كتب الأستاذ حليم خاتون: لودريان يبحث في الأثمان المطلوبة
مقالات
كتب الأستاذ حليم خاتون: لودريان يبحث في الأثمان المطلوبة
حليم خاتون
23 حزيران 2023 , 11:36 ص

كتب الأستاذ حليم خاتون

في لبنان، الكل يعرف أن هناك أثمان يجب دفعها...

لذلك دعى الرئيس بري الى الحوار...

لذلك أيضاً، رفضت أحزاب ما يسمى بالمعارضة الذهاب الى هذا الحوار...

الكل يعرف أن المعنى الحقيقي للحوار هو الوصول إلى تسوية، وللوصول إلى هذه التسوية يجب دفع ثمن ما...

مع فرنجية، على الثنائي الشيعي أن يدفع ثمنا...

بدون فرنجية، على ثلاثي القوات التيار الكتائب وبقية الربع أن يدفع ثمنا...

اللبناني تاجر، والتاجر يعرف أن المساومة تجري في كل شيء، بما في ذلك في السياسة...

هنا كل القصة...

الحوار ليس أكثر من طاولة مقاصة سياسية...

اعطيني كي اعطيك...

المأزق الذي وصلت إليه الأمور له معنى واحد فقط: هناك من يرى أن الأثمان المطلوبة غير مناسبة...

الفرنسي فهم أن اللبنانيين يحتاجون إلى "دفشة"... تماما كما يجري في الجدل التجاري...

ظن الفرنسيون أن بالإمكان تمرير تسوية رئاسة الجمهورية مقابل رئاسة الحكومة...

الرئيس بري يريد هذه التسوية لأنها تضمن ستاتيكو لمدة ست سنوات لكي يلتقط النظام أنفاسه...

حزب الله وافق على هذه التسوية لأنه يريد الخروج من مأزق الداخل كي يتفرغ لما يحصل في الإقليم حيث هو ينتقل من مكسب إلى مكسب آخر...

الوضع اللبناني يشكل عائقا لحزب الله... لذلك هو يريد تسوية تؤدي إلى نفس هذا الستاتيكو أملا في أن "تتحلحل" الأمور لاحقاً...

الاميركيون يعرفون أن الحزب بحاجة لتهدئة الداخل لكسب مزيد من الانتصارات في الإقليم...

لذلك كانت التعليمة بالعرقلة...

لا يوجد عند الأميركيين تسوية محددة... المهم عندهم "خربطة" أي حل يريح حزب الله...

المكسب عند الأميركيين تحقق في الترسيم البحري وفي حالة الهدوء على الحدود اللبنانية الفلسطينية...

لا يزال الاميركيون يتقدمون خطوة في الإقليم...

هم موجودون مباشرة في قلب منطقة الخصم، في الشرق السوري...

يقطع الاميركيون شرايين التواصل بين العراق وسوريا، ومعهم الانفصاليون الأكراد...

أي إراحة للحزب داخل لبنان تعني تفضي الحزب وحلفائه لمزيد من الضربات التي قد ترغم الأميركيين على الهرب من سوريا كما هرب المارينز يوما من بيروت...

الاميركيون أيضاً يريدون ثمناً، وعندما يحصلون على هذا الثمن لن يلتفتوا لا إلى جعجع ولا إلى غير جعجع...

هل يمكن تصور الحديث الذي جرى بين الرئيس بري والمبعوث الفرنسي؟

هل يمكن تصور ماذا سوف يقول لودريان لثلاثي التيار القوات الكتائب؟

هل يمكن تصور ما باستطاعة لودريان قوله لجماعة حارة كل مين ايدو إلو من البقية؟

الرئيس بري وضع أمام المبعوث الفرنسي معادلة بسيطة جداً...

فرنجية يعني تهدئة الأوضاع في لبنان والبدء بمحاولة الوصول إلى حلول...

فرنجية هو مرحلة تأجيل النقاش في الخلل الواضح الذي ظهر في الطائف والذي لم تستطع تسوية الدوحة ترميمه...

