رؤى وفِكَرٌ تطويريّة لعمل الجبهة الوطنيّة التّقدميّة في سورية (16)\ نبيل أحمد صافية.
دراسات و أبحاث
رؤى وفِكَرٌ تطويريّة لعمل الجبهة الوطنيّة التّقدميّة في سورية (16)\ نبيل أحمد صافية.
نبيل أحمد صافية
13 نيسان 2022 , 16:37 م

سنتابع في الجزء الحالي لبيان دور النّخب السّياسيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة في سورية وأثرها لتفيد منها في الخلاص من الأزمة ضمن إطار تطوير عمل الجبهة الوطنيّة التّقدميّة في سورية ..

ولا بدّ في البداية من الإشارة لجانب الخدميّ الذي كان أسوأ من ذي قبل ، أي قبل الأزمة ، ذلك أنّ الواقع الاقتصاديّ في استنزاف الشّعب واستثماره ، وكأنّه بقرة حلوب عملت الحكومة على استثمار طاقاته وخيراته واسمحوا لي القول : ليراته ، قد جعلها تبتعد عن تقديم الخدمات الضّروريّة اللازمة إلّا ما ندر ، تحت ذريعة ضعف الإمكانات الاقتصاديّة للدّولة ، فهل تنتهي الأزمة لتفيد سورية من نتائجها ، ويغدو الشّعب فوق خطّ الفقر ، وهل تحسن الجمهوريّة العربيّة السّوريّة وضع أسس حقيقيّة للنّخب السّياسيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة لتفيد منها في الخلاص من الأزمة التي مرّت بما أنّها تعيش أزمة ضمن أزمة ؟! ، وهل وجود الحكومة الحالية يشكّل عامل استقرار في سورية ؟ ألم تشعر الحكومة بسوء خدماتها وسوء ما تقوم به من أجل العيش بكرامة في سورية تحت راية السّيّد الرّئيس بشّار الأسد ، وإلى متى سيبقى ذلك الشّعب يعاني من سوء أعمال تلك الحكومة _ وهي تماثل الحكومات السّابقة _ التي جعلته يعيش في أزمات خانقة ، وكانت سورية بوجود هكذا حكومة تعيش أزمة في أزمة ؟ فهي شبه عاجزة عن إيجاد حلول لما يعتري الإنسان السّوريّ من أزمات ، وربّما هي التي تخلقها نتيجة تضارب التّصريحات ، وهل كانت تلك الحكومة تعاقب الشّعب العربيّ السّوريّ الذي وقف إلى جانب وطنه ورئيسه وجيشه حتى تجعله يعاني ما يعانيه ؟!.

وإذا كان السّيّد الرّئيس قد التقى بالسّادة الوزراء في اجتماعهم الدّوريّ يوم أمس 14/5/ 2019، وقال لهم :

" إنّ الخطوة الأهمّ على طريق بناء تواصل فاعل مع المواطن هي الشّفافية وتزويده بالمعلومة ، إن كان حول الأزمات والحالات الطّارئة التي تواجه الحكومة ، ولها تأثير مباشر على حياة النّاس ، أو تلك التي يمكن أن تساعد على فهم عمل الحكومة والمؤسّسات الرّسميّة " ، فهذا القول يؤكّد صوابية ما ذهبت إليه وأنّ الحكومة كانت تخالف توجيهات السّيّد الرّئيس لأنّه أكّد ما قاله لذات الأشخاص من السّادة الوزراء قبلاً ، وتمّ انتقاد الحكومة من أعضاء مجلس الشّعب ، فهل نراهم يلتزمون بتوجيهاته في ظلّ ما يعصف في سورية من أزمات ؟!.

