القائمة الرئيسية

سورية: المنطق الاقتصادي خلف القانون رقم 8 لعام 2021 وشروط النجاح

23-02-2021, 23:18 د. ابراهيم علوش
إضاءات

 

أصدر الرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الفائت القانون رقم 8 لعام 2021 الذي يسمح بتأسيس "مصارف التمويل الأصغر" بهدف تأمين قروض تشغيلية لمحدودي ومعدومي الدخل وتحقيق الاشتمال أو النفاذ المالي، أي تأمين الخدمات المالية والمصرفية مثل الادخار والتأمين وغيرها لشريحة اجتماعية لم تكن تصل إليها من قبل.

وإذا كان المغزى المباشر لاستصدار القانون رقم 8 هو الإسهام بحلحلة الأزمة المعيشية لشرائح العاملين الأكثر فقراً، أو للعاطلين عن العمل، فإن خلفه منطقٌ اقتصاديٌ وسياسي يمكن أن نجد أثره في خطاب الرئيس الأسد منذ بداية الحرب على سورية، وهو منطقٌ يتمحور حول إيجاد حلولٍ ملائمة لظروف سورية في هذه المرحلة بالذات لـ:

1) مشكلة البطالة

2) تحقيق نمو اقتصادي يخلق الوظائف (إذ ثمة أنواع من النمو الاقتصادي لا تؤمن إلا القليل من الوظائف)

3) تحقيق نمو اقتصادي بالرغم من ظروف الحصار والحرب الاقتصادية على سورية

4) مكافحة الاحتكار

5) العدالة الاجتماعية.

وكما أن وجودَ قطاعٍ عامٍ قويٍ ومهمٍ في سورية، كان صماماً للاستقرار خلال الحرب، وأحد مجالات تشغيل القوة العاملة الأهم، كذلك فإن التركيز على القطاع الخاص لا يعني بأية حال الاهتمام بكبار المستثمرين أو رجال الأعمال فحسب، بل أيضاً بالمهن الصغيرة.

وكان الرئيس الأسد قد تحدث في لقائه مع الحكومة في 16/4/2011 عن الحاجة لجذب الاستثمارات، مضيفاً أن ذلك كان يتم سابقاً بتقديم الإعفاءات للمستثمرين، ولكن جذب الاستثمار يتطلب أشياء أخرى إلى جانب الإعفاءات الضريبية وما شابه، مثل إيجاد آليات لمنع الفساد وتطوير القضاء وتوفير عمالة ماهرة.

وكما أوضح السيد الرئيس: "في السابق كنا نعطي إعفاءات للمشاريع التي يبلغ رأسمالها عشرات الملايين (والكلام في عام 2011). الحقيقة أن الاقتصاد السوري يُبنى على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولا يُبنى على المشاريع الكبيرة، لذلك ربما الفكرة الصحيحة هي السير بالتوازي مع ميزات للمشاريع الكبيرة وميزات أخرى للمشاريع الصغيرة".

الصناعات المتوسطة والصغيرة والحِرف بما أن كلام الرئيس الأسد عن الصناعات المتوسطة والصغيرة جاء في سياق الحديث عن معالجة مشكلة البطالة، ربما يتبادر للذهن أن القول إن الاقتصاد السوري يُبنى على المشاريع الصغيرة والمتوسطة يرتبط بحقيقة كون المشاريع المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغيرة أكثر تشغيلاً لليد العاملة مقابل كل مليون ليرة سورية مُستثمرة فيها من المشاريع الكبيرة التي غالباً ما تتصف بأنها تقوم على دوال إنتاج كثيفة الرأسمال أو كثيفة التكنولوجيا، مثل الصناعات الثقيلة أو العسكرية، مقابل المشاريع كثيفة العمل، أي الأكثر اعتماداً بالمقارنة على تشغيل اليد العاملة في العملية الإنتاجية، مثل مصانع الألبسة أو عملية قطف الخضار.

ولا شك في أن عنصر تشغيل اليد العاملة هو همٌّ رئيسي يدعو للتركيز على الصناعات كثيفة العمل عموماً، وعلى المشاريع المتوسطة والصغيرة خصوصاً، غير أن السبب الآخر الذي يدعو للتركيز على الصناعات المتوسطة والصغيرة في الحالة السورية بالذات هو أن الصناعات الكبيرة، مثل صناعة الحديد والصلب أو السيارات (ولا نتحدث عن تجميع السيارات هنا)، تحتاج لسوقٍ كبيرة لتكون مجدية اقتصادياً، وبالتالي فإن الاستثمار فيها في سورية، لا سيما في ظل الحصار الذي يعيق التصدير، ناهيك عن تفكك السوق السورية ذاتها في الحرب بسبب قطع الطرقات أو خروج مناطق عن سيطرة الدولة، قد يكون غير مجدٍ اقتصادياً، حتى تتحقق سوقٌ عربية مشتركة أو تُفتح الأبواب لتصدير المنتجات السورية على نطاق واسع.