إذا تم رفض فرنجية من قبل الطرف الآخر فهذا يعني رفض مرحلة تجميد الأوضاع بانتظار الوصول إلى حلول على البارد...

الثنائي الشيعي يفضل هذا الحل مع فرنجية لأن البديل هو سخونة قد تعيد لبنان الى عشية ١٣ نيسان ٧٥...

كلمة "تنذكر وما تنعاد" لا تكفي...

قيادة الساحات المختلفة لا تزال في ايدي نفس رجال حرب ال٧٥ الأهلية...

هؤلاء رضوا بالطائف لأنه سلمهم البلد...

انتزاع البلد من أيديهم ليس سهلاً...

مهما علا صوت المديح لاتفاق الطائف، لا يستطيع أحد صبغ هذا الاتفاق بأية قدسية... لذلك، من المرجح أن تكون كلمة الرئيس بري بسيطة: إما فرنجية والعودة إلى ستاتيكو نفس النظام لمدة هذه الرئاسة، على أن يتم بحث جدي في كل المآخذ لإدخال تعديلات على هذا الاتفاق...

وإما الدخول فورا في بحث هذه التعديلات تحت عنوان تطبيق ما لم يطبق من اتفاق الطائف مع اخذ مؤتمر الدوحة بالاعتبار لناحية زيادة الوزن الشيعي داخل النظام...

لودريان حمل هذه الرسالة وقالها لمن يتوهم أن الشارع معه لمغامرات جديدة...

التفاهم السعودي الإيراني لم يصل بعد إلى تفاهم أميركي إيراني...

لذلك لن يقدم أحد تنازلات على الساحة اللبنانية...

اللبنانيون ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا ساحة يوم نصبوا المتاريس السياسية وجعلوا من معركة الرئاسة ام المعارك...

الجميع طلع إلى الشجرة ولم يعد يعرف كيفية النزول...

الاستعانة بالخارج وانتظار الخارج هو تفتيش عن "الدبس من طيز النمس"...

إذا أردنا الخروج فعلاً من هذه الدوامة، يجب الفصل نهائيا بين الساحة اللبنانية والخارج...

حزب الله قوي في الخارج وقوي في الداخل...

أمام ما يسمى بالمعارضة حل واحد فقط لا غير...

الذهاب الى ستاتيكو مرحلة انتقالية لأن الحل الوحيد في لبنان لا يمكن أن يكون سوى في بناء دولة قوية علمانية عادلة على أسس احترام كل المكونات والمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات...

هذا لن يتحقق في يومين...

هذا قد يحتاج إلى سنوات...

فلنذهب إلى حوار لبناء هذه الدولة على البارد...

ليس المهم الدعوة إلى انتخابات جديدة...

المهم هو قانون الانتخاب نفسه...

رغم هزالة ما بقي من الحركة الوطنية اللبنانية، ورغم غياب بشير الجميل و"قزمية" من خلفه...

الحل الوحيد في لبنان لا يمكن أن يكون إلا قانون انتخاب وطني غير طائفي يمنع وصول أصحاب الرؤوس الحامية إلى البرلمان ويجعل من كل نائب ممثلاً فعلا لكل لبنان وليس لحارة هنا او حارة هناك...

كلفت الحرب الأهلية لبنان مئات آلاف القتلى وتدمير أسس لبنان القديم...

أوصلتنا هذه السخونة إلى حلول ناقصة أدت بنا إلى الأزمة الحالية...

تعالوا الى ستاتيكو هادئ مع إطلاق ورشة بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على نبذ كل العصبيات...

هذا لن يكون إلا بالحوار على طاولة مستديرة واحدة... وإلا...

الحرب قادمة لا محالة وحطبها مئات آلاف أخرى من الخراف من جميع الطوائف مع هجرات ضخمة أخرى تزعزع التوازن الديموغرافي إلى الاسوأ...

حليم خاتون

المصدر: موقع إضاءات الإخباري