 

‏ومن جهة ثانية، علاقة إسرائيل بالتنظيمات المتطرفة بالمنطقة وفي مقدمتها: "القاعدة" و"داعش".

‏فقد احتضنت إسرائيل الإرهابيين من جرحى "داعش" و"النصرة"، ولم تقم هذه التنظيمات المتطرفة بأي هجمات ضد إسرائيل.

‏المقصود، أن إسرائيل تسعى جاهدة خلال العقد الأخير إلى التشويش على العقل العربي، بمستوياته الشعبية خصوصًا، مستخدمة جانبًا من أحداث الحاضر، لمحو وقائع الماضي، وتشويه رؤى المستقبل.

‏ويتطلب هذا الأمر، جهودًا مكثفة لتبني إستراتيجية مضادة متعددة الركائز، تكشف زيف المغالطات الإسرائيلية، وتُحصن العقول العربية الشابة خصوصًا، وتُسلحها بمخزون معرفي قوي، وبصيرة سياسية كاشفة، بمستوى إدراك عالٍ.

شارك