وإنّ من الملاحظ أنّ الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ربّما أصابت في بعض الحالات من استقطاب النّخب ، ولكنّها لم تكن لتصيب في كلّ ما قامت به من استقطاب ، إذا افترضنا أنّها استقطبت النّخب أو الطّليعة ، فهي سعت قبل الأزمة لاستقطاب حملة الشّهادات العلميّة العالية في مختلف الاختصاصات ، ولكنّ ذلك الاستقطاب كان ينضوي ضمن فئة محدّدة ومسمّى كاد أن يكون واحداً أو لنقل من لون واحد ، وتجاهلت في كثيرٍ من الحالات بقيّة فئات الشّعب ، رغم أنّهم يمتلكون مقوّمات العمل السّياسيّ أو الثّقافيّ أو الاقتصاديّ المتميّز ، ولكنّهم لا ينتمون لأحد أحزاب الجبهة أو الحزب الحاكم ، وهذا ما جعل ذلك الاستقطاب بعيداً عن مصدر القرار ، وربّما غير موجود أساساً ، وقد يكون خلاف مع وزير أو مدير... معيّن في مديريّة يعمل بها صاحب الخبرة سبباً لإبعاده وإقصائه رغم امتلاكه الشّهادة والمؤهّل والخبرة والمعرفة المؤدّية لإنجاح عمل قد يقوم به إذا تمّ تكليفه ، وهذه حالات عديدة مرّت في الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ، ولسنا بصدد البحث فيها وتعدادها ، وهذا يعدّ مخالفة من الدّولة للدّستور المعتمد حاليّاً في مادته الثّامنة التي قضت بالتّعدّدية السّياسيّة ، وكذلك للقانون الأساسيّ للعاملين في الدّولة ، وربّما يأتي وزير ليأخذ فكرة _ ليست له _ وينسبها لنفسه وانتمائه السّياسيّ كحال وزارة التّربية والإعلام والمصالحة الوطنيّة فيما قدّمته لمقام رئاسة الوزراء ، وسعت تلك الوزارات لإضفاء الصّفة الإبداعيّة لذاتها ، وهذا ما أشرت إليه بالتّفصيل في الجزأين الثّاني والثّالث من البحث عندما أفادت تلك الوزارات من دراساتي وأبحاثي ، وهذا ما أضعه بين يدي السّيّد الرّئيس كون حماية حقوق المؤلّف والحقوق المجاورة تحمي أعمالي فيما لو تمّ اللجوء للقضاء .

وبالتّالي فإنّ نظرة شموليّة للأمر يتبيّن أنّ الجمهوريّة العربيّة السّوريّة لم تحسن أن تضع أسساً حقيقيّة للنّخب السّياسيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة قبل الأزمة ، ولو أنّها أحسنت ذلك لما وصلنا إلى ما آلت إليه الأمور في بلدنا حاليّاً ، وكان الرّجل المناسب في المكان المناسب ، ولكن غالباً كان الرّجل غير المناسب في المكان الذي يكلّف للعمل فيه ، ومرّت الأزمة التي تعصف في أرض الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ، فهل ستكون الأزمة نقطة انطلاق جديدة تولّد تفكيراً جديداً يسهم في الحدّ من تلك الحالة التي عاشتها سوريّة ولا تزال ، وهذا ما جعل الشّعب العربيّ السّوريّ يعيش أزمة في أزمة ؟!، ومن هنا نتساءل :

هل تمتلك الجمهوريّة العربيّة السّوريّة مشاريعَ استراتيجيّةٍ حقّاً لتقوم بحلّ إشكاليّاتها وأزماتها عبر النّخب التي تطمح لها عبر تلوّن سياسيّ وثقافيّ واقتصاديّ وليس لون واحد واتّجاه يفرض رغباته ويسوّق لها غير عابئ بما يحدث بصورة حقيقيّة فاعلة ؟! ، وهل لدى سورية آليّات استراتيجيّة حقيقيّة أيضاً لمكافحة الفساد ؟!.

وذكرتُ قبلاً أنّني قدّمت بدراسات استراتيجيّة عديدة لتطوير عدد من وزارات الدّولة مسجّلة في رئاسة مجلس الوزراء ومحالة إلى وزاراتها المختصة ، كما أنّها مسجلة في مديرية حماية حقوق المؤلّف والحقوق المجاورة ضمن وزارة الثّقافة حفاظاً عليها لمضمون دراساتي وإقراراً بحقّي فيها برقم 3911 لعام 2018م ضمن عنوان :

