كتب الأستاذ حليم خاتون: لماذا استجابت السعودية الآن؟
مقالات
كتب الأستاذ حليم خاتون: لماذا استجابت السعودية الآن؟
حليم خاتون
1 نيسان 2023 , 09:13 ص

كتب الأستاذ حليم خاتون

منذ سنين والجمهورية الإسلامية تحاول دون جدوى طمأنة دول الخليج وعلى رأسها السعودية...

منذ سنين وعرب الخليج ومصر والأردن والمغرب يرفضون يد الصداقة التي تمدها إيران...

فجأة، خرج بيان مشترك من بكين يقول إن السعودية وإيران قررتا إعادة العلاقات الديبلوماسية خلال ستين يوماً والبدء بتطبيع العلاقات بينهما...

هل يعني هذا أن الخليج قرر الخروج من تحت العباءة الأميركية التي تشرف على كل شيء في هذه المنطقة؟

هل يعني هذا الخروج من تحت الهيمنة العسكرية الكاملة التي تؤمنها القواعد الأميركية والسيطرة المطلقة للسلاح الأميركي والمستشارين العسكريين الأميركيين في جيوش بلدان هذه المنطقة؟

هل يعني هذا أن بلدان الخليج وعلى رأسها، المملكة السعودية، قرروا الخروج من السيطرة الاقتصادية المطلقة للغرب عبر تسعير النفط بالدولار حصراً، وعبر توظيف كل الودائع في سندات الخزينة الأميركية لتلقى نفس مصير كل الأموال المحتجزة بسبب أو بآخر من قبل الإمبريالية الأمريكية؟

من المؤكد أن هناك مبالغة كبيرة إلى درجة الاستحالة في أن ولي العهد السعودي استيقظ فجأة وشرب حليب السباع وقرر أن يضرب على الطاولة...

صحيح أن إبن سلمان ليس مغرما لا بالرئيس الأميركي بايدن ولا بالحزب الديمقراطي، كما كان الحال مع ترامب والجمهوريين...

لكن الخروج من علاقة الحب مع بايدن شيء، والخروج على الاستراتيجية الأميركية شيء آخر تماماً...

صحيح ان الحرب في أوكرانيا سمحت لدول الخليج بشيء من التحرر من السطوة الأميركية، ربما...

لكن هذه الحرب مضى عليها أكثر من سنة، "فشو عدا مما بدا؟"

على الأرجح أن شيئا كبير ما قد حصل...

وفقاً تسريبات غير محددة، ارسلت إيران رسالة إلى السعودية عبر الصين تقول فيها أن إيران جدية بالكامل في إرادة التطبيع مع دول الخليج...

لكن هل كان هذا هو المحتوى الوحيد في الرسالة الإيرانية؟

إيران كانت دوما جدية في طلب صداقة كل الشعوب باستثناء الكيانات الكولونيالية المصطنعة...

إذا، لماذا تلقفت السعودية العرض الإيراني هذه المرة؟

هل قرر محمد بن سلمان التوقف عن السير في عمليات التطبيع المجانية مع العدو الصهيوني؟

لو كان هذا صحيحاً، ما رأينا البحرين تستقبل في نفس الفترة مؤتمراً لرجال الأعمال الخليجيين والصهاينة في المنامة؟

نعم، هناك تغيير ما في سياسة وسلوك المنطقة...

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الدم العربي الحامي تدفق فجأة في أوردة هي ملئ اصلا بأمصال دم أميركي، على بريطاني، على حتى صهيوني...

هذا لا يعني ان الشعور بالعزة والكرامة العربية استيقظ فجأة، واكتشف إبن سلمان أنه كان يقتل طيلة ثمانية سنوات أطفال العرب في اليمن والعراق وسوريا...

عندما يقول الاميركيون أنهم كانوا على علم بما يجري في بكين... هذه صحيح...

هم كانوا فعلاً على علم؛ بل ربما حتى إن هذا حدث ويحدث بإيعاز أميركي...

أن لا يعرف جعجع أو سامي الجميل بما يحدث... هذا طبيعي...

فأمثال هؤلاء كثر في اسفل سلم التابعين للإمبريالية...

لكن محمد بن سلمان هو محفظة الخليج المالية وليس كما سمير جعجع الذي يحتاج إلى أمصال إبن سلمان بين الوقت والآخر...

