فيروس قاتل يشبه الإيبولا ينتشر في الكونغو الديمقراطية ويثير القلق
منوعات
فيروس قاتل يشبه الإيبولا ينتشر في الكونغو الديمقراطية ويثير القلق
16 تموز 2026 , 12:10 م

يشهد فيروس بونديبوجيو (Bundibugyo)، وهو أحد الفيروسات النادرة والشبيهة بفيروس الإيبولا ، تفشيا متسارعا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مما أثار مخاوف واسعة بشأن قدرة الأنظمة الصحية على اكتشاف الأمراض النادرة واحتوائها قبل تحولها إلى أزمات صحية واسعة.

وترى البروفيسورة نانسي سوليفان، أستاذة علم الأحياء والفيروسات والمناعة والأحياء الدقيقة في جامعة بوسطن، أن هذا التفشي يمثل إنذارا واضحا بضرورة توسيع خطط الاستعداد لمواجهة جميع مسببات الأمراض الخطيرة، وليس فقط الفيروسات التي تحظى باهتمام إعلامي واسع.

وفاة ممرضة كشفت بداية التفشي

بدأت السلطات الصحية تدرك خطورة الوضع بعد وفاة ممرضة كانت مصابة بالفيروس، وهي الحادثة التي أكدت أن مرضا خطيرا بدأ ينتشر داخل المجتمع.

وتناولت نانسي سوليفان هذه القضية في مراجعة علمية نُشرت في مجلة نيو إنجلاند الطبية (The New England Journal of Medicine)، مؤكدة أن تفشي فيروس بونديبوجيو يجب أن يدفع العالم إلى إعادة تقييم استراتيجيات الاستعداد للأوبئة.

فيروس نادر من عائلة الإيبولا

ينتمي فيروس بونديبوجيو إلى عائلة الفيلوفيروسات (Filoviruses)، التي تضم أيضًا فيروس الإيبولا المعروف.

وقبل التفشي الحالي، لم يُسجل سوى تفشيين مؤكدين لهذا الفيروس؛ الأول في أوغندا عام 2007، والثاني في جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 2012.

لكن التفشي الحالي تجاوز الحالتين السابقتين من حيث سرعة الانتشار وعدد الإصابات.

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، بلغ عدد الحالات المؤكدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا 695 إصابة و138 حالة وفاة حتى 11 يونيو 2026.

سرعة التشخيص مفتاح احتواء الفيروس

تشير سوليفان إلى أن السيطرة على فيروس بونديبوجيو تعتمد بشكل أساسي على سرعة اكتشاف الإصابات.

ويتطلب ذلك تحديد الحالات المصابة في وقت مبكر، وعزل المرضى، وتتبع المخالطين، وتعزيز إجراءات مكافحة العدوى داخل المرافق الصحية، إضافة إلى توفير الرعاية الداعمة للمصابين.

ويسهم كل إجراء من هذه الإجراءات في قطع إحدى حلقات انتقال العدوى، إلا أن محدودية الإمكانات المخبرية في بعض المناطق تؤدي إلى تأخير تشخيص المرض، مما يسمح باستمرار انتقال الفيروس بين أفراد الأسرة والعاملين في القطاع الصحي والمرضى الآخرين.

يسبب حمى نزفية شديدة

يتسبب فيروس بونديبوجيو في الإصابة بحمى نزفية حادة قد تؤدي إلى التهاب واسع في الجسم، وإلحاق أضرار ببطانة الأوعية الدموية، وحدوث نزيف غير مسيطر عليه، وصولا إلى فشل عدد من الأعضاء الحيوية.

وينتقل الفيروس عبر الملامسة المباشرة لسوائل جسم الشخص المصاب، وهو ما يجعل مقدمي الرعاية الصحية أكثر عرضة للإصابة، خاصة داخل المستشفيات.

وكانت وفاة الممرضة هي أول مؤشر أدى إلى التعرف رسميا على تفشي الفيروس خلال عام 2026.

أعراضه تشبه أمراضا شائعة

يمثل التشخيص أحد أكبر التحديات التي تواجه السلطات الصحية، إذ تتشابه الأعراض الأولى لفيروس بونديبوجيو مع أعراض أمراض أخرى مثل الملاريا وحمى التيفوئيد وعدد من الأمراض المعدية، مما يجعل الاعتماد على الأعراض السريرية وحدها غير كافٍ لتأكيد الإصابة.

ولهذا السبب، تؤكد سوليفان أن الفحوصات المخبرية تعد الوسيلة الوحيدة لتشخيص المرض بدقة.

لكن هذا الأمر يفرض تحديات لوجستية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث إن محدودية قدرات المختبرات المحلية تعني أن العينات غالبا ما تُنقل لمسافات طويلة إلى المختبرات المرجعية الوطنية المجهزة للتعامل مع الأمراض الخطيرة.

وأوضحت سوليفان أن التأخير في جمع العينات أو نقلها أو تحليلها قد يؤخر تأكيد الإصابة لأيام أو حتى أسابيع، وهو ما يعرقل عزل المصابين، وتتبع المخالطين، وبدء إجراءات السيطرة على التفشي في الوقت المناسب.

الفيروسات النادرة تكشف ثغرات الاستعداد

يرى الباحثون أن تفشي فيروس بونديبوجيو يكشف نقطة ضعف رئيسية في خطط الاستعداد للأمراض المعدية.

ففي كثير من الأحيان، تركز برامج التأهب الصحي مواردها على مسببات الأمراض الأكثر شيوعا أو الأكثر احتمالا لإحداث أزمات صحية كبرى، بينما تحظى الفيروسات النادرة باهتمام محدود.

ويؤكد التفشي الحالي أن هذه الاستراتيجية قد تترك ثغرات خطيرة، لأن التنبؤ بالفيروس الذي سيتسبب في الوباء التالي يظل أمرا بالغ الصعوبة.

لا يوجد لقاح معتمد حتى الآن

شهدت السنوات الأخيرة تقدما في تطوير لقاحات وعلاجات ضد فيروسات الإيبولا والسودان وماربورغ، إلا أن فيروس بونديبوجيو أقل انتشارا، ولذلك لم يُطوَّر حتى الآن أي لقاح أو علاج مرخص مخصص له.

وتشير الأدلة العلمية إلى أن بعض اللقاحات المطورة ضد أنواع أخرى من الفيروسات قد توفر مستوى معينا من الحماية، إلا أن هذا الاحتمال لا يغني عن الحاجة إلى تطوير لقاحات وعلاجات مخصصة لهذا الفيروس.

دعوة إلى توسيع خطط الاستعداد العالمية

تؤكد نانسي سوليفان أن خطط الاستعداد للأوبئة يجب ألا تقتصر على تطوير وسائل التشخيص واللقاحات والعلاجات فقط، بل ينبغي أن تشمل أيضا الجاهزية التشغيلية للاستجابة السريعة والمنسقة بين الدول عند ظهور أي تفشٍ جديد.

وترى أن بناء منظومة عالمية أكثر استعدادا لمواجهة جميع الفيروسات القادرة على التسبب في أمراض خطيرة أو وفيات سيكون أكثر فاعلية من انتظار انتشار الأمراض المهملة قبل التحرك لمواجهتها.

المصدر: مجلة The New England Journal of Medicine