ومع أن عدم الاستثمار في الصناعات الكبيرة ستعني أن سورية ستبقى معتمدة على استيراد الآلات من الخارج، فإن الاستثمار في مثل تلك الصناعات سيصبح باباً لتراكم الخسائر وهذا لا يمكن تقبله إلا حيث توجد ضرورات أمن قومي.

وهذه النقطة مهمة جداً لتحديد طبيعة البرنامج التنموي الذي يمكن أن تتبناه سورية. وفي كلمته على مدرج جامعة دمشق في 10/1/2012، تناول سيادته هذه النقطة بالذات مجدداً، قائلاً: "علينا أن نركز على الصناعات المتوسطة والصغيرة في الموضوع الاقتصادي، وأن نركز على الحِرف أولاً نحو قاعدة عريضة من فرص العمل والمزيد من العدالة الاجتماعية.

نحن نتحدث دائماً عن مقدار النمو (الاقتصادي)، ولكننا لا نحدد ما هو الهرم، قاعدة الهرم المستفيدة من هذا النمو... وهذا النوع من الصناعات (أي المتوسطة والصغيرة) بالإضافة إلى الحرف، يخلق عدالة اجتماعية كبيرة وبنفس الوقت لا يتأثر كثيراً بالحصار الخارجي، ولا يتأثر كثيراً بالظروف الأمنية، لذلك بدأنا مؤخراً نركز بشكلٍ كبيرٍ على المناطق الحرفية، ولذلك دعم الحرف في هذه المرحلة ضروري جداً".

وفي لقائه مع الحكومة في 26/6/2012 أكد سيادته على النقطة ذاتها: "الاقتصاد الصغير قليل التأثر بالظروف الخارجية وبتذبذبات الأسواق العالمية وبالحصار السياسي، طبعاً هو سياسي بنتائجه، هو حصار اقتصادي، فلذلك لا بد من التركيز على الصناعات الصغيرة والمتوسطة".

إذن هذا يثبت الاستنتاج الذي ذهبنا إليه أعلاه من أن الصناعات المتوسطة والصغيرة، والحرف، أكثر توظيفاً لليد العاملة، فنموها نموٌ يخلق الوظائف ويوزع ثمرات النمو على قاعدة اجتماعية أوسع، فهو نموٌ يعزز العدالة الاجتماعية، إذ ثمة أنواعٌ أخرى من النمو الاقتصادي (النسبة المئوية لارتفاع الناتج المحلي الإجمالي من عامٍ لآخر) لا يجاري فيها النموُ في الاقتصاد النموَ في توظيف القوى العاملة في البلد، وهي مشكلة كثُر الحديث عنها مؤخراً في الهند مثلاً في الأدبيات الاقتصادية، وهو ما يترك معدل البطالة مرتفعاً نسبياً بالرغم من حدوث النمو الاقتصادي؛ وهناك أنواع من النمو الاقتصادي الذي تتوزع ثماره بشكل أكثر انحيازاً لفئاتٍ من المجتمع دون غيرها، أي أنه لا يتحول إلى ارتفاعٍ في مستوى المعيشة بالنسبة لأغلبية العاملين، وهو نموٌ اقتصاديٌ تذهب ثماره لفئاتٍ أغنى في المجتمع، فيما يبقى الأجر الحقيقي (بعد أخذ التضخم بعين الاعتبار) ثابتاً نسبياً عبر السنوات، وهذا النوع من النمو الاقتصادي يكثر الحديث عنه في الولايات المتحدة الأمريكية بالمناسبة.

ينشد الرئيس الأسد إذن تحقيق نموٍ يخلق الوظائف وتتوزع ثماره على قاعدة اجتماعية أوسع، من خلال تنمية الصناعات المتوسطة والصغيرة في القطاع الخاص، بالتوازي مع إعادة إعمار البنية التحتية وتطويرها في حيز القطاع العام، والبنية التحتية تقوم على المشاريع الكبيرة طبعاً في أغلب الأحوال.