قد نكون أُخذنا على حين غرة وصدقنا العواطف الكاذبة لإبن سلمان...

قد نكون صدقنا أن إبن زايد يكبح جموح التطبيع مع الصهاينة الذي كان وصل سقفه إلى الفضاء الخارجي...

لا، مهلاً...

إذا، ماذا احتوت الرسالة الإيرانية بالإضافة إلى جدية الصداقة المطلوبة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي...؟

كل ما حصل هو أن اسرائيل، وبموافقة أميركية، كانت قد قررت هذه المرة مهاجمة إيران بشكل مباغت ومتعدد...

ارسلت إيران كلاماً جدياً ومحددا احتوى جزرة الصداقة من جهة، كما احتوى عصا التهديد بتدمير كل الدول الحليفة أو الصديقة أو المطبعة مع الكيان الصهيوني...

خاف أمراء وملوك الذل في الخليج على مدنهم الزجاجية من ردة الفعل الإيرانية...

قرروا السير بخطة يطلقون عليها كما ظهر في وسائل الإعلام المختلفة، صفر مشاكل...

كما خدع أردوغان سوريا طيلة سنوات بسياسة صفر مشاكل قبل أن يساهم بشكل رئيسي في اكبر حرب كونية إرهابية ضد سوريا، كذلك يريد الخليج الفعل مع محور الممانعة وعلى رأسه إيران...

كان من المؤكد أن أي هجوم اسرائيلي سوف يستوجب رداً مباشرا إيرانياً على الكيان وعلى حلفاء الكيان من جيران إيران...

إذا، الأفضل أخذ سياسة النأي بالنفس لتجنب الصواريخ والمسيرات الإيرانية...

لكن السؤال الذي يطرح نفسه أوتوماتيكياً هو هل يمكن لأي هجوم اسرائيلي أن ينجح بتوجيه ضربة فعالة ومؤثرة على كامل الجغرافيا الإيرانية دون مشاركة اميركية؟

بالطبع لا...

إذا، لا بد من المشاركة الأميركية وحتى الأوروبية بعدما ظهر من قوة إيران وتأثيرها في قلب اتجاه الأمور اولا في العراق، ثم سوريا، ثم اليمن... إلى أن وصلت مسيرات إيران الى أوكرانيا...

كيف يحمي الخليج نفسه في حال مشاركة الأميركيين والقواعد الأميركية المنتشرة في تلك البلاد؟

ببساطة، عبر الإيحاء بأن الخليج بدأ يخرج من تحت عباءة أميركا...

ها هو ابن سلمان يجافي بايدن على الشاشات...

قد لا تنطلق الهجمات الأميركية حتى من القواعد في الخليج بأمر ظاهر من حكام المنطقة...

لكن هناك حاملات الطائرات، هناك أذربيجان وجورجيا، وربما غيرها...

ربما يتخيل كاتب هذه الأسطر نظرية مؤامرة كاملة الأوصاف كما الجريمة الكاملة...

لكن ما يحدث هو أكبر مما يظهر بكل تأكيد...

حذار أن تكون الصين وإيران ابتلعتا طعم أميركي عالي السمية قبل ضرب المنشآت الإيرانية...

قد تغض اميركا النظر في شيء ما في اليمن...

قد يتم السماح لدول الخليج بالعودة إلى سوريا...

قد يرفع الحصار جزئيا عن لبنان...

قد تصل الأمور حتى إلى الموافقة على مرشح حزب الله سليمان فرنجية لرئاسة لبنان...

في النهاية، سليمان فرنجية، رغم فروسيته في التعامل مع الآخرين من أمثال جعجع وباسيل والجميل، إلا أنه لا يعادي اميركا ولا الغرب...

بل حتى أنه كان أكثر من مرة مرشح الغرب لرئاسة لبنان حين أراد الغرب جسر تواصل مع سوريا وحزب الله...

قد يكون كاتب هذه الأسطر شديد الحساسية من السم الأميركي...

قد يكون التيار العقلاني في الولايات المتحدة يريد فعلاً تحييد إيران والضغط على نتنياهو كما يبدو الأمر أحياناً...

لكن المؤمن الحقيقي لا يجب أن يلدغ من الجحر الأميركي مرتين... كيف وهو قد لدغ أكثر من عدة مرات، ومن نفس الجحر؟

حليم خاتون 

المصدر: موقع إضاءات الإخباري