" آراء تطويريّة لبعض وزارات الدّولة في ضوء مشروع الإصلاح الإداريّ للسّيّد رئيس الجمهوريّة " ، وتمّت الإفادة منها ، وقد أشرت فيها لبعض آليّات مكافحة الفساد بالسّجن لا كفّ اليد _ كما العادة _ ممّا يترك مجالاً لبعض من تسوّل له نفسه من المسؤولين بالفساد ، وحاليّاً أقوم بوضع دراسة لمنظومة جديدة معيّنة في سورية تكون ذات شخصيّة اعتباريّة تضع آليّات محدّدة لمحاربة ومكافحة الفساد ، وقد أكّد السّيّد الرّئيس على ضرورة إيجاد تلك الآليّات من مختلف الوزارات بتاريخ 29/11/2018 في لقائه بالسّادة الوزراء ، وإنّي على استعداد لتقديمها له شخصيّاً _ فيما لو طُلبَ ذلك منّي نظراً _ ، لأنّ سورية حاليّاً هي الأولى في المنطقة التي تسمّى منطقة الشّرق الأوسط ، والثّانية عربيّاً في انتشار الفساد وفق ما ذكرته منظّمة الشّفافية الدّوْليّة ، وربّما تسعى سورية إلى أن تكون الأولى عربيّاً في تفشّي حالات الفساد الكثيرة والتي تزداد فيها باضطراد ، وكانت عام 2018 في المرتبة ( 178 ) عالميّاً من أصل (180 ) دولة ، وهنا نتساءل : لماذا لا تتمّ مساءلة ومكاشفة ومحاسبة المرشّحين للفاسدين ؟ ، وما علاقة الانتماء السّياسيّ للفاسدين بحالات فسادهم ؟!.

وكان السّيّدان وزيرا المالية السّابق والصّناعة قد عملا على نفي حالات الفساد في الوزارتين اللتين يديرا شؤونهما _ وفق ما نشرته جريدة الوطن قبلاً _ وهذا يتعارض أيضاً مع ما جاء في خطاب السّيّد الرّئيس للسّادة الوزراء بتاريخ 29/11/2018 عن ضرورة الحدّ من انتشار ظاهرة الفساد في مختلف الوزارات ، كما يتعارض مع ما ورد عن الهيئة المركزية للرّقابة والتّفتيش حول قضية أكياس البولي بروبلين ، والتي جرى التّحقيق فيها مع وزير صناعة سابق ، ويأتي السّيّد وزير المالية السّابق ليؤّكّد عدم وجود حالات الفساد وينفيها ..

وعلى الجمهوريّة العربيّة السّوريّة أن تعيد للمجتمع تماسكه ووحدته بعيداً عن حالات التّنافر التي أضحت سمة مميّزة له في ظلّ الأزمة ، ولابدّ من إعادة هيكلة الدّولة من جديد ، ولابدّ من تطوير الإدارة التّربوية والثّقافيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة ووضع مواصفات ومؤهّلات للإدارة بدءاً من أدنى مرتبة وظيفيّة ومروراً برؤوساء الدّوائر والمديرين ومعاونيهم والوزير ومعاونيه ووضع استراتيجيّات جديدة لها وفق سياسة الدّولة ، وكلّ إدارة لها مواصفاتها ومؤهّلاتها ، ووضع نظام داخليّ لضبط عمل الإدارة وتوجيهها في مسارها الصّحيح الذي يخدم أهداف وسياسات الدّولة .

وختاماً : فإنّ كلّ ما سبق قد ذكرته في مقالات منشورة قبلاُ منها " أزمة الغاز في سورية بين إقرار السّيّد الرّئيس ونفي المسؤولين " و الأزمة السّوريّة في أزمة " و " النّخب السّياسيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة ودورها في سورية بعد الأزمة " ، وإنّي أضع كلّ ما تمّت الإشارة إليه بين يدي سيّد الوطن الدّكتور بشّار الأسد حفظه الله ورعاه آملين إيجاد حلول سريعة لما يتعرّض له الشّعب العربيّ السّوريّ ، ونناشده الخلاص من دواعش الدّاخل ، لأنّهم ليسوا أفضل من الإرهابيين وداعميهم .

وسنكون في الجزء القادم مع دور الجبهة الوطنية التّقدّمية في تطوير وزارات الدّولة وفلسفتها والنّهوض بها .. فأرجو المتابعة .

بقلم الباحث والمحلّل السّيّاسيّ : نبيل أحمد صافية

وعضو اللجنة الإعلاميّة لمؤتمر الحوار الوطنيّ في سورية

المصدر: موقع إضاءات الإخباري