ويضيف سيادته بعداً آخر لأهمية الصناعات المتوسطة والصغيرة والحرف هو أنها أقل تأثراً بالحصار والظروف الأمنية، وذلك أنها يمكن أن تزدهر في مناطق وأسواق أصغر حجماً، وأنها أقل تركزاً وأكثر انتشاراً من الناحية الجغرافية، وهو ما يجعلها أقل عرضةً للاستهداف مقارنةً بالصناعات الكبيرة، ولذلك يدعو سيادته للاهتمام أكثر بالحرفيين، إذ كان التركيز في فترات سابقة منصباً على العمال والفلاحين، أو على رجال الأعمال والمستثمرين، أما الحرفيون فلم ينالوا حظهم من الاهتمام.

ولا بد من الانتباه هنا أيضاً إلى أن جعل قاعدة القطاع الخاص من المشاريع المتوسطة والصغيرة والحرفية ومتناهية الصغر، يساعد أيضاً في معالجة مشكلة الاحتكار التي تقوم على الإنتاج الكبير، عندما يكون مملوكاً من القطاع الخاص. شروط تحول القانون رقم 8 إلى فعل إيجابي ملموس في الواقع الاقتصادي الراهن من البديهي أن تحقيق الأهداف مرهونٌ بحسن التخطيط والتنفيذ والإشراف، ولذلك فإن صدور القانون رقم 8 بحد ذاته، أو أي قانون، لا يمثل عصاً سحرية على طريقة "كن فيكون"، إذ أن إمكانية تأسيس مصارف للتمويل الأصغر لا تعني بالضرورة وجوب تأسيسها، كما أن تأسيسها بحد ذاته لا يعني وجوب نجاحها، فذلك رهنٌ بـ: 1) مدى تجاوب المستثمرين من القطاع الخاص والمتبرعين والجمعيات غير الحكومية الوطنية والصديقة مع هذه المبادرة، وهو ما ينعكس على كمية رأس المال المتوفر فعلياً للتمويل الأصغر، فإذا كانت قليلة، فإن الأثر الاقتصادي لن يكون كبيراً، والعكس بالعكس

2) التعليمات التنفيذية لتطبيق القانون رقم 8 التي اعتمدها مجلس النقد والتسليف يوم 22/2/2021، وطريقة تطبيقها عملياً، لا سيما من ناحية تيسير أو تعقيد الإجراءات الإدارية المرتبطة بها

3) مدى اعتماد فكرة الجدوى الاقتصادية في التسليف الأصغر، إذ أن تخفيف شروط الكفالات والفوائد يمكن أن يكون مجدياً وجاذباً فقط في حالة وجود قدر من الثقة لدى الدائنين بأن المقترض سوف يكون قادراً على سداد القرض، وهو ما يتطلب عملياً توجيه القروض نحو استثمارات تمتلك فرصاً للنجاح، مهما كانت صغيرة

4) مدى انخراط المؤسسات الدائنة، أو مؤسسات التمويل الأصغر ذاتها، في الاستثمار في شبكات تسويق منتجات وخدمات المقترضين على مستوى وطني، أو في شبكات تأمين المواد الأولية والصيانة لهم

5) مدى اقتناع الدائنين أن الكثير من القروض الصغيرة المجدية اقتصادياً وقليلة الفائدة، أو عديمة الفائدة في حالة الشراكة مع المستثمر الصغير، هي أكثر ملائمة لظروف سورية في ظروف الحرب والحصار، من القليل من القروض الكبيرة ذات الفوائد العالية التي تتطلب استثمارات كبيرة ذات عوائد عالية قد لا يتيحها الظرف الاقتصادي الراهن

6) مدى تحول مصارف التمويل الأصغر إلى قنوات لتحقيق شراكات بين المودع الصغير والمقترض الصغير، بحيث يتم توظيف رأس المال الصغير استثمارياً، وهو ما يتطلب اطمئنان الدائن الصغير إلى أن "تحويشة العمر" توجهت نحو استثمار مجدٍ وآمن

7) قيام مؤسسات التمويل الأصغر بتثقيف المقترض الصغير استثمارياً، ضمن دورات قد تستغرق بضع ساعات فحسب، ليتعامل مع القرض كمشروع توظيف له ولعائلته، لا كـ"منحة".

القانون رقم 8 يفتح طاقة أمل إذن، والباقي رهنٌ بآلية كاملة لا بد من عملها بدأبٍ وانسجام لكي تتحول أهدافه إلى نتائج ملموسة على الأرض، وهذا ممكن، وضروري، ولكن ذلك رهنٌ بالآليات العملية والظروف المرافقة التي تتطلب الكثير من الجهد المنظم والموجه لتحويل القانون إلى رافعة تسهم بتحريك الدورة الاقتصادية في سورية في ظروف الحرب والحصار.

 

د.ابراهيم علوش 